معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الانحراف الفكري لدى الشباب المعاصر وسبل معالجته عند الإمام علي (عليه السلام) 

حجم الخط

حسن عطا الله الخلخالي

 

يمثّل الشباب الثروة الحقيقية لأيِّ مجتمع، فهم مرحلة القوة والطاقة والبناء، وبصلاحهم تصلح الأمة، وبانحرافهم تتعرض القيم والهوية إلى الخطر. وقد شهد العصر الحاضر تحولات فكرية وثقافية واسعة نتيجة الانفتاح الإعلامي والتطور الرقمي الهائل، الأمر الذي جعل الشباب يعيشون وسط سيلٍ من الأفكار والثقافات والسلوكيات الوافدة، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المشاهير مؤثرًا أساسًا في تشكيل أفكارهم وقيمهم وأنماط حياتهم.

ولم يعد الانحراف الفكري يقتصر على تبنّي أفكار متطرفة فحسب، بل اتسع ليشمل ضعف الهوية الدينية، والاستهانة بالقيم الأخلاقية، والانبهار المفرط بالثقافة الغربية، وتقليد المشاهير تقليدًا أعمى، والابتعاد عن العلماء والفقهاء والنماذج الصالحة التي تمثل الامتداد الحقيقي لقيم الإسلام وأخلاق أهل البيت (ع).

ومن هنا تبرز الحاجة إلى العودة إلى تراث أهل البيت (ع)، ولاسيما كلمات الإمام علي (ع) ، لما يحمله من رؤية تربوية وفكرية عميقة قادرة على معالجة أزمات الإنسان في كل زمان، ومنها أزمة الشباب المعاصر.

 

أولًا: مظاهر الانحراف الفكري لدى الشباب المعاصر

تتجلى مظاهر الانحراف الفكري لدى بعض الشباب في صور متعددة، منها:

 

١- ضعف الهوية الإسلامية

 

أصبح بعض الشباب يشعر بالانبهار بالحضارة الغربية إلى درجة فقدان الثقة بهويته الدينية والثقافية، فيرى أن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلي عن القيم الإسلامية وتقليد المجتمعات الأخرى في السلوك والمظهر والتفكير.

وهذا ما يؤدي تدريجيًا إلى حالة من الاغتراب الفكري، فيبتعد الشاب عن تراثه الديني، ويشعر أن الالتزام بالقيم نوعٌ من التخلّف، بينما يُنظر إلى الانفتاح غير المنضبط بوصفه تحضرًا وتقدمًا.

 

٢- التقليد الأعمى للمشاهير

 

لقد أصبح المشاهير والمؤثرون عبر مواقع التواصل يمثلون قدوات لكثير من الشباب، حتى بات بعضهم يقلدهم في المظهر واللغة والسلوك والأفكار دون وعي أو تمييز.

وهذه المشكلة خطيرة؛ لأن كثيرًا من المشاهير لا يملكون مشروعًا أخلاقيًا أو فكريًا، بل يروّجون أحيانًا للسطحية والانحلال والاستهلاك الفارغ، فيتحول الشباب من أمةٍ تملك رسالة إلى أفرادٍ يلهثون خلف المظاهر.

 

٣- الابتعاد عن العلماء والقدوات الصالحة

ومن أخطر مظاهر الانحراف الفكري ابتعاد الشباب عن العلماء والفقهاء والمربين الصالحين، إذ أصبح بعض الشباب يستقي أفكاره من الإنترنت أو من شخصيات لا تمتلك علمًا ولا حكمة، مما يجعله عرضة للشبهات والانحرافات الفكرية والأخلاقية.

بينما أراد الإسلام للإنسان أن يرتبط بأهل العلم والبصيرة، لأنهم يمثلون حصنًا يحفظ العقل والدين من الانحراف.

 

ثانيًا: أسباب الانحراف الفكري عند الشباب

 

١- الفراغ الروحي

حين يبتعد الإنسان عن الله تعالى يفقد الطمأنينة والمعنى الحقيقي للحياة، فيبحث عن بدائل وهمية تملأ فراغه النفسي، وقد تكون هذه البدائل أفكارًا منحرفة أو تعلقًا مفرطًا بالمظاهر والمشاهير.

 

٢- ضعف الوعي والثقافة الدينية

 

إن الجهل بالقيم الإسلامية وبفكر أهل البيت (ع) يجعل الشاب عاجزًا عن مواجهة الشبهات والتيارات الفكرية المختلفة، ولذلك يسهل التأثير عليه وتوجيهه.

 

٣- الإعلام غير الهادف

 

تلعب بعض وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في نشر ثقافة الاستهلاك والانحلال، من خلال تصوير التمرد على القيم بوصفه حرية، وتصوير الالتزام الأخلاقي على أنه تقييد للحياة.

 

ثالثًا: معالجة الانحراف الفكري عند الإمام علي (عليه السلام)

إن كلمات الإمام علي (ع) تمثل مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان الواعي أخلاقيًا وفكريًا، ويمكن الاستفادة منها في معالجة أزمات الشباب المعاصر.

 

١- بناء الوعي والبصيرة

يؤكد الإمام علي (ع) أهمية الوعي وعدم الانسياق خلف الآخرين دون تفكير، إذ يقول:

(لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا) (١)

تحمل هذه الكلمة رسالة عظيمة للشباب، فالإمام (ع) يرفض أن يتحول الإنسان إلى تابعٍ فاقدٍ للإرادة يقلد الآخرين دون وعي. واليوم نرى كثيرًا من الشباب أسرى للمشاهير أو للثقافات الوافدة، حتى أصبحت آراؤهم وسلوكياتهم تُصاغ وفق ما يراه الآخرون.

إن الحرية الحقيقية في فكر الإمام علي (ع) ليست التمرد على القيم، بل التحرر من التبعية العمياء ومن سيطرة الشهوات والأفكار المنحرفة.

 

٢- التحذير من الانجراف مع الباطل

يقول الإمام علي (ع):

(وإنما سُمِّيت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق)(٢)

وهذه الكلمة تعبّر بدقة عن واقع الانحراف الفكري المعاصر، فالكثير من الأفكار المنحرفة تُطرح اليوم بشعارات جذابة كـ”الحرية” و”التطور” و”التحضر”، لكنها في حقيقتها قد تؤدي إلى ضياع القيم والأخلاق.

ومن هنا يحتاج الشباب إلى الوعي والتمييز وعدم قبول كل فكرة تُطرح في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل.

 

٣- اختيار القدوة الصالحة

 

من أهم أسباب استقامة الإنسان اختيار القدوة الصحيحة، ولذلك يقول الإمام علي (ع):

(انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال)(٣)

فالقيمة الحقيقية ليست في شهرة الشخص أو عدد متابعيه، بل في صدق فكره وصلاح عمله. ومن المؤسف أن بعض الشباب أصبحوا يقتدون بأشخاص لا يحملون رسالة أخلاقية، بينما يبتعدون عن العلماء والمصلحين الذين يمثلون الامتداد الحقيقي لنهج أهل البيت (ع).

إن الشاب يحتاج إلى قدوة تبني عقله وروحه، لا قدوة تسرق منه هويته وقيمه.

 

٤- أهمية العلم والمعرفة

يرى الإمام علي (ع) أن العلم أساس النجاة، إذ يقول:

(ياكميل العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال)(٤)

فالإنسان الواعي يصعب تضليله أو استغلاله فكريًا، ولهذا فإن تحصين الشباب يبدأ ببناء عقولهم بالعلم والثقافة والمعرفة الدينية الأصيلة.

ولذلك ينبغي ربط الشباب بالقرآن الكريم، وبتراث أهل البيت (ع)، وبالقراءة الواعية، وبالعلماء الربانيين الذين يجمعون بين العلم والأخلاق.

 

٥- تهذيب النفس ومقاومة الشهوات

يقول الإمام علي (ع):

(من كَرُمَت عليه نفسه هانت عليه شهواته) (٥)

إن كثيرًا من الانحرافات الفكرية والأخلاقية تبدأ من ضعف السيطرة على النفس والانجراف وراء الرغبات والشهوات. ولذلك يربط الإمام علي (ع) بين قوة الشخصية وبين تهذيب النفس، لأن الإنسان الذي يحترم ذاته لا يسمح للأفكار المنحرفة أن تعبث بعقله وأخلاقه.

رابعًا: مسؤولية المجتمع في حماية الشباب

إن معالجة الانحراف الفكري ليست مسؤولية فردية فقط، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية.

فالأسرة مطالبة ببناء الحوار والثقة مع الأبناء، والمدرسة مطالبة بغرس القيم والوعي، والمؤسسات الدينية مطالبة بتقديم خطاب معاصر قريب من لغة الشباب، والإعلام مطالب بتقديم نماذج إيجابية بدل الترويج للتفاهة والانحلال.

كما ينبغي فتح المجال أمام الشباب للارتباط بالعلماء والمفكرين الصالحين، لأن الفراغ الفكري إذا لم يُملأ بالحق ملأه الباطل.

 

فالانحراف الفكري من أخطر التحديات التي تواجه الشباب في العصر الحديث، لأنه لا يستهدف السلوك فقط، بل يستهدف الهوية والعقيدة والقيم. ومع اتساع تأثير الإعلام والمشاهير والثقافات الوافدة أصبح كثير من الشباب يعيش حالة من الضياع الفكري والابتعاد عن الأصالة الإسلامية.

غير أن كلمات الإمام علي (ع) في نهج البلاغة ما تزال تمثل نورًا يهدي الإنسان إلى طريق الوعي والبصيرة، فهي تدعو إلى الحرية الواعية، والعلم، واختيار القدوة الصالحة، والتمييز بين الحق والباطل، وبناء الشخصية المؤمنة المعتزة بقيمها.

ومن هنا فإن العودة إلى فكر الإمام علي (ع) ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل هي مشروعٌ لبناء مستقبل الشباب وحماية وعيهم وهويتهم من الانحراف والضياع.

 

الهوامش :

‏(١) نهج البلاغة، من وصية الإمام علي (ع) للإمام الحسن (ع).

‏(٢) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، الخطبة ٣٨.

‏(٣) غرر الحكم ودرر الكلم، ج 1، ص 177.

‏(٤) نهج البلاغة ، الحكمة ١٤٧.

‏(٥) نهج البلاغة ، الحكمة ٤٤٩

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *