معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

لماذا الشرق الأوسط؟ الحلقة الرابعة

حجم الخط

الثروات الطبيعية والأهمية الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط

رابعا : الثروات الطبيعية والأهمية الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط

تعد الثروات الطبيعية من أهم مقومات القوة الاقتصادية والاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط ، ويأتي النفط والغاز في مقدمة هذه الثروات ، لما تمتلكه المنطقة من احتياطيات ضخمة وإمكانيات إنتاجية وتصديرية جعلتها تحتل موقعا محوريا في سوق الطاقة العالمي . ولم تعد أهمية النفط تقتصر على كونه موردا اقتصاديا أو مادة خام تدخل في العديد من الصناعات ، بل أصبح منذ اكتشافه وإنتاجه بكميات تجارية كبيرة أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في العالم المعاصر .

أولا : الأهمية الاستراتيجية للنفط

يمثل النفط موردا ماليا رئيسيا لعدد من الدول المنتجة والمصدرة في المنطقة، إذ تعتمد بعض الاقتصاديات بصورة كبيرة على عائداته في تمويل الموازنات العامة وخطط التنمية . كما يدخل النفط بوصفه مادة أساسية في عدد واسع من الصناعات، ولاسيما الصناعات البتروكيماوية ، فضلا عن دوره المحوري في قطاعات النقل والطاقة والصناعة والتجارة .

وقد ارتبط النفط ارتباطا وثيقا بتطور الاقتصاد العالمي وتطوراته وصعود النظام الصناعي الحديث ، إذ أسهم في تسريع عمليات التصنيع ، وتوسيع حركة النقل والتجارة ، وتعميق الترابط بين الأسواق العالمية ، وفي المقابل ، أصبحت الدول المنتجة للنفط ولاسيما دول الشرق الأوسط ، جزءا أساسيا من منظومة دولية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والفكرية والاستراتيجية.

ومن هنا ، لم يعد النفط مجرد سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، وإنما أصبح أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية وأداة مؤثرة في موازين القوى الدولية . فالدول التي تمتلك الاحتياطيات والإمكانيات الإنتاجية والتصديرية الكبيرة تستطيع أن تؤثر بدرجات مختلفة ، في أسواق الطاقة العالمية ، في حين أن الدول المستهلكة الكبرى تسعى إلى ضمان أمن إمداداتها واستمرار تدفق النفط من مناطق الإنتاج إلى أسواقها .

ويمكن تشبيه النفط بـ (الدم الأسود) في الاقتصاد العالمي ، فكما أن الدم يتدفق بصورة مستمرة للحفاظ على وظائف جسم الإنسان ، فإن تدفق النفط عبر الأسواق العالمية يمثل عاملا أساسيا لاستمرار نشاط قطاعات واسعة من الاقتصاد . فهو يغذي الصناعة والنقل والطاقة والزراعة وسلاسل الإمداد ، ولذلك فإن أي اضطراب في إمداداته أو ارتفاع حاد في أسعاره في أسعاره يمكن أن ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والتجارة ومعدلات التضخم والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم .

وقد أدى توافر النفط بكميات ضخمة في منطقة الشرق الأوسط إلى منح دول المنطقة ميزة استراتيجية استثنائية ، وجعلها محط اهتمام القوى الكبرى منذ بدايات عصر النفط وحتى الوقت الحاضر . وتزداد هذه الأهمية بسبب تداخل الثروة النفطية مع الموقع الجغرافي للمنطقة ، ووجود الممرات والمضائق البحرية الاستراتيجية ، وفي مقدمتها مضيق هرمز ، الذي يمثل أحد أهم منافذ تصدير الطاقة من المنطقة إلى الأسواق العالمية .

١- حجم الاحتياطيات والإنتاج والصادرات النفطية في الشرق الأوسط .

والجدول رقم (٨) يبين أهم الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط ، من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد والإنتاج اليومي والصادرات اليومية .

جدول رقم (٨) يبين أهم الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط

الدول الاحتياطي النفطي مليار برميل الإنتاج اليومي مليون برميل الصادرات م/ب اليومية

السعودية ٢٦٧ ١٠,٥ – ١١ ٧ – ٧,٥

إيران ٢٠٨ ٥ ٢ – ٢,٥ بسبب العقوبات

العراق ١٤٥ ٤,٢ – ٤,٥ ٣,٢ – ٣,٥

الإمارات ١١١ ٤ ٢ – ٢,٥

الكويت ١٠١ ٢,٧ – ٣ ٢ – ٢,٥

قطر ٢٥ ١,٨ ١,٢ – ١,٥

عُمان ٥ ١ ٠,٨ – ٠,٩

المجموع الكلي ٨٦٢ مليار برميل ٣٠ مليون برميل ٢٢ مليون برميل

 

ويتضح من بيانات الجدول ضخامة الموارد النفطية التي تمتلكها منطقة الشرق الأوسط ، من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد والإنتاج اليومي والصادرات اليومية.

وتوضح بيانات الجدول ضخامة الموارد النفطية التي تمتلكها الدول السبع محل الدراسة ، إذ يبلغ مجموع احتياطياتها نحو (٨٦٢) مليار برميل إلى جانب إنتاج يومي يقارب (٣٠) مليون برميل وصادرات يومية تقدر بنحو (٢٢) مليون برميل وفق البيانات المعتمدة في الدراسة . وتكشف الدراسة هذه الأرقام من التركز الجغرافي الكبير للثروة النفطية في عدد محدود من دول الشرق الأوسط ، الأمر الذي يمنح المنطقة أهمية استثنائية في سوق الطاقة العالمي .

كما أن الجمع بين الاحتياطيات الضخمة والإنتاج والصادرات الكبيرة ، فضلا عن الموقع الجغرافي الذي يربط المنطقة بالأسواق الأوروبية والآسيوية والعالمية ، يجعل الشرق الأوسط مركزا رئيسيا لإمدادات الطاقة العالمية .

وتشير البيانات إلى أن دول الشرق الأوسط تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطيات النفطية العالمية ، في حين تبلغ حصتها من الإنتاج العالمي نحو (٢٠٪ – ٢٢٪) وفق أرقام الدراسة ، إذ يبلغ إنتاج اليومي نحو (٢٠) مليون برميل من أصل إنتاج عالمي يقارب (١٠٠) مليون برميل يوميا .

ويعكس هذا التفاوت بين حجم الاحتياطيات وحجم الإنتاج عدة عوامل ، إذ أن مستويات الإنتاج لا تعتمد فقط على حجم الاحتياطيات المتاحة ، وإنما تتأثر أيضا بالقدرات الإنتاجية والسياسات النفطية للدول ، وقرارات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) والظروف الجيوسياسية والاستثمارات في قطاع الطاقة

فضلا عن توجه بعض الدول إلى المحافظة على مواردها النفطية واستدامتها على المدى الطويل . وتظهر البيانات كذلك أن السعودية والعراق وإيران والإمارات والكويت تمتلك الجزء الأكبر من الاحتياطيات النفطية في المنطقة ، حيث تبلغ احتياطيات هذه الدول مجتمعة نحو (٧٢١) مليار برميل ووفق بيانات الجدول فهو ما يعكس درجة عالية من التركز الجغرافي للثروة النفطية ويمنح هذه الدول وزنا مهما في أسواق الطاقة الدولية . وتحتل السعودية موقعا متميزا في هذا الإطار، ليس فقط بسبب حجم احتياطياتها وإنتاجها وصادراتها ، وإنما أيضا بسبب قدرتها الإنتاجية الفائضة لتوازن سوق النفط العالمي ، الأمر الذي يجعلها أحد أهم الدول المرجعية في السوق النفطية الدولية .

كما أن الصادرات النفطية لدول المنطقة لا تمثل رقما ثابتا ، بل يمكن أن ترتفع أو تنخفض تبعا للظروف السياسية والاقتصادية والأمنية ، وقرارات أوبك، والتوترات الجيوسياسية والحروب والأزمات الإقليمية، فضلا عن أمن الممرات البحرية ، وفي مقدمتها مضيق هرمز ، ولذلك فإن أي اضطراب في هذه الممرات يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة وسريعة على أسعار النفط وتكاليف النقل والطاقة في الأسواق العالمية .

ومن هنا، فإن أهمية النفط في الشرق الأوسط لا ترتبط فقط بحجم الاحتياطيات، وإنما أيضا بمجموع هذه الاحتياطيات ومنافذ تصديرها، وبقدرة المنطقة على إيصال الطاقة إلى الأسواق العالمية. وهذا ما يجعل الثروة النفطية والممرات البحرية عنصرين مترابطين في تحديد الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة.

٢- مدى اعتماد اقتصاديات دول الشرق الأوسط على النفط.

ولا تقتصر أهمية النفط على كونه سلعة تصديرية، بل يمتد تأثيره المباشر في بنية الاقتصاديات الوطنية للدول المنتجة. ويبين الجدول رقم (٩) مدى اعتماد عدد من اقتصاديات الشرق الأوسط على النفط، من خلال نسبة ريع النفط إلى الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى الاعتماد والدلالة الاقتصادية لذلك.

 

 

 

الجدول رقم (٩) يبين لنا مدى اعتماد اقتصاديات دول الشرق الأوسط على النفط

البلد ريع النفط كنسبة من الناتج المحلي مستوى الاعتماد على النفط الدلالة الاقتصادية والتحولات

العراق ٤٢,٨ ٪ مرتفع جدا النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد

الكويت ٣٠ ٪ مرتفع جدا اعتماد كبير على النفط

السعودية ٢٠ ٪ مرتفع النفط ما زال المحور الاقتصادي

عُمان ٢٠ ٪ مرتفع النفط والغاز مصدران رئيسيان للدخل

إيران ١٨,٣ ٪ مرتفع أهمية كبيرة للنفط

قطر أقل من النفط يعتمد أساسا على الطاقة الغاز الطبيعي المسال أكثر أهمية من النفط

الإمارات أقل نسبيا متوسط تنويع اقتصادي واسع

 

وتوضح بيانات الجدول أن بعض دول المنطقة ولاسيما العراق والكويت، تعتمد بصورة كبيرة على النفط بحيث يمثل موردا رئيسيا للاقتصاد ومصدرا أساسيا للإيرادات الموازنة العامة والعملة الأجنبية، ويعكس ارتفاع نسبة ريع النفط إلى الناتج المحلي مدى ارتباط الأداء الاقتصادي لهذه الدول بالتطورات التي تشهدها أسواق النفط العالمية.

ويعني هذا الاعتماد أن أي تغيير كبير في أسعار النفط أو مستويات الإنتاج والصادرات، يمكن أن يترك آثارا مباشرة على الإيرادات الحكومية والاستثمارات، والإنفاق العام، ومعدلات النمو الاقتصادي ولذلك أصبحت مسألة تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط من القضايا الأساسية في الخطط الاقتصادية لعدد من دول المنطقة .

٣- النفط والاستهلاك العالمي وأهمية الشرق أوسطية :

منذ منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، ظل النفط والغاز يمثلان أحد أهم مصادر الطاقة في الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من التطور الكبير في مصادر الطاقة المتجددة والتوجه نحو التحول الطاقي، فإن الطلب العالمي على النفط ما زال مرتفعا . وتشير البيانات الواردة في الدراسة إلى أن الاستهلاك العالمي للنفط بلغ خلال عامي (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥) أكثر من (١٠٣,٨) مليون برميل يوميا، وهو مستوى قياسي يعكس استمرار أهمية النفط في الاقتصاد العالمي، ويؤكد أن الحديث عن انتهاء عصر النفط لا يعني انتهاء الحاجة إليه في المدى المنظور، وإنما يشير إلى تحولات تدريجية في مزيج الطاقة العالمي .

ويبين الجدول رقم (١٠) حجم الاستهلاك اليومي للنفط في عدد من أكبر الاقتصاديات والمجموعات الاقتصادية في العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان ومجموعة الدول الأوروبية .

جدول رقم (١٠) يبين لنا الاستهلاك اليومي لبعض دول العالم

البلد الاستهلاك اليومي مليون برميل نسبته من الاستهلاك العالمي

أمريكا ٢٠,٢٥ ١٩,٥ ٪

الصين ١٦,٤ ١٥,٨ ٪

اليابان ٣,24 ٣,١ ٪

مجموعة أوروبا ١٤,٥ ١٤ ٪

المجموع ٥٤,٣٩ ٥٢,٤ ٪

 

وتوضح بيانات الجدول أعلاه أن مجموع استهلاك هذه الاقتصاديات بلغ ٥٤,٣ مليون برميل يوميا أي ما يعادل ٥٢,٤ ٪ من الاستهلاك العالمي وفق البيانات المعتمدة في الدراسة .

وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول من حيث الاستهلاك، إذ يبلغ استهلاكها نحو (١٦,٤) مليون برميل يوميا، بما يعادل قرابة (١٥,٨٪) من الاستهلاك العالمي، كما تمثل الولايات المتحدة واليابان وأوروبا مجتمعة مراكز رئيسية للطلب العالمي على النفط، وتعتمد أجزاء مهمة من احتياجاتها على الواردات من الخارج.

وتكشف هذه الأرقام عن العلاقة الوثيقة بين مناطق إنتاج النفط ومناطق استهلاكه، إذ تتركز نسبة كبيرة من الاحتياطيات والإنتاج في الشرق الأوسط، بينما يتركز جزء كبير من الطلب العالمي في الاقتصاديات الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ومن هنا تتضح الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، فالأمر لا يتعلق فقط بامتلاك المنطقة كميات ضخمة من النفط، وإنما بكونها تقع في موقع جغرافي حيوي بين مناطق الإنتاج والأسواق الرئيسية، وترتبط هذه الموارد بشبكة من الممرات البحرية الاستراتيجية التي تضمن وصول الطاقة إلى الأسواق العالمية.

وعليه فإن أمن الطاقة العالمي يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار منطقة الشرق الأوسط واستمرار تدفق صادراتها النفطية، الأمر الذي يفسر استمرار الاهتمام الدولي بالمنطقة وتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية.

وتزداد هذه الأهمية عندما نضع في الاعتبار أن جزءا كبيرا من صادرات النفط والغاز في المنطقة يمر عبر ممرات بحرية استراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز ، مما يجعل أي إغلاق واضطرابات في هذه الممرات يقود إلى أحداث تأثيرات واسعة في أسواق الطاقة العالمية .

وبذلك يمكننا القول أن الثروة النفطية وموقع الشرق الأوسط الجغرافي والممرات البحرية الاستراتيجية وحجم الطلب العالمي على الطاقة ، تمثل عناصر مترابطة تفسر جانبا أساسيا في الإجابة عن السؤال المركزي للدراسة (( لماذا الشرق الأوسط )) فالمنطقة لا تمتلك فقط جزءا مهما من موارد الطاقة العالمية ، وإنما تمتلك أيضا الموقع والممرات التي تتحكم في جزء مهم من حركة هذه الموارد نحو الأسواق العالمية .

ثانيا : الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط .

يعد الغاز الطبيعي أحد أهم مصادر الطاقة الأحفورية في العالم ، وقد ازدادت أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بصورة واضحة خلال العقود الأخيرة ، نتيجة اتساع استخداماته في توليد الطاقة الكهربائية والصناعات البتروكيماوية والتدفئة والاستخدامات المنزلية والتجارية والصناعية ، كما أصبح الغاز الطبيعي المسال (LNG) أحد المكونات الرئيسية لتجارة الطاقة العالمية ، لأنه أتاح نقل الغاز لمسافات طويلة بحرا ، وربط الدول المنتجة بالأسواق التي لا ترتبط بها مباشرة عن طريق خطوط الأنابيب . ويتكون الغاز الطبيعي بصورة رئيسية من غاز الميثان (CH₄) ، مع وجود نسب متفاوتة من الهيدروكربونات الغازية الأخرى ، مثل الإيثان (C₂H₆) والبروبان (C₃H₈) والبيوتان (C₄H₁₀) إضافة إلى بعض الغازات والشوائب الأخرى . وفي حالته الطبيعية يكون الغاز عديم اللون والرائحة ، وتضاف إليه مواد ذات رائحة مميزة عند توزيعه للمستهلكين لأغراض السلامة .

 

تكمن أهمية الغاز الطبيعي في تعدد استخداماته ، إذ يدخل في إنتاج الكهرباء ، والصناعات البتروكيماوية ، وإنتاج الأسمدة والمواد الكيماوية ، كما يستخدم في التدفئة والتبريد وتسخين المياه والطهي ، إضافة إلى استخدامه وقودا في بعض وسائل النقل . ويتميز الغاز الطبيعي بانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من احتراقه مقارنة بالفحم ، ولذلك يُنظر إليه في كثير من الأسواق بوصفه وقودا انتقاليا يمكن أن يساعد في خفض الانبعاثات عند استبدال أنواع الوقود الأكثر انبعاثا .

ومع ذلك ، فإن وصف الغاز الطبيعي بأنه أقل تلويثا لا يعني أنه مصدر طاقة خالٍ من التأثيرات البيئية ، إذ أن عمليات استخراج الغاز ومعالجته ونقله يمكن أن تؤدي إلى تسرب غاز الميثان ، وهو من الغازات الدفيئة القوية . ولذلك أصبحت السيطرة على تسربات الميثان ورفع كفاءة عمليات الإنتاج والنقل من القضايا الأساسية في مستقبل صناعة الغاز .

ويمكن نقل الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب عندما تتوافر البنية التحتية المناسبة ، كما يمكن تحويله إلى غاز طبيعي مسال (LNG) عن طريق تبريده إلى درجات حرارة منخفضة جدا ، بحيث يتحول من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة ، مما يقلل حجمه بصورة كبيرة ويسمح بنقله بواسطة ناقلات بحرية متخصصة ، ثم يعاد تحويله إلى حالته الغازية

في محطات الاستقبال ، وقد أدى تطور صناعة الغاز الطبيعي المسال إلى تحويل الغاز من سلعة ترتبط بصورة أساسية بالأسواق الإقليمية إلى سلعة عالمية قابلة للنقل بحرا . وتزداد أهمية الغاز الطبيعي في ظل التحولات التي يشهدها نظام الطاقة العالمي ، إذ ارتفع الطلب العالمي على الغاز بصورة مستمرة على المدى الطويل ، كما بلغ الإنتاج العالمي نحو (٤,١٢٤) مليار متر مكعب في عام (٢٠٢٤) بزيادة قدرها (١,٢٪) عن عام (٢٠٢٣)، بينما ارتفع الطلب العالمي بنحو (٢,٥٪) أي ما يعادل نحو (101) مليار متر مكعب ، كما بقي الغاز الطبيعي المسال أحد أهم عناصر تجارة الغاز العالمية ، مع استمرار نمو الطلب عليه في الأسواق الآسيوية بصورة خاصة .

ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط إذ تضم المنطقة عددا من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم ، وفي مقدمتها إيران وقطر فضلا احتياطيات كبيرة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والعراق والكويت وعُمان ، وتشير بيانات أوبك إلى أن احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة لدول الشرق الأوسط بلغت نحو (٨٢,٤) تريليون متر مكعب في نهاية عام (٢٠٢٤).

 

والجدول رقم (١١) يبين لنا الاحتياطيات الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي في أهم دول الشرق الأوسط نهاية عام (٢٠٢٤).

التسلسل الدولة الاحتياطي مليار م٣ الاحتياطي تريليون م٣

١ إيران ٣٣,٩٨٨ ٣٣,٩٩

٢ قطر ٢٣,٨3١ ٢٣,٨٣

٣ السعودية ٩,٧٨٦ ٩,٧٩

٤ الإمارات 410,8 ٨,٤١

٥ العراق 3,605 ٣,٦١

٦ الكويت ١,٧٨٤ ١,٧٨

٧ عُمان ٠,٦٥٤ ٠,٦٥

المجموع ٨٢,٠٥٦ ٨٢,٠٦

 

المصدر: OPEC, Annual Statistical Bulletin 2025 بيانات نهاية عام ٢٠٢٤.

يتضح من الجدول أعلاه أن إيران وقطر تستحوذان على الجزء الأكبر من احتياطيات الدول السبع محل الدراسة، إذ يبلغ مجموع احتياطياتهما نحو (٥٧,٨٢) تريليون م٣، أي ما يزيد على (٧٠٪) من مجموع احتياطيات هذه الدول.

وتأتي السعودية والإمارات في المرتبتين الثالثة والرابعة ، في حين تمتلك كل من العراق والكويت وعُمان احتياطيات أقل حجما ، لكنها تظل ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية بالنسبة إلى أسواقها الوطنية والإقليمية . وتُشير هذه الأرقام إلى أن الشرق الأوسط لا يمثل مركزا رئيسيا لإنتاج النفط فحسب ، وإنما يمتلك أيضا قاعدة ضخمة من الموارد الغازية ، وتزداد أهمية هذه الموارد مع توجه عدد من دول المنطقة إلى زيادة إنتاج الغاز والاستثمار في مشروعات المعالجة والإسالة والتصدير . غير أن امتلاك احتياطيات هذه كبيرة من الغاز الطبيعي لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاجه أو تصديره بالمستوى نفسه ، إذ تتوقف الاستفادة الاقتصادية من الاحتياطيات على توفير الاستثمارات والتكنولوجيا والبنية التحتية والأسواق ، فضلا عن الظروف السياسية والأمنية ، ولذلك توجد فروق واضحة بين دول المنطقة من حيث حجم الاحتياطي وبين قدرتها الفعلية على تحويل هذه الاحتياطيات إلى إنتاج وصادرات .

إنتاج الغاز الطبيعي : تكشف بيانات الإنتاج عن أهمية أكبر لإيران وقطر والسعودية ، حيث تُعد إيران من أكبر

منتجي الغاز الطبيعي في العالم ، بينما أصبحت قطر إحدى أهم القوى العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال . وتشير البيانات لعام (٢٠٢٤) إلى أن إيران أنتجت نحو (٢٧٩) مليار متر مكعب من الغاز المسوق ، في حين بلغ إنتاج قطر نحو (٢٠٦) مليار متر مكعب ، والسعودية نحو (١٠٣) مليار م٣ والإمارات نحو (٥٨) مليار م٣ مع مستويات أقل في العراق والكويت وعُمان ، وتختلف أرقام الإنتاج قليلا بين المصادر نتيجة اختلاف طرق القياس وتعريف الإنتاج الغازي . والجدول رقم (١٢) يبين لنا إنتاج الغاز الطبيعي في الدول السبع لعام (٢٠٢٤).

إنتاج الغاز الطبيعي مليار م٣ جدول رقم (١٢)

التسلسل الدولة إنتاج الغاز الطبيعي مليار م٣

١ إيران ٢٧٩

٢ قطر ٢٠٦

٣ السعودية ١٠٣

٤ الإمارات ٥٨

٥ عُمان ٤٢

٦ الكويت ١٦

٧ العراق ١١

 

المصدر: OPEC Annual Statistical, Energy Institute, Bullentin (2025)

ويظهر من الجدول أن إيران تتصدر دول الدراسة من حيث إنتاج الغاز الطبيعي تليها قطر بفارق واضح ، بينما تأتي السعودية والإمارات في مستويات إنتاجية مهمة . ويعكس ذلك أن حجم الاحتياطي لا يمثل العامل الوحيد المحدد للقوة الغازية ، وإنما تتداخل معه عوامل الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية والاستهلاك المحلي والقدرة على التصدير . وتبرز حالة العراق بصورة خاصة ، إذ يمتلك احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي ، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المصاحب لإنتاج النفط ، إلا أن محدودية البنية التحتية لمعالجة الغاز واستثماره أدت إلى حرق كميات كبيرة منه . ولذلك فإن تطوير قطاع الغاز العراقي يمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية مهمة ، لأنه يمكن أن يسهم في تقليل حرق الغاز وزيادة إنتاج الكهرباء ، وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز ، وتحقيق إيرادات إضافية للدولة .

- الغاز الطبيعي المسال ودوره في تجارة الطاقة العالمية :

تتضح القوة الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط بصورة أكبر عند الانتقال من الاحتياطيات والإنتاج إلى تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا . فقد بلغ حجم تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا نحو (٤١١,٢) مليون طن في عام (٢٠٢٤) بزيادة قدرها (٢,٤٪) عن عام (٢٠٢٣)، مما يؤكد

إن الغاز المسال أصبح جزءا أساسيا في منظومة الطاقة العالمية، وتأتي قطر في مقدمة دول الشرق الأوسط في هذا المجال، فقد صدرت نحو (٧٧,٢) مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام (٢٠٢٤)، مما يعادل نحو (١٨,٨٪) في التجارة العالمية للغاز المسال، وجاءت في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية .

كما صدرت عُمان نحو (١١,٢) مليون طن ، والإمارات نحو (٥,٧) مليون طن في العام نفسه .والجدول رقم (13) يبين صادرات الغاز الطبيعي المسال(LNG) في دول الشرق الأوسط محل الدراسة لعام (٢٠٢٤).

 

جدول رقم (١3) صادرات (LNG) عام (٢٠٢٤)

الدولة صادرات (LNG) عام (٢٠٢٤) مليون طن

قطر ٧٧,٢ من أكبر مصدري LNG في العالم

عُمان ١١,٢ مصدر مهم للغاز المسال

الإمارات ٥,٧ صادرات محدودة مقارنة بقطر

إيران ـ لا تملك صادرات LNG

السعودية ـ لا توجد صادرات LNG

العراق ـ لا توجد صادرات LNG

الكويت لا تعد دولة مصدرة LNG

 

المصدر: International • Gas union, world LNG Report 2025

ويكشف هذا الجدول عن نقطة مهمة، وهي أن الدولة التي تمتلك احتياطا كبيرا من الغاز ليست بالضرورة دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، فإيران على سبيل المثال تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم تقريبا بعد روسيا ولكنها لا تمتلك صناعة (LNG) تجارية مماثلة لصناعة قطر، نتيجة مجموعة من العوامل من بينها العقوبات والقيود الاستثمارية والتكنولوجية والبنية التحتية. وفي المقابل، استطاعت قطر تحويل احتياطياتها الضخمة إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية عالمية من خلال الاستثمار في إنتاج الغاز ومعالجته وتسييله وإنشاء أسطول نقل وشبكة واسعة من الأسواق والعقود طويلة الأجل. ومن المتوقع أن تزداد هذه المكانة خلال السنوات المقبلة مع توسعات حقل الشمال، التي تؤدي إلى رفع القدرة القطرية على إنتاج الغاز الطبيعي المسال بصورة كبيرة.

٢ – الأهمية الجيوسياسية للغاز في الشرق الأوسط: أن أهمية الغاز الطبيعي في الشرق الأوسط لا تتوقف عند حجم الاحتياطيات والإنتاج والصادرات، وإنما ترتبط أيضا بالموقع الجغرافي للمنطقة. فجزء كبير من الغاز الطبيعي المسال المنتج في الخليج العربي يمر عبر مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل المضيق جزءا من منظومة أمن الغاز العالمي، وليس النفط فقط.

وتُشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو (٢٠٪) من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز في عام (٢٠٢٤)، وكان معظمها من قطر، إضافة إلى صادرات الإمارات، كما أن نحو (٨٣٪) من الغاز المسال الذي يمر عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وكانت الصين والهند وكوريا الجنوبية من أهم الوجهات . والجدول رقم (١٤) يبين أهمية مضيق هرمز في تجارة الغاز الطبيعي المسال – عام (٢٠٢٤).

 

 

 

والجدول رقم (١٤)

يبين أهمية مضيق هرمز في تجارة الغاز الطبيعي المسال – عام (٢٠٢٤)

المؤشر الكمية / النسبة

– حصة تجارة LNG العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز نحو ٢٠٪

– القطري العابر للمضيق LNG نحو ٩,٣ مليار قدم مكعب / يوم

– الإماراتي العابر للمضيق LNG نحو ٠,٧ مليار قدم مكعب / يوم

– نسبة LNG العابر للمضيق والمتجه إلى آسيا نحو ٨٣٪

اهم الاسواق الاسيوية الصين، الهند، كوريا الجنوبية

 

المصدر U.S. Energy Information: Administration (EIA) 2025

إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عند النظر إلى شبكة الممرات البحرية التي تناولتها الدراسة سابقا، فمضيق هرمز لا يتحكم في جزء كبير من تجارة النفط العالمية فحسب، وإنما يمثل أيضا ممرا أساسيا لصادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج إلى الأسواق الآسيوية. ومن ثم فإن أي اضطراب في الملاحة بمضيق هرمز يمكن أن ينعكس سريعا على أسواق الغاز وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية .

ومن جهة أخرى، فإن تطور صناعة الغاز في الشرق الأوسط لا يزال مستمرا، فقد أشارت تحليلات قطاع الطاقة إلى أن المنطقة تتجه إلى زيادة إنتاج الغاز وقدرات التسييل خلال السنوات المقبلة، بقيادة قطر والسعودية والإمارات وعُمان وإيران، مع توقعات بزيادة كبيرة في طاقة الغاز المسال في المنطقة بحلول نهاية العقد. وتبرز قطر بصورة خاصة في هذا الاتجاه، إذ يمثل حقل الشمال – الذي يمتد جيولوجيا إلى الجانب الإيراني تحت اسم حقل بارس الجنوبي – أحد أكبر مكامن الغاز في العالم. وقد أصبحت قطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، كما تعمل على توسعة طاقة التسييل لديها، الأمر الذي سيعزز موقعها في أسواق الطاقة العالمية .ومن هنا يتضح أن الغاز الطبيعي أصبح عنصرا من عناصر القوة الاقتصادية والجيوسياسية لدول الشرق الأوسط، فامتلاك الاحتياطيات الكبيرة يوفر قاعدة للثروة ، بينما يوفر الإنتاج والمعالجة والتسييل والنقل البحري القدرة على تحويل هذه الثروة إلى نفوذ اقتصادي دولي ، كما أن ارتباط صادرات الغاز الطبيعي المسال بممرات استراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز ، يضيف بعدا جيوسياسيا مهما إلى أهمية الغاز . ويمكننا القول أن الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للغاز الطبيعي في الشرق الأوسط تقوم على أربعة عناصر مترابطة :

ضخامة الاحتياطيات .

القدرة على الإنتاج .

القدرة على التسييل والتصدير .

والموقع الجغرافي الذي يربط مناطق الإنتاج بالأسواق العالمية .

وتأتي إيران وقطر في مقدمة دول المنطقة من حيث حجم الاحتياطيات ، بينما تتصدر قطر بصورة واضحة مجال تصدير الغاز الطبيعي المسال . وبذلك لم يعد الغاز الطبيعي مجرد مصدر إضافي للطاقة إلى جانب النفط ، بل أصبح أحد أهم عناصر أمن الطاقة العالمي وأداة من أدوات النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي وتزداد هذه الأهمية بالنسبة للشرق الأوسط بسبب الجمع بين الموارد الضخمة والموقع الجغرافي والممرات المائية البحرية الاستراتيجية ، وهو ما يجعل المنطقة محورا رئيسيا في منظومة الطاقة العالمية . وتؤكد هذه الحقيقة أن الإجابة عن سؤال الدراسة )) لماذا الشرق الأوسط ؟ (( لا ترتبط بالنفط وحده وإنما تشمل أيضا الغاز الطبيعي والمسال ، الذي أصبح أحد أهم مصادر الطاقة التي تربط الشرق الأوسط بالاقتصاد العالمي .

ثالثا : الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمعادن في الشرق الأوسط

تحتل المعادن في الاقتصاد العالمي المعاصر مكانة استراتيجية متزايدة ، نظرا لدورها الحيوي في دعم القطاعات الصناعية والتكنولوجية والطاقة والبنية التحتية، فالحديد والفولاذ يمثلان أساسا لصناعات البناء والتشييد والآلات والمعدات والصناعات الثقيلة ، في حين يدخل الألمنيوم والتيتانيوم بصورة واسعة في صناعات النقل والطيران والبناء . كما يمثل النحاس عنصرا أساسيا في صناعة الكابلات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية والاتصالات ، لما يتمتع به من كفاءة عالية في التوصيل الكهربائي ، بينما تؤدي المعادن النفيسة ، وفي مقدمتها الذهب والفضة ، أدوارا اقتصادية ومالية تتجاوز الاستخدامات الصناعية التقليدية .

وتزداد أهمية المعادن مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، إذ أصبحت مجموعة من المعادن تُعرف بـ (( المعادن الحرجة )) ذات أهمية استراتيجية متزايدة ، ومن أبرزها الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة . وتدخل هذه المعادن في تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية ، وتوربينات الرياح وأشباه الموصلات ، والعديد من التطبيقات الإلكترونية والدفاعية المتقدمة ، ولذلك لم تعد أهمية المعادن مرتبطة بقيمتها الاقتصادية المباشرة فحسب، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري للدول .

كما تمتد أهمية المعادن إلى القطاع الزراعي والأمن الغذائي العالمي ، ولاسيما الفوسفات والبوتاس ، اللذين يمثلان مدخلين أساسيين في صناعة الأسمدة الكيميائية . ومن ثم فإن امتلاك احتياطيات كبيرة من هذه الموارد لا يوفر عائدا اقتصاديا للدول المنتجة فحسب، وإنما يمنحها أيضا قدرة على التأثير في سلاسل الإمداد الزراعية العالمية ، وفي استقرار الإنتاج الغذائي .

وتحتل المعادن النفيسة ، وعلى رأسها الذهب ، موقعا مختلفا في النظام المالي العالمي ، إذ ينظر إلى الذهب بوصفه مخزنا للقيمة وملاذا آمنا في أوقات الأزمات الاقتصادية والمالية ، كما تختزنه البنوك المركزية ضمن احتياطاتها الرسمية لتنويع الأصول والتحوط من تقلبات الأسعار والعملات . وبذلك تجمع المعادن بين الوظيفة الصناعية والإنتاجية من جهة والوظيفة المالية والاستراتيجية من جهة أخرى .

ولا تقتصر القيمة الاقتصادية للمعادن على عمليات استخراجها من المناجم ، بل تمتد إلى الصناعات التحويلية المرتبطة بها ، وإلى التجارة الدولية والنقل والخدمات اللوجستية . كما يسهم قطاع التعدين في توفير فرص العمل ، وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال الضرائب والعوائد والصادرات ، فضلا عن دوره في تطوير البنية التحتية .

 

من طرق وسكك حديد وموانئ ومناطق صناعية ، ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للثروة المعدنية لا تكمن في تصدير الخام فقط ، وإنما في قدرة الدول على تطوير عمليات المعالجة والتكرير والتصنيع وإدماجها في سلاسل القيمة العالمية .

ومن جانب آخر ، أصبحت إعادة تدوير المعادن أحد المكونات المهمة للاقتصاد الدائري والتنمية المستدامة ، ولاسيما مع تزايد الطلب العالمي على المعادن ، فالحديد والنحاس والألمنيوم والزنك وغيرها من المعادن موارد محدودة ، ويتطلب استخراجها ومعالجتها كميات كبيرة من الطاقة ورؤوس الأموال ، فضلا عن الآثار البيئية المرتبطة بعمليات التعدين . ولذلك تساعد إعادة التدوير على تقليل الحاجة إلى استخراج خامات جديدة ، والحفاظ على الموارد الطبيعية ، وخفض استهلاك الطاقة والتكاليف، والحد من النفايات والتلوث البيئي .

وتكتسب منطقة الشرق الأوسط أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب امتلاكها موارد كبيرة من النفط والغاز ، وإنما أيضا لما تحتويه من ثروات معدنية متنوعة، تشمل المعادن الأساسية والصناعية والثمينة ، إلى جانب بعض المعادن والموارد التي تكتسب أهمية استراتيجية في الاقتصاد العالمي الجديد . وتختلف طبيعة هذه الثروات من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يجعل يجعل دول المنطقة تمتلك مقومات معدنية متباينة يمكن أن تؤدي دورا مهما في تنويع اقتصاداتها وتعزيز مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية.

 

 

والجدول رقم (١٥) يبين أبرز المعادن والموارد المعدنية في دول الدراسة.

الدولة أبرز المعادن والموارد المعدنية أبرز مظاهر الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية

السعودية الفوسفات، الذهب، البوكسيت، النحاس، الزنك قاعدة مهمة لصناعة الأسمدة والتعدين وتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط

الإمارات الألمنيوم، الكبريت، النحاس، الذهب قاعدة صناعية وتصديرية مع أهمية كبيرة لصناعة الألمنيوم والتجارة

عُمان الجبس، النحاس، الكروميت، الحجر الجيري أهمية في مواد البناء والصناعات التعدينية والتصدير

قطر الهيليوم، إلى جانب بعض المعادن الصناعية أهمية استراتيجية خاصة للهيليوم، فضلا عن ارتباطه بالبنية الصناعية والطاقة

العراق الفوسفات، الكبريت، السليكا، والجبس امتلاك احتياطيات معدنية كبييرة يمكن أن تدعم صناعات الأسمدة وتنويع الاقتصاد

إيران النحاس، الحديد، الزنك، الرصاص، الذهب، الكروميت قاعدة معدنية متنوعة تدعم الصناعات التعدينية والتحويلية

الكويت بعض المعادن الصناعية ومواد البناء أهمية مرتبطة بالصناعات الإنشائية ومواد البناء، مع محدودية التنوع المعدني مقارنة ببعض دول المنطقة

 

وتوضح البيانات المتاحة تفاوتا واضحا في طبيعة الميزة المعدنية بين دول المنطقة . فقد كانت السعودية في عام (٢٠٢٤) من كبار المنتجين العالميين للفوسفات ومشتقاته ، إذ جاءت ، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) ، في المرتبة الثانية عالميا في إنتاج فوسفات ثنائي الأمونيوم بحصة بلغت نحو (١٢٪) من الإنتاج العالمي ، كما جاءت في المرتبة السادسة عالميا في إنتاج صخر الفوسفات بحصة بلغت نحو (٤,٢٪).

أما الإمارات العربية المتحدة فتبرز بصورة خاصة في صناعة الألمنيوم ، إذ كانت في عام (٢٠٢٤) من كبار المنتجين العالميين للألمنيوم الأولي ، بحصة تقارب (٣,٧٪) من إنتاج مصاهر الألمنيوم العالمي ، كما جاءت ضمن كبار منتجي الكبريت عالميا بحصة تقارب (٧,٥٪) . وتمنح هذه القدرات دولة الإمارات أهمية تتجاوز مجرد امتلاك الخام ، لتشمل التصنيع والمعالجة والتجارة وإعادة التصدير .

وتبرز سلطنة عُمان بصورة خاصة في إنتاج الجبس ، إذ جاءت في عام (٢٠٢٤) في المرتبة الثالثة عالميا بحصة تقارب (٨,٦٪) من الإنتاج العالمي ، كما بلغت صادراتها من الجبس نحو (١٢,٤) مليون طن في العام نفسه، الأمر الذي يعكس أهمية قطاع التعدين العُماني في التجارة الدولية لمواد البناء .

 

أما قطر فتقدم نموذجا مختلفا عن بقية دول الدراسة، إذ تتمثل إحدى أهم ميزاتها المعدنية في الهيليوم، وهو مورد استراتيجي يستخدم في تطبيقات علمية وصناعية وطبية وتقنية متقدمة. ووفق البيانات الواردة في هذه الدراسة، بلغ إنتاج قطر من الهيليوم عام (٢٠٢٤) نحو (٦٤) مليون متر مكعب، مقابل إنتاج عالمي يقارب (١٨٠) مليون متر مكعب، أي ما يعادل نحو (٣٦,٦٪) من الإنتاج العالمي. في حين تقدر مواردها من الهيليوم بنحو (١٠,١) مليار متر مكعب.

وفي العراق تبرز الفوسفات باعتباره أحد الموارد المعدنية ذات الإمكانات الكبيرة، إذ تقدر احتياطياته بنحو (١,٥) مليار طن، وهو ما يمنحه إمكانية تطوير صناعة الأسمدة والصناعات الكيمياوية المرتبطة بالفوسفات.

أما إيران فتتمتع بقاعدة معدنية واسعة ومتنوعة، وفي مقدمتها النحاس، والحديد، والزنك، والرصاص، والذهب، وتشير البيانات المتداولة إلى امتلاكها موارد كبيرة من النحاس تقدر بعشرات الملايين من الأطنان.

ومن ثم فإن أهمية الثروة المعدنية في الشرق الأوسط لا تكمن في حجم الاحتياطيات وحده، وإنما تتنوع وموقع المنطقة الجغرافي، وقربها من الأسواق الآسيوية والأوروبية، وامتلاك عدد من دولها بنية تحتية وموانئ ومناطق صناعية قادرة على دعم عمليات التعدين والتصنيع والتصدير، وهو ما يمكن أن يحول المنطقة من مجرد مصدر للمواد الأولية إلى طرف فاعل مؤثر في سلاسل القيمة العالمية للمعادن .

– المعادن الحرجة والتحول في موازين القوة العالمية :

أدى التحول العالمي نحو التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة إلى تغيير طبيعة المنافسة الدولية على الموارد الطبيعية ، فبعد أن ارتبطت القوة الاقتصادية والجيوسياسية خلال القرن العشرين بدرجة كبيرة بالنفط والغاز ، أصبحت المعادن الحرجة والنادرة في القرن الحادي والعشرين مكونا أساسيا من مكونات القوة الصناعية والتكنولوجية . وتدخل هذه المعادن في إنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية ، وأشباه الموصلات ، وأنظمة الطاقة المتجددة ، والاتصالات والالكترونيات ، فضلا عن العديد من التطبيقات العسكرية والدفاعية . ولذلك أصبح تأمين مصادر المعادن الحرجة وسلاسل إمدادها جزءا من استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى .

وتبرز الصين في مقدمة القوى العالمية في هذا المجال . ليس فقط بسبب امتلاكها موارد كبيرة من العناصر الأرضية النادرة ، وإنما بصورة خاصة بسبب هيمنتها على مراحل التعدين والمعالجة والتكرير والتصنيع ، وتشير التقديرات إلى امتلاك الصين نحو (٤٤) مليون طن من احتياطيات العناصر الأرضية النادرة ، وإنتاجها قرابة (٦٠٪) من الإنتاج العالمي ، بينما تتجاوز حصتها في بعض مراحل المعالجة والتكرير (٨٠٪).

وتكمن أهمية هذه الهيمنة في أن امتلاك الخام وحده لا يكفي لإنتاج المنتجات التكنولوجية المتقدمة ، بل أن مراحل المعالجة والتكرير تمثل حلقة حاسمة في سلسلة القيمة .

وقد اتجهت الصين خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد الضوابط على تصدير بعض المعادن والمواد ذات الاستخدامات التكنولوجية ، ومن بينها (( الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت )) وهي مواد تدخل في صناعة أشباه الموصلات والبطاريات وبعض التطبيقات الدفاعية . وقد أثارت هذه الإجراءات مخاوف لدى الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن أمن سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد .

وفي المقابل ، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إعادة صياغة سياساتهم المتعلقة بالمعادن الحرجة ، من خلال دعم التعدين المحلي ، وتشجيع مشاريع المعالجة والتكرير ، وإقامة شراكات مع دول تمتلك موارد استراتيجية مثل أستراليا وكندا وتشيلي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ، فضلا عن تعزيز التعاون والنفوذ الاقتصادي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى ومناطق أخرى غنية بالمعادن الحرجة .

 

وفي هذا السياق تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها إحدى المناطق التي يمكن أن تحظى باهتمام متزايد في الاستراتيجيات الدولية الجديدة ، بسبب موقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ، وامتلاكها موارد معدنية متنوعة ، فضلا عن امتلاك بعض دولها إمكانات مالية وبنية تحتية وموانئ وشبكات نقل وطاقة يمكن أن تدعم وتطور الصناعات التعدينية والتحويلية

وعليه لم تعد المعادن مجرد مواد أولية تستخدم في الصناعة ، بل تحولت إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية ، وأصبحت السيطرة على مصادرها وسلاسل توريدها جزءا من التنافس بين القوى الكبرى . كما أن امتلاك المعادن الحرجة أو القدرة على استخراجها ومعالجتها وتكريرها وتصنيعها ، أصبح عاملا مؤثرا في القدرة على تحقيق الاستقلال التكنولوجي والصناعي والعسكري .

ومن هنا يمكن القول أن الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين لم يعد صراعا على النفط والغاز وحدهما ، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو الصراع على المعادن الاستراتيجية وسلاسل إمدادها ، وإذا كان النفط قد مثل أحد أهم مصادر القوة في القرن العشرين فإن المعادن الحرجة والنادرة مرشحة لأن تؤدي دورا مماثلا في القرن الحادي والعشرين ، باعتبارها الأساس المادي للثورة الصناعية الرابعة والتحول الرقمي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة .

 

ومما تقدم تتضح الإجابة عن جانب آخر من سؤال الدراسة “ لماذا الشرق الأوسط ؟” ، فالأهمية الاستراتيجية للمنطقة لا تنبع من النفط والغاز والممرات المائية وحدها ، وإنما تمتد أيضا إلى ثرواتها المعدنية المتنوعة ، التي يمكن أن تؤدي دورا متزايدا في الاقتصاد العالمي وفي التنافس الدولي على الموارد الاستراتيجية ، ولاسيما مع الانتقال انتقال مركز الاهتمام العالمي تدريجيا من أمن الطاقة التقليدية إلى أمن الطاقة التكنولوجية والمعادن الحرجة .

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *