م. م حسن عطاالله الخلخالي
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء واسع يصوغ أفكار الناس، ويؤثر في سلوكهم، ويعيد تشكيل مفاهيمهم عن الحياة والدين والثقافة والمجتمع. وأصبح الشباب يقضون ساعات طويلة داخل هذا العالم الرقمي الذي يختصر المسافات ويمنح الإنسان قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات، حتى بدا وكأن الوعي بات يُقاس بما يملكه الفرد من حسابات ومتابعات ومحتويات متداولة. غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تصنع هذه الوسائل وعياً حقيقياً، أم أنها تنتج وعياً سطحياً سريع الزوال؟
إن المتأمل في طبيعة الخطاب الرقمي المعاصر يلحظ أن أغلب المحتوى يقوم على السرعة والإثارة والاختصار، بينما يحتاج الوعي الحقيقي إلى التأمل والتحليل والتفكير الهادئ. فليس كل من امتلك معلومة صار واعياً، ولا كل من تابع الأحداث أصبح قادراً على فهمها. ومن هنا يفرق الإسلام بين “المعرفة العابرة” و”البصيرة” التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز والحكم الصحيح.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في أكثر من موضع، فقال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
فالقرآن لا يدعو إلى مجرد القراءة السطحية، بل إلى التدبر العميق الذي يفتح للإنسان أبواب الوعي والفهم. وهذا ما تفتقده كثير من البيئات الرقمية التي تعود الإنسان على الاستهلاك السريع للمحتوى دون تأمل أو مراجعة.
كما يحذر القرآن من الانقياد خلف الأخبار والمعلومات دون تحقق، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وهذه الآية تمثل قاعدة أخلاقية وفكرية مهمة في عصر الإشاعات الإلكترونية؛ إذ إن كثيراً من الأزمات الاجتماعية والفكرية اليوم بدأت بخبر غير موثق أو مقطع مجتزأ أو معلومة مزيفة انتشرت بسرعة عبر المنصات الرقمية.
ويؤكد القرآن كذلك مسؤولية الإنسان عن كل ما يتبناه أو ينشره، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
فالإنسان في المنظور الإسلامي ليس متلقياً سلبياً، بل كائن مسؤول عن وعيه وكلمته وموقفه، ولذلك فإن إعادة نشر الشائعات أو تبني الأفكار دون معرفة حقيقية يعد لوناً من ألوان التفريط بالمسؤولية الأخلاقية.
إن أخطر ما قد تصنعه بعض مواقع التواصل ليس الجهل المباشر، بل “وهم الوعي”، حين يظن الإنسان أنه أصبح مثقفاً لمجرد متابعته للمقاطع القصيرة والعبارات المختصرة، بينما يبقى بعيداً عن القراءة المتعمقة والفهم الرصين. ولهذا قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
فالوعي في الإسلام قيمة معرفية وأخلاقية، وليس مجرد حضور إعلامي أو تفاعل إلكتروني.
وقد أولت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أهمية كبرى للعقل والبصيرة، لأنهما الأساس في بناء الإنسان الواعي. فقد روي عن الإمام موسى الكاظم أنه قال:
«يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول».
وتكشف هذه الرواية عن مكانة العقل في الإسلام، فهو ليس أمراً ثانوياً، بل أداة الهداية الداخلية التي تحفظ الإنسان من الانسياق خلف التضليل الفكري والإعلامي.
وعن الإمام جعفر الصادق أنه قال:
«العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلا بعداً».
وهذه الرواية تنطبق بدقة على واقع العالم الرقمي؛ إذ قد يمتلك الإنسان سرعة الوصول إلى المعلومات، لكنه يفتقد البصيرة التي تمنحه القدرة على الفهم الصحيح، فيتحول إلى إنسان كثير الحركة قليل الإدراك.
كما روي عن الإمام الحسن المجتبى قوله:
«عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله».
فكما يحرص الإنسان على سلامة غذائه الجسدي، ينبغي أن يحرص على سلامة غذائه الفكري؛ لأن كثيراً من المحتويات الرقمية تحمل أفكاراً منحرفة أو قيماً سطحية قد تؤثر تدريجياً في هوية الشباب وأخلاقهم.
ومن أعمق الكلمات التي تكشف معيار القيمة الحقيقية للإنسان ما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال:
«قيمة كل امرئ ما يحسنه».
فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الشهرة الإلكترونية، وإنما بما يحمله الإنسان من علم ووعي وأخلاق وأثر نافع في المجتمع.
ولأن مواقع التواصل كثيراً ما تتحول إلى ساحات للجدل الحاد والانفعالات السريعة، جاءت توجيهات أهل البيت (عليهم السلام) لتؤكد أهمية الأخلاق في الحوار، فقد قال الإمام علي بن أبي طالب:
«ثمرة العقل مداراة الناس».
فالوعي الحقيقي يظهر في حسن التعامل واحترام الآخرين وضبط الكلمة، لا في إثارة الخصومات والسخرية والتنمر الإلكتروني.
إن الإسلام لا يرفض وسائل التواصل الحديثة، بل يدعو إلى توظيفها توظيفاً واعياً يخدم الإنسان والمجتمع. فهذه الوسائل يمكن أن تكون منابر للعلم والمعرفة ونشر القيم، كما يمكن أن تتحول إلى أدوات لتشويه الوعي وإضاعة الوقت إذا غاب عنها الضابط الأخلاقي والفكري. ولذلك فإن مسؤولية الشباب اليوم ليست في أن يكونوا مجرد مستخدمين للتكنولوجيا، بل أن يكونوا أصحاب رسالة وبصيرة، قادرين على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الثقافة العميقة والاستهلاك السريع للمحتوى.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، يبقى الوعي الحقيقي عملة نادرة؛ لأنه يحتاج إلى عقل ناقد، وروح واعية، وارتباط بالقيم الإلهية والإنسانية. ومن هنا فإن بناء الوعي لا يبدأ من الشاشة، بل من بناء الإنسان نفسه، فكراً وأخلاقاً وإيماناً، ليستطيع أن يجعل من وسائل التواصل جسراً للمعرفة والإصلاح، لا أداة للضياع والتشتت.
م. م حسن عطاالله الخلخالي

