معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الصوت الأنثوي الواحد في رواية توقيت آخر للحياة

حجم الخط

يوسف عبود جويعد

تنقلنا رواية ” توقيت آخر للحياة” للروائية بشرى الهلالي إلى عالم آخر، وبصوت أنثوي، إذ تقوم بطلة الرواية ملك، بمهمة إدارة الأحداث، وبلغة سردية شفافة وصادقة نابعة من أعماقها، حيث نلج عوالمًا مركبًة ومتداخلًة وإذ تصاحب الأحداث شيئًا من الغرائبية، وتجتاحها شحنة متقدة وهّاجة، من المشاعر والأحاسيس، لامرأة تعيش الحيرة، وتتلاعب فيها الاحداث، وكأنها في بحر عميق، تتلقفها الأمواج وترميها من موجةٍ الى أخرى، كون أن ملك اُختيرت من قبل المؤسسة الاعلامية، لحضور دورة تدريبيه مدتها خمسة أيام في أوغندا، هذا البلد الأفريقي الذي تصله لأول مرة، وإذ ترافقها في سفرتها زميلتها نجوى.
هذه الرواية ميزتها صدق المشاعر تمتزج مع الأحاسيس الأنثوية الحرة الطليقة وبتداعيات الذات الجريحة، مع كشف لوصف بلغة شاعرية لهذه الرحلة منذ أن أقلعت بهما الطائرة وحتى هبوطها في مطار أوغندا.
تقول:
” لم يكن مجرد السفر خارج البلد، ولا المال القليل الذي سيُمنح لي كمخصصات سفر، ما أغرياني، بل ولا حتى الرغبة في الهروب من الرجل الذي استباحني وتركني عارية من كل شيء، ربما هي الرغبة للغوص في مجهول جوزيف كونراد، الذي أحببتُ رواياته، لقد رحل إلى قلب الظلام في القارة السوداء، حيث الكونغو، ليسبر أغوار النفس البشرية. لطالما حلمت برحلة داخلية، كرحلاته، تعيد صياغة ذاتي، فأعود شخصاً، كما يحدث مع أبطال رواياته.” (ص 9)
وهكذا نكتشف أن أحداث هذه الرواية، تحمل مفهومين اولاهما محاولة الغوص في أعماق المجهول والتعرّف على أسرار البطلة وما حدث لها، وكذلك سنكون مع واقع الحياة في أفريقيا، لنكتشف أن الأحداث يكتنفها الكثير من الغموض وتحتاج لمتابعة متأنّية لتتضح أمامنا الكثير من الأحداث المتداخلة والغريبة. إذ يمكن لنا أن نطلق عليها سياحة روائية ومن ضمن تلك السياحة تتجلّى الاعترافات العميقة للبطلة.
لقد عمدت الروائية على جعل الرواية متداخلة بشكل فني متقن، فعندما نتابع حكاية ملك، نكتشف أنها وقعت تحت سطوة احد المتنفذين في المنطقة الخضراء، واستطاع أن يتزوجها زواج بورقة عرفي خوفاً من زوجته، وبعد أن حملت منه، طلّقها ورماها خارجاً تحمل بين أحشائها بذرة جنين سرعان ما تخلصت منه، وكذلك بطلة هذا النص بكونها اعلامية نشطة فأنها مشتركة مع المتظاهرين من ثوار تشرين في أوج انطلاقها، وتنقل بشكل يومي ما يحدث في ساحة التحرير من معارك دامية وبشكل يومي، وحتى أثناء سفرتها، تتابع من خلال الانترنيت مجريات هذه المظاهرات التي ازداد حمى وطيسها، وسقط الكثير من الشباب شهداء، وهم يحلمون بوطن آمن.
ومن خلال مجريات المسار السردي لأحداث الرواية، تقدم لنا تفاصيل عن الحياة السياسية في اوغندا، والمعارك التي دارت في مطار انتيبي، وسقوط حكم الرئيس عيدي أمين، وتفاصيل أخرى ذات صلة بالأحداث التي تدور في رحى هذه الرواية.
ويزداد الغموض في الاحداث داخل الفندق الذي سكنت فيه ملك وزميلتها، إذ تكتشف ملك أن هناك امرأة عجوز، تظهر بشكل حذر وتختفي دون أن يراها أحدا، وهي مقعدة تجلس على كرسي متحرك، ولما سألت عنها عرفت بأن سيا التي تعمل في ادارة الفندق حفيدتها، وكذلك ظهور شبح غريب، يظهر في وسط ظلام الليل محاولا دخول الفندق، وأشياء غريبة تحدث من هذا النوع ممّا أضفى إلى سرد الأحداث خيطا بوليسيًّا غامضًا.
وبعد بحث وتقصي والحاح من قبل ملك لمعرفة حكاية الجدة طالبة من سيا ان توضح ما يحدث، يتم لقاء بينهما، ونكتشف أن هذه العجوز كانت زوجة الرئيس عيدي أمين تزوجها عنوة، ـ فهو عندما يشاهد امرأة جميلة يتزوجها، وعندما حدث الانقلاب على الرئيس “عيدي أمين” يتم اعتقالها، إلاّ ان صاحب الفندق استطاع تبرئتها وإخراجها، وهذا سبب اختفائها وظهورها بشكل حذر، وتبدأ معالم الغموض تتضح بشكل تدريجي، تتخلل هذه الأحداث الكثير من المفاجآت الشيّقة الماتعة، التي تجعل القارئ يواصل المتابعة بعد توفر عناصر التشويق السردي المطلوبة.
وهكذا نكتشف أن حياة العجوز زوجة عيدي أمين، تشبه حياتها وما حدث لها من (م)، حيث تشير الروائية بهذا الرمز للشخصية المتنفذة، دون الإفصاح عن اسمه.
نتابع بشكل مسهب الحياة اليومية لملك داخل الفندق، والأحداث اليومية التي تعيشها، وإذ يطغي على السرد الصوت الأنثوي الوحيد وبكل تلقائية، حيث يتحول القارئ تدريجيًّا إلى جزء متعاطف مع البطلة المخذولة، ترافق القارئ ذلك الإحساس بمعاناة هذا الصوت الأنثوي الذي يقود الاحداث. ونلاحظ الاسهاب في التفاصيل بحياة البطلة داخل الفندق، بشكل قد يصيب بعض القراء بشيء من الملل
كما نلاحظ متابعتها لما يحدث إلى بلدها، وكذلك التواصل المستمر مع والدتها، وتزويدها بكل ما يحدث لها:
” سحبتُ منديلاً ورقياً، جفّفتُ به وجهي ورقبتي، ثُمَّ خطرت لي فكرة بطلب مروحة من إدارة الفندق، فقد أصبحت حرارة غرفتي لا تُطاق. نهضت بخطوات يثقلها التعب والإرهاق، كأن الحلم استنزف كل طاقتي، رغم أنني نمتُ نوماً جيداًُ الليلة، إذ راودتني رغبة في العودة الى السرير، إلاّ أن حرارة الغرفة مرتفعة جعلت النوم مستحيلاً.” (ص 169)
وتطلب ملك تمديد اجازتها لمدة اسبوع وتسافر الى نيروبي، وقررت أن تبقى هناك، الا أن صوت الوطن أقوى، بالرغم من نشوء علاقة عاطفية مع عادل، فتعود الى بغداد، وفي الطائرة، تظهر لها الاحداث امام عينيها وكأنها اشباح ترافقها.
رواية ” توقيت آخر للحياة” للروائية بشرى الهلالي، تمتلك الكثير من التفاصيل الفنية الحديثة، والصدق الواضح في مسارها السردي، وكتبت بهدوء وبشفافية عالية.
من اصدارات دار الحكمة للنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي لعام 2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *