معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الفاسدون لا ينهضون بالأوطان 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

قلّما عرف التاريخ أمة نهضت على ايدي الفاسدين ، فحين يصل الفساد إلى مراكز القرار تتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى اداة لتحقيق المصالح الشخصية . وبدلاً من بناء الدولة ، ينصرف الفاسدون إلى بناء ثرواتهم ونفوذهم ، فينهبون المال العام ، ويضعفون موسسات الدولة ، ويعطلون مسيرة التنمية ، فتدخل الأوطان في دوامة التخلف والتراجع .

ان الفساد ليس مجرد جربمة مالية أو مخالفة ادارية ، بل هو آفة اجتماعية وسياسية واقتصادية تهدد حاضر الدولة ومستقبلها . فالفساد المالي والإداري هو عدو التنمية ، لانه يبدد الموارد ، ويمنع الاستثمار ويقوض العدالة ، ويحرم المواطنين من ابسط حقوقهم في التعليم والصحة. والخدمات الأساسية .

ولا يقتصر خطر الفساد على اهدار الاموال ، بل يمتد إلى افساد منظومة القيم باكملها ، فحين تصبح الرشوة والمحسوبية والولاءات الضيقة بديلاً عن الكفاءة والنزاهة ، تنهار معايير العدالة ، ويشعر المواطن بأن القانون لايطبق إلا على الضعفاء ، بينما يتمتع الفاسدون بالحماية والنفوذ .ومن اخطر مايفعله الفساد ، انه يعمل على اضعاف وعي المجتمع ، فالأنظمة الفاسدة لاترغب في وجود شعب متعلم و واعٍ ، لانها تدرك ان الوعي هو اول خطوات التغيير ، لذلك تهمل التعليم وتضعف المؤسسات

الثقافية ، وتشجع الانقسامات الطائفية والعنصرية والعشائرية

، وتغذي الخلافات الداخلية لتبقي السلطة بيدها ، فينشغل الناس بصراعاتهم بدلاً من المطالبة بحقوقهم .

والفساد في العراق يمثل نموذجاً بالغ التعقيد ، إذ لم يعد حالات فردية معزولة ، بل اصبح منظومة متشابكة امتدّت إلى قطاعات ًمتعددة ، وتشكلت حولها شبكات من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية . ولذلك فان معالجته لا تتحقق باجراءات شكلية او حملات إعلامية ، وانما تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ، واصلاح مؤسسات الدولة ، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء ، وتجفيف منابع الفساد ومحاسبة من يحميه ويستفيد منه .

والتجارب الدولية تؤكد هذه الحقيقة ، فقد شهد العالم دولاً تمتلك ثروات طبيعية هائلة، لكن الفساد التهم مواردها وأفقدها فرص التنمية ، فتحولت إلى دول تعاني الفقر والتخلف وعدم الاستقرار ، وفي المقابل استطاعت دول كانت محدودة الموارد ان تحقق نهضة اقتصادية وعلميّة لانها جعلت النزاهة وسيادة القانون والشفافية اساساً للحكم والإدارة .

ان الفاسدين يختزلون الوطن في مشاريع تخدم قلة قليلة ، بينما يتركون غالبية الشعب تواجه الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات ، وهم لايسرقون الاموال فحسب ، بل يسرقون الامل ويبددون طموحات الأجيال ، ويجعلون المواطن يشعر بالغربة في وطنه .

ولايمكن ان نتوقع من منظومة قامت على الفساد ان تقضي على الفساد ، لان من كان جزءاً من المشكلة لا يستطيع ان يكون الحل .

فمحاربة الفساد يتطلب استقلال القضاء وتعزيز دور الموسسات الرقابية ، وحماية الصحافة الحرة ، وتمكين المجتمع من مساءلة المسؤولين وترسيخ مبدأ ان المنصب العام مسؤولية وطنية لا وسيلة للإثراء .

والفساد لا يقتصر على جانبه المادي ، بل يشمل الفساد الاخلاقي والسياسي ايضاً . فهو يقوم على الكذب والتضليل واستغلال النفوذ وتزييف الحقائق وتوظيف الشعارات والدين لتحقيق مصالح خاصة ، حتى يصبح الصدق استثناء ، وتغدو الحقيقة ضحية للدعاية والخداع .

وقد نسب إلى الزعيم نيلسون مانديلا القول

(( الفاسدون لايبنون وطناً ، وانما يسرقون روحه ويتركونه بلا ملامح )) هذا الكلام يعبر بدقة عن اثر الفساد في تدمير هوية الأوطان واضعاف انتماء مواطنيها .

وعندما يفقد المواطن ثقته بمؤسسات الدولة ، تتصدع العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وضعف هيبة القانون ، ويصبح البناء الوطني كله معرضاً للانهيار ، فالثقة هي راس مال الدولة الحقيقي ، واذا ضاعت الثقة ضاع معها الاستقرار ، وتعطلت التنمية ، وتراجعت قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته .

ان بناء الأوطان لاتتحقق بالشعارات ولا بالسرقات ولا باستغلال السلطة ، وانما يتحقق بالنزاهة والعدالة والكفاءة واحترام القانون .

فالدولة القوية ليست بالضرورة الأكثر ثراء ، بل هي التي تحسن ادارة مواردها وتحاسب الفاسدين وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار . ولذلك فان نهضة العراق ، او اي بلد آخر

لن تبدأ إلا عندما تصبح مكافحة الفساد مشروعاً وطنياً شاملاً ، يقوم على العدالة والمساءلة وسيادة القانون ، وعندما يؤمن الجميع بأن حماية المال العام وحماية كرامة الإنسان هما الاساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة ، وان الأوطان لايبنيها الفاسدون ، بل يبنيها الشرفاء الذين يجعلون خدمة الوطن فوق مصالحهم الشخصية .

عمان

في ٢/٧/٢٠٢٦

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *