معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

لماذا الشرق الأوسط؟ الحلقة الثالثة

حجم الخط

الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للممرات والمضائق المائية في الشرق الأوسط
ثالثا : الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للممرات والمضائق المائية في الشرق الأوسط
أن تسليط الضوء على الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للممرات المائية والمضائق البحرية يجيب بصورة مباشرة عن السؤال الرئيس الذي تطرحه هذه الدراسة ( لماذا الشرق الأوسط)؟.
فنحن نعيش في عالم تحكمه شبكات الطاقة وسلاسل الإمداد العابرة للقارات، ولم تعد الجغرافيا مجرد إطار طبيعي للأحداث ، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل موازين القوى الدولية . وتبرز المضائق والممرات البحرية بوصفها نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة وتؤثر في أمن سلاسل الإمداد، وتعيد رسم معادلات النفوذ والتنافس بين الدول الكبرى .
وتعد منطقة الشرق الأوسط حلقة وصل رئيسية بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا ، كما تتمتع بموقع جغرافي يجعلها ممرا مهما للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة . ومن أبرز الممرات والمضائق البحرية
١- مضيق هرمز : يربط الخليج العربي بخليج عُمان ، ومن ثم ببحر العرب والمحيط الهندي ، ويعد من أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز .
٢- مضيق باب المندب : يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب ، ويمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ، ومن خلاله تمر حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس والقادمة منها ، الأمر الذي يجعله جزءا أساسيا من الطريق البحري الذي يربط التجارة الآسيوية بالأسواق الأوروبية .
٣- قناة السويس : وهو ممر مائي صناعي في مصر يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر ، وتوفر أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا مقارنة بالطريق الذي يمر حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا .
٤- المضائق التركية : ولاسيما (البوسفور والدردنيل) تربط البحر الأسود ببحر مرمرة ، ثم ببحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط ، كما تفصل جغرافيا بين قارتي آسيا وأوروبا ، وتكتسب أهمية استراتيجية في حركة التجارة والطاقة والملاحة بين البحر الأسود والبحر المتوسط .
ومما تقدم يتضح جليا مدى أهمية الممرات والمضائق المائية التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط والمناطق المرتبطة بها، وكيف تؤدي دورا أساسيا في حركة التجارة العالمية ونقل الطاقة والتحكم في سلاسل الإمداد. كما أن أهمية هذه الممرات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى الجانب السياسي والاستراتيجي، إذ أن السيطرة عليها أو تهديد أمنها يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وسنركز في هذه الدراسة بصورة تفصيلية على مضيق هرمز، نظرا إلى الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية، ولاسيما في ظل التوترات والصراعات التي تشهدها المنطقة، كما نسلط الضوء على قناة السويس باعتبارها مكملا مهما لمنظومة الممرات البحرية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ولما لها من تأثير مباشر في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
١- الأهمية الاقتصادية لقناة السويس:
تعد قناة السويس من أهم الممرات البحرية في العالم، لأنها تربط التجارة بين آسيا وأوروبا، وتؤثر بصورة مباشرة في حركة الحاويات ونقل النفط والغاز والسلع والمواد الخام. وتكمن الأهمية الأساسية في أنها توفر طريقا بحريا مختصرا للسفن، وتجنبها الرحلة الطويلة حول رأس الرجاء الصالح.
يبلغ طول قناة السويس نحو (١٩٣,٣) كم ، ويبلغ عرض سطح المياه نحو (٣١٣) مترا ، في حين يتراوح عرض الممر الملاحي بين (٢٠٠ – ٢١٠) أمتار ، ويبلغ العمق الأقصى نحو (٢٤) مترا . وتستغرق السفينة في عبور القناة عادة ما بين (١٢ – ١٦) ساعة . وقد شهدت حركة الملاحة في القناة تراجعا واضحا نتيجة أزمة البحر الأحمر وما رافقها من مخاطر أمنية على الملاحة ، وهو ما دفع عددا من شركات النقل البحري إلى تغيير مسارات سفنها واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح . ويوضح الجدول رقم (٢) تطور عدد السفن العابرة للقناة .
جدول رقم (٢) تطور عدد السفن العابرة للقناة
السنة عدد السفن سنويا المتوسط اليومي تقريبا
٢٠٢٢ ٢٦,٤٢٤ ٧٢ سفينة
٢٠٢٤ ١٢,٢١٢ ٣٦ سفينة
٢٠٢٥ ١٢,٧٥٨ ٣٥ سفينة

يتضح من الجدول أن عدد السفن التي تعبر القناة قناة السويس انخفض من نحو (٧٢) سفينة يوميا عام (٢٠٢٢) إلى نحو (٣٥) سفينة يوميا عام (٢٠٢٥)، أي أن حركة السفن تراجعت إلى نحو النصف تقريبا خلال هذه الفترة ، نتيجة تأثير أزمة البحر الأحمر وتحويل جزء من حركة الملاحة إلى طرق بديلة .
لا تقتصر حركة الملاحة في قناة السويس على نوع واحد من السفن ، وإنما تمر عبرها أنواع متعددة من السفن من أهمها :
سفن الحاويات ، وتعد من أهم مستخدمي القناة .
ناقلات النفط الخام والمنتجات النفطية .
ناقلات الغاز الطبيعي المسال (LNG) .
ناقلات البضائع السائبة ، مثل الحبوب والمواد الخام .
سفن نقل السيارات .
سفن الركاب وغيرها من أنواع السفن .
وبعملية فإن قناة السويس ليست قناة مخصصة لنقل النفط والطاقة فقط ، وإنما هي ممر عالمي للتجارة بمختلف أنواعها ، مع أهمية خاصة لحركة الطاقة .
ومن أهم المزايا الاقتصادية والاستراتيجية لقناة السويس أنها تؤدي إلى تقليل المسافة والوقت اللازمين لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا . فعلى سبيل المثال – تبلغ المسافة بين روتردام وطوكيو عبر قناة السويس نحو (١١,١٩٢) ميلا بحريا مقابل نحو (١٤,٥٠٧) ميلا بحريا عبر رأس الرجاء الصالح ، أي أن استخدام قناة السويس يوفر نحو (٣,٣١٥) ميلا بحريا، بما يعادل نحو (٢٣٪) من المسافة ولا يقتصر هذا التوفير على المسافة وحدها ، بل يترتب عليه أيضا توفير عدة أيام من الرحلة ، وتقليل استهلاك الوقود ، وخفض تكاليف تشغيل السفن ، فضلا عن تقليل الوقت اللازم للوصول السلع إلى الأسواق .
كما تمثل إيرادات قناة السويس موردا مهما للاقتصاد المصري ، وقد شهدت ارتفاعا كبيرا قبل أزمة البحر الأحمر إذ بلغت :
عام (٢٠٢٢) : نحو (٧,٩٢٤) مليار دولار
عام (٢٠٢٣) : نحو (١٠,٢٥٠) مليار دولار وهو مستوى قياسي .
عام (٢٠٢٤) : تراجعت إلى نحو (٤) مليارات دولار أي بانخفاض يقارب (٦١٪) مقارنة بعام (٢٠٢٣).
ويرتبط هذا الانخفاض بصورة مباشرة بتراجع حركة الملاحة ، نتيجة المخاطر التي تعرضت لها السفن في البحر الأحمر وباب المندب .
الأمر الذي دفع شركات شحن عديدة إلى تحويل سفنها من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح . وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة للممرات البحرية الاستراتيجية ، وهي أن الأزمات الأمنية لا تؤثر دائما في الممر البحري بالطريقة نفسها ، فقد تؤدي الأزمة في منطقة معينة إلى تراجع حركة الملاحة في قناة السويس ، ولكن في الوقت نفسه قد تزيد الطلب عليها إذا أصبحت الطرق البديلة أكثر خطورة أو تكلفة .
ومن الناحية الجيوسياسية ، فإن أهمية قناة السويس لا تكمن في رسوم العبور التي تحصل عليها مصر فقط ، وإنما في كونها ممرا استراتيجيا يختصر الآلاف من الأميال البحرية وأياما من الرحلات بين آسيا وأوروبا ، ويربط الأسواق العالمية بحركة تجارة الحاويات والطاقة والغذاء والمواد الخام .
وبذلك تمثل قناة السويس أحد أهم الأدلة على أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط ليس مجرد ميزة طبيعية وإنما يمثل قوة اقتصادية وجيوسياسية مؤثرة في حركة الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية .
٢ – الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمضيق هرمز:
في عالم تحكمه شبكات الطاقة وسلاسل الإمداد العابرة للقارات، لم تعد الجغرافيا مجرد إطار طبيعي للأحداث، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل موازين القوة الدولية. وتبرز المضايق البحرية بوصفها نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وتعيد رسم معادلات النفوذ بين الدول الكبرى.
ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه النقاط، باعتباره أهم ممر بحري للطاقة في العالم، وأخطر نقطة اختناق في النظام الاقتصادي الدولي.. فهو يربط بين الخليج العربي – الذي يعد أكبر خزان نفطي عالمي – وبين الأسواق الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا، عبر خليج عمان والمحيط الهندي.
إن أهمية هذا المضيق لا تنبع من موقعه الجغرافي فحسب، بل من حجم التدفقات النفطية والغازية التي تعبره يوميا، ومن درجة الاعتماد العالمي عليه، ومن كونه ساحة تداخل مباشر بين المصالح الإقليمية والدولية. فالجغرافيا تنتج اقتصادا، والاقتصاد يولد سياسة، والسياسة تعيد عسكرة الجغرافيا وانطلاقا من ذلك تتناول هذه الدراسة بعدين متكاملين:
الأول: الأهمية الجغرافية للمضيق
الثاني: الأهمية الاقتصادية وأثرها في أمن الطاقة العالمي
أولا: الأهمية الجغرافية لمضيق هرمز
تعد المضائق المائية شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبرها نسب كبيرة من حركة التجارة الدولية ونقل الطاقة، مما يجعلها عناصر حاكمة في منظومة الاقتصاد العالمي.. ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث اختصار الزمن وتقليل تكاليف النقل والتأمين.
وفي هذا السياق، يصنف مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل الأهم في مجال نقل النفط والغاز الطبيعي، متقدما من حيث الأهمية الاستراتيجية للطاقة على مضائق كمضيق (ملقا، ومضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب، والقناة الإنكليزية) نظرا لحجم تدفقات الطاقة التي تعبره يوميا.
يقع مضيق هرمز في الجزء الشرقي من الخليج العربي، ويمثل حلقة الوصل بين مياه الخليج من جهة ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى. ويحده من الشمال والشرق (الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، فيما تحده من الجنوب سلطنة عُمان، وتحديدا محافظة مسندم التي تشرف جغرافيا على جزء مهم من حركة الملاحة فيه، حيث تمر قنوات العبور ضمن نطاق المياه الإقليمية العُمانية.
يبلغ طول المضيق نحو (167) كم تقريبا ويتراوح عرضه بين (33 – 95) كم بينما يصل عرضه في أضيق نقطه إلى نحو (33) كم فقط. أما عمقه فيتراوح بين (60 – 100) متر، ما يجعله صالحا لعبور ناقلات النفط العملاقة وسفن الحاويات الكبرى، وتُقسم حركة الملاحة فيه عبر ممرين متوازنين للدخول والخروج، عرض كل منهما يقارب ميلين بحريين، يفصل بينهما نطاق أمني، وهو ما يعكس حساسية الممر وضيق هامش المناورة فيه.
عُرف مضيق هرمز تاريخيا باسم (فك الأسد) في إشارة إلى موقعه المفصلي في رسم شبكة الطرق التجارية والبحرية، فهو المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي نحو المحيط الهندي والأسواق العالمية، وبالتالي يشكل بوابة المدخلات والمخرجات الاقتصادية لدول المنطقة وممرا حيويا لحركة الطاقة في غرب آسيا والشرق الأدنى.
ويضم المضيق عددا من الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، بعضها يتبع لإيران مثل جزر قشم وهرمز ولارك وهنجام، فيما تقع جزر أخرى تحت الإدارة العُمانية مثل مجموعة جزر سلامة وبناتها وجزيرة الغنم، إضافة إلى شبه جزيرة مسندم.
كما تتحكم بمدخل المضيق الشمالي أربع جزر رئيسية هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى والفارور، وقد سيطرت ايران على الجزر الثلاث الأولى عام (1971) ولا تزال هذه الجزر موضع نزاع مع دولة الإمارات العربية المتحدة، لما تمثله من نقاط مراقبة استراتيجية قادرة على التأثير في حركة الملاحة والسيطرة النسبية على المجال البحري.
تتجلى الأهمية الجغرافية لمضيق هرمز في كونه الممر الإجباري لصادرات النفط والغاز من دول الخليج العربي (السعودية، العراق، الكويت، الإمارات، قطر والبحرين) إضافة إلى إيران نفسها، وتشير التقديرات الحديثة إلى أن ما بين (20 – 21) مليون برميل نفط يوميا تمر عبر المضيق، أي ما يقارب خمس الاستهلاك النفطي العالمي، فضلا عن مرور نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصا الصادرات القطرية المتجهة إلى آسيا وأوروبا.
وبهذا المعنى فأن أي اضطراب في الملاحة عبر المضيق ينعكس فورا على أسعار الطاقة العالمية، وأسواق المال وسلاسل الإمداد ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، ما يمنحه وزنا يتجاوز نطاقه الجغرافي الضيق إلى تأثيرات اقتصادية عالمية واسعة.
وبسبب موقعه الاستراتيجي، كان مضيق هرمز مسرحا لتوترات وصراعات متكررة، خلال الحرب (العراقية – الإيرانية) عام (١٩٨٠ – ١٩٨٨) شهد ما عُرف بـ“حرب الناقلات”، كما وقع اشتباك مباشر بين البحرية الأمريكية والبحرية الإيرانية عام (١٩٨٨) في إطار عملية عسكرية أمريكية واسعة ضد أهداف إيرانية. وفي عامي (٢٠٠٧ – ٢٠٠٨) سُجلت مناوشات بحرية بين الولايات المتحدة وإيران في مياه المضيق.
وفي السنوات الأخيرة، عاد المضيق إلى واجهة التوترات الإقليمية، في ظل الصراع المستمر بين إيران من جهة، وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى، حيث لوّحت إيران مرارا بإغلاق المضيق في حال تعرضها لهجوم عسكري، وهو ما ترفضه القوى الصناعية الكبرى (أمريكا، والاتحاد الأوروبي، اليابان، الصين) لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة عبره.
وتشير العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أن إيران تمتلك قدرات عسكرية بحرية وصاروخية تمكنها من تهديد الملاحة في المضيق، سواء عبر الألغام البحرية أو الزوارق السريعة أو الصواريخ الساحلية، في المقابل تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري مكثف في المنطقة، من خلال الأسطول الخامس المتمركز في البحرين، إلى جانب حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات النووية، في إطار سياسة ردع تهدف إلى ضمان حرية الملاحة ومنع إغلاق المضيق.
أن الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي كحلقة وصل بحرية، بل من كونه نقطة اختناق (choke point)، في النظام الطاقوي العالمي، حيث تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد والأمن العسكري، فهو ممر بحري ضيق نسبيا، لكنه يحمل على عاتقه نسبة ضخمة من تدفقات الطاقة العالمية، مما يجعله عنصرا مركزيا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وهو المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي، وهو أيضا يمثل نقطة اختناق استراتيجية في شبكة الطاقة العالمية، وموقعه والمحيط الهندي يسمح بالتحكم النسبي بحركة الملاحة عبر الانتشار العسكري، والجزر المشرفة عليه وعقدة وصل بين غرب آسيا والمحيط الهندي.
ويُعد فهم هذه الأهمية الجغرافية مدخلا أساسيا للانتقال إلى دراسة البعد الاقتصادي للمضيق بوصفه محورا رئيسيا في تسعير الطاقة، واستقرار الأسواق، والتوازنات الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر.
ثانيا: الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز
ازدادت الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز بشكل جذري مع اكتشاف النفط في إيران وشبه الجزيرة العربية مطلع القرن العشرين، فمنذ ذلك الحين تحول المضيق من ممر بحري إقليمي إلى أهم نقطة اختناق (choke point) في منظومة الطاقة العالمية.
واليوم ينظر إليه بوصفه العنق الرئيسي لتجارة النفط في العالم وأهم ممر بحري للطاقة في العالم وأكثر نقطة حساسة في توازن أسعار النفط.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن ما بين (٢٠ – ٢١) مليون برميل نفط يوميا يمر عبر المضيق، وهو ما يعادل تقريبا (٢٠٪ – ٣٠٪) من تجارة النفط المنقولة بحرا وقرابة (خمس) الاستهلاك العالمي اليومي، كما يمر عبره ما بين (٢٠٪ – ٣٠٪) من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، خصوصا صادرات قطر التي تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم.
والجدول رقم (٣) يبين متوسط الحركة اليومية:
المؤشر التقدير التقريبي
النفط المار يوميا (٢٠ – ٢١) مليون برميل
عدد ناقلات النفط (٢٠ – ٣٠) ناقلة تقريبا
معدل عبور ناقلة كل ٦ – ١١ دقيقة
نسبة الغاز المسال (٢٥٪ – ٣٠٪) من التجارة العالمية
ولهذا يوصف المضيق بأنه (عنق الزجاجة) في الاقتصاد العالمي، يمثل المضيق المنفذ البحري الرئيسي لصادرات دول الخليج والعراق وإيران.
والجدول رقم (٤) يبين نسبة اعتماد دول الخليج والعراق وإيران على المضيق:
الدولة نسبة الصادرات المارة عبر المضيق
السعودية ٧٠٪ – ٨٨٪ (مع وجود خط شرق – غرب كبديل جزئي)
العراق ٩٥٪ – ٩٨٪
الإمارات ٩٠٪ – ٩٩٪ (مع وجود خط حبشان – الفجيرة)
الكويت ١٠٠٪
قطر قرابة ١٠٠٪ ـ (خاصة الغاز)
ايران نحو ٨٥٪ – ٩٠٪
يتضح من ذلك أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي إلى شلل شبه كامل لصادرات بعض الدول مع تفاوت القدرة على استخدام بدائل برية أو أنابيب.
كما أن اعتماد الدول المستوردة (الأسواق الآسيوية والأوروبية) حيث يتجه أكثر من (٨٠٪) من تدفقات الطاقة عبر المضيق إلى آسيا.
والجدول رقم (٥) يبين مدى اعتماد الدول الآسيوية على النفط الذي يمر عبر المضيق.
الدولة نسبة الاعتماد التقريبي على نفط يمر عبر المضيق
الصين (٤٠٪ – ٥٠٪) من وارداتها النفطية
الهند نحو (٥٠٪) من واردات النفط نحو (٦٠٪) من الغاز
اليابان (٧٠٪ – ٩٠٪) من وارداتها النفطية
كوريا الجنوبية (٦٠٪) تقريبا
أما أوروبا فقد ازدادت أهمية نفط الخليج بعد حرب عام (٢٠٢٢) بين روسيا وأوكرانيا، إذ سعت الدول الأوروبية إلى تقليل الاعتماد على روسيا.

والجدول رقم (٦) يبين واردات بعض الدول الأوروبية من النفط الإيراني (تقريبية): إجمالي الصادرات الإيرانية نحو (٢,٧) مليون برميل يوميا، وإن إجمالي ما كان يذهب لأوروبا نحو (٤٥٠) ألف برميل توزيع تقريبي.
الدولة واردات تقريبية يوميا
إيطاليا ١٥٠ – ١٨٠ ألف برميل
إسبانيا ١٠٠ – ١٤٠ ألف برميل
اليونان ٨٠ – ١١٠ ألف برميل
(هذه الأرقام تختلف حسب العقوبات وفترات السماح).
لا تقتصر أهمية المضيق على النفط والغاز فقط، بل يمر عبره نحو ٢٢٪ من تجارة بعض السلع الأولية (حبوب، خام الحديد، اسمنت) وعشرات ملايين الحاويات سنويا في الموانئ المجاورة مثل «ميناء جبل علي». وتقدر قيمة التجارة المارة عبره بما يقارب ترليون دولار سنويا.
ولهذا فإن أي توتر أمني والتهديد بإغلاق المضيق سوف يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وزيادة أسعار الشحن واضطراب سلاسل الإمداد، وبالأخير سيؤدي إلى قفزات فورية في أسعار النفط قد تتجاوز (١٠٠) دولار للبرميل في حالات التصعيد.
وبسبب هذه المعطيات يمثل المضيق أداة تأثير غير مباشر في تسعير النفط وأي تهديد بإغلاقه يؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسواق الآجلة. والمضيق يربط أكبر مستودع للطاقة في العالم (الخليج العربي) بأكبر أسواق الاستهلاك (آسيا وأوروبا).
وقد زادت أهميته بعد حرب (٢٠٢٢) الروسية – الأوكرانية، حيث توجهت الدول الصناعية إلى الخليج العربي لتعويض الإمدادات الروسية.. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى احتمال ارتفاع الطلب العالمي إلى نحو (١٢١) مليون برميل يوميا بحلول عام (٢٠٣٠)، ما يعني استمرار مركزية المضيق في معادلة الطاقة.
رغم استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية، فإن إغلاقه سيؤدي إلى ارتفاع عالمي حاد في الأسعار واضطراب اقتصادي في آسيا أولا، وتأثير مباشر باقتصادات الخليج العربي، وخسائر كبيرة لإيران نفسها لاعتمادها على تصدير النفط عبره.. وبالتالي فإن خيار الإغلاق يمثل سلاح ذو حدين.
فإن أي إغلاق فعلي أو تعطيل واسع للملاحة في مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأميم ، وزيادة تقلبات أسعار النفط والغاز واحتمال اضطراب سلاسل الإمداد ، غير أن حجم التأثير ومدته يعتمدان على مدة التعطيل ، وحجم المخزونات المتاحة ، وإمكان استخدام خطوط أنابيب بديلة وقدرة الأسواق على توجيه الشحنات .
أما الدول الأكثر تضررا للمخاطر فتشمل الدول المصدرة التي تعتمد صادراتها بدرجة كبيرة على المضيق ، مثل الكويت ، وقطر ، والبحرين وإيران إضافة الى العراق بدرجات متفاوتة . كما تعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أبرز الدول الآسيوية المستوردة للنفط والغاز المنقولين عبر المضيق .
وبذلك يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق جيوسياسية واقتصادية عالمية ، إلا أن تقييم أثر أي أزمة أو إغلاق يتطلب تحديد تاريخ الحدث ومدته ، والتمييز بين التهديد والإغلاق والاطلاق الفعلي .
واستنادا إلى بيانات موثوقة عن أسعار النفط ، وعدد السفن العابرة وتكاليف التأمين وحجم الإمدادات المتأثرة يبين لنا الجدول رقم (٧) الأثر الرقمي للتطورات الأخيرة في مضيق هرمز .
جدول رقم (٧)
المؤشر قبل الأزمة خلال الأزمة الأخيرة حجم التغيير أو الأثر
السفن العابرة يوميا ١٢٥ – ١٤٠ سفينة ٦ – ٩ سفينة شهر الثامن ٢٠٢٦ انخفاض يتجاوز ٩٠٪
النفط والسوائل النفطية (٢١) مليون برميل ٤,٩ مليون برميل الربع الثاني ٢٠٢٦ انخفاض بنحو ٧٧٪
حصة النفط العالمي المارة بالمضيق نحو ٢٠٪ من الإمدادات العالمية تأثرت بشدة نتيجة اضطرابات الملاحة خطر كبير على أمن الطاقة
الغاز الطبيعي المسال نحو ٢٠٪ من التجارة العالمية عام ٢٠٢٤ تأثير جزء مهم من الايرادات الآسيوية ارتفاع مخاطر نقص الإمدادات
سعر خام برنت — ٩١,٦٢ دولار للبرميل شهر الثامن ٢٠٢٦ ارتفاع نتيجة مخاوف الإمدادات
أبرز الدول المتضررة — العراق، الكويت، قطر، إيران ودول آسيوية تفاوت الضرر حسب الاعتماد على المضيق

وعلى هذا الأساس، يتكامل البعد الجغرافي والاقتصادي لمضيق هرمز في تشكيل معادلة واحدة، كون الجغرافيا تمنح الموقع، والاقتصاد يمنح الوزن، والسياسة تمنح الحساسية، فهو ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة مركزية في شبكة الطاقة العالمية، وورقة ضغط استراتيجية ومحدد رئيسي للاستقرار الاقتصادي. وتظهر الدراسة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق في الخريطة بل هو عقدة مركزية في بنية النظام الاقتصادي العالمي، فموقعه الجغرافي جعله بوابة الخليج إلى العالم، لكن حجم الطاقة المارة عبره هو ما منحه وزنه الاستراتيجي الحقيقي. لقد أثبت التحليل أن المضيق سيمثل أهم نقطة اختناق في تجارة النفط العالمية، وممرا حيويا لنحو خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة، وركيزة أساسية لأمن الطاقة في آسيا وأوروبا، وورقة ضغط سياسية وعسكرية في التوازنات الإقليمية.
وفي ظل التوترات المتكررة في المنطقة، يتضح أن أي اضطراب في المضيق لا يبقى حدثا محليا، بل يتحول فورا إلى أزمة عالمية تنعكس على أسعار النفط، والتضخم، وسلاسل الإمداد، والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية والنامية على حد سواء.
وعليه، فإن استقرار مضيق هرمز لا يمثل مصلحة إقليمية فحسب، بل ضرورة دولية لضمان توازن الاقتصاد العالمي.
وعليه فإن مستقبل المضيق يرتبط بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الانتقال من منطق التهديد المتبادل إلى منطق إدارة المصالح المشتركة، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل صدمات متكررة في أهم عنق زجاجة للطاقة في العالم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *