حسن عطاالله الخلخالي
حين تُذكر زيارة الناحية المقدسة يتبادر إلى الذهن مباشرة ذلك النص المفعم بالحزن والأنين والبكاء، حتى يكاد القارئ يشعر أن الكلمات قد كُتبت بالدموع قبل أن تُكتب بالحروف. غير أن النظرة المتأنية تكشف أن زيارة الناحية ليست نصاً عاطفياً صرفاً، كما أنها ليست بياناً عقائدياً جافاً، وإنما هي نموذج فريد امتزجت فيه العقيدة بالعاطفة حتى أصبح من العسير الفصل بينهما. فالعاطفة في الزيارة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما جسر تعبر من خلاله العقيدة إلى القلب، والعقيدة ليست مجموعة أفكار ذهنية مجردة، وإنما حقيقة حية تنبض في وجدان الإنسان وتتحول إلى حب وولاء وحزن وموقف.
ولهذا لم يكن من المصادفة أن تصدر هذه الزيارة عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لأن الإمام المعصوم يعلم أن المبادئ لا تحفظها الكتب وحدها، وإنما تحفظها القلوب المؤمنة. ومن هنا جاءت زيارة الناحية لتصنع إنساناً يعيش العقيدة بعاطفته كما يعيشها بعقله، فيبكي الحسين (عليه السلام) لأنه يعرف مقامه، ويعرف مقامه لأنه ارتبط به عاطفياً وروحياً.
إن المتأمل في الزيارة يكتشف أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لم يبدأ حديثه بالمصيبة مباشرة، بل استهل الزيارة بذكر الأنبياء والأوصياء، وكأن الحسين (عليه السلام) لا يمكن فهمه إلا ضمن المسيرة الإلهية الممتدة منذ آدم (عليه السلام). فحين يقرأ المؤمن: (السلام على آدم صفوة الله من خليقته، السلام على نوح نبي الله، السلام على إبراهيم خليل الله…) يشعر أن قافلة النبوات كلها تسير باتجاه كربلاء.
وهنا تتجلى أولى صور التداخل بين العاطفة والعقيدة؛ لأن استحضار الأنبياء لا يهدف إلى مجرد التذكير التاريخي، بل إلى ترسيخ حقيقة عقدية مفادها أن الحسين (عليه السلام) هو وارث الرسالات الإلهية كلها. ولذلك فإن المصيبة التي وقعت عليه ليست مصيبة فرد، وإنما مصيبة المشروع الإلهي الذي حمله الأنبياء والأوصياء عبر التاريخ. وعندما يدرك المؤمن هذه الحقيقة تتعاظم عاطفته تجاه الحسين (عليه السلام)، لأنه لا يعود يرى فيه إنساناً مظلوماً فحسب، بل يرى فيه الامتداد الشرعي لكل خط السماء.
ثم تأخذ الزيارة القارئ إلى قلب النهضة الحسينية من خلال العبارة الخالدة: (وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة). وهنا يتجاوز النص حدود الرثاء إلى بيان فلسفة الشهادة الحسينية. فالعاطفة تتجه تلقائياً نحو التضحية العظيمة التي قدمها الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ لا توجد تضحية أعظم من أن يقدم الإنسان نفسه وأهل بيته وأصحابه قرباناً لله تعالى. لكن الزيارة لا تسمح للقارئ أن يقف عند حدود التأثر العاطفي، بل تربط هذه التضحية بهدفها العقائدي، وهو إنقاذ الأمة من الضلال والانحراف.
ومن هنا تتحول الدمعة إلى وعي، ويتحول الحزن إلى بصيرة. فالبكاء على الحسين (عليه السلام) ليس بكاءً على رجل قُتل في معركة، بل بكاء على إمام ضحى بكل شيء من أجل بقاء الدين حياً في الأمة.
وعندما تنتقل الزيارة إلى تصوير جسد الإمام الحسين (عليه السلام) بعد الشهادة، تبدأ اللغة العاطفية بأقصى درجاتها تأثيراً. ففي قولها: (السلام على الشيب الخضيب) لا تقدم الزيارة وصفاً جسدياً مجرداً، وإنما ترسم صورة تختزن ألماً لا حدود له. إن الشيب في الوعي الإنساني رمز للوقار والاحترام وتجربة العمر الطويل، فإذا كان هذا الشيب مخضباً بالدم، فإن الصورة تتحول إلى صرخة مظلومية تهز الوجدان.
غير أن هذه الصورة تحمل في عمقها دلالة عقدية بالغة؛ لأن الذي سال دمه ليس رجلاً عادياً، بل إماماً منصوباً من قبل الله تعالى. وهنا يصبح الاعتداء على الحسين (عليه السلام) اعتداءً على الإمامة نفسها، ويصبح الدم النازف من شيبه شاهداً على حجم الانحراف الذي وصلت إليه الأمة.
وتزداد حرارة المشهد في قول الزيارة: (السلام على الخد التريب). إنها كلمات قليلة، لكنها تختزن عالماً كاملاً من الأحزان. فذلك الخد الذي طالما قبله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك الوجه الذي كان يشع نوراً وهيبة، أصبح ملقى على تراب كربلاء بلا ناصر ولا معين.
إن العاطفة هنا تبلغ ذروتها، لكن العقيدة حاضرة أيضاً؛ لأن الزيارة تريد أن تُشعر المؤمن بالفارق الهائل بين مقام الحسين (عليه السلام) عند الله تعالى وبين ما جرى عليه في كربلاء. وكلما ازداد الإنسان وعياً بعظمة الإمام ازداد ألماً حين يتأمل مصيره المأساوي. ولذلك فإن المعرفة بالإمام هي التي تمنح الحزن عمقه الحقيقي.
ثم تأتي عبارة: (السلام على الثغر المقروع بالقضيب)، وهي من أكثر مقاطع الزيارة إيلاماً. فالثغر الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبله أصبح هدفاً للإهانة والتشفي. وهنا لا تقف الزيارة عند حدود استدرار العاطفة، وإنما تكشف حجم الانحراف العقائدي الذي أصاب الأمة. فحين يُهان سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد استشهاده، فإن القضية لم تعد قضية حرب انتهت، بل قضية عداء متجذر للقيم التي يمثلها أهل البيت (عليهم السلام).
ولذلك تتحول هذه الصورة المؤلمة إلى إدانة عقائدية لكل مشروع قام على محاربة أهل البيت (عليهم السلام) وإقصائهم عن موقعهم الطبيعي في قيادة الأمة.
وتبلغ الزيارة ذروة التأثير العاطفي عندما تنتقل إلى الحديث عن الأطفال والنساء. فمشهد الأطفال الذين أحرق العطش قلوبهم، والنساء اللواتي انتقلن من خيام العزة إلى قيود السبي، يوقظ أعمق المشاعر الإنسانية. غير أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يستحضر هذه المشاهد من أجل إثارة الحزن وحده، بل ليكشف طبيعة المعركة التي وقعت في كربلاء. فحين تمتد يد الظلم إلى الأطفال والنساء، فإنها تعلن سقوطها الأخلاقي والديني بصورة كاملة.
ومن هنا يصبح الحزن على السبايا جزءاً من البراءة العقدية من الظالمين، ويصبح التألم لمصابهم تعبيراً عن الانتماء إلى خط العدالة الإلهية الذي مثله الحسين (عليه السلام).
أما مشهد عبد الله الرضيع (عليه السلام)، فهو من أعظم الشواهد على التلاحم بين العاطفة والعقيدة في زيارة الناحية. فالرضيع بطبيعته يستدر عاطفة الإنسان مهما كان دينه أو ثقافته، لكن الزيارة لا تريده أن يبقى مجرد رمز للبراءة المظلومة، بل تريده أن يكون شاهداً على طبيعة الصراع الذي خاضه الحسين (عليه السلام). فالطفل الذي لم يحمل سيفاً ولم ينطق بكلمة في ساحة المعركة قُتل لأنه ينتمي إلى الحسين. وهكذا يتحول الرضيع من صورة حزينة إلى حجة تاريخية تكشف أن الحرب كانت موجهة ضد الحق نفسه.
ثم يصل النص إلى ذروته الكبرى عندما يتحدث يقول الإمام المهدي (عج)
(فَلَئِنْ أَخَّرَتْنِي الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ الْمَقْدُورُ، وَلَمْ أَكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ الْعَدَاوَةَ مُنَاصِباً، فَلَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَماً، حَسْرَةً عَلَيْكَ وَتَأَسُّفاً عَلَى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً)
في هذا النص لا يتحدث الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بلسان المؤرخ الذي يصف الماضي، ولا بلسان الخطيب الذي يستحضر الذكريات، وإنما بلسان الابن الذي ما زال يعيش الفاجعة بكل تفاصيلها. إن أول ما يلفت النظر في هذا المقطع هو أن الإمام يتحدث عن عاشوراء وكأنها واقعة حاضرة أمام عينيه، فلم تقل حرارة المصاب بمرور القرون، ولم تستطع المسافات الزمنية أن تحجب صورة كربلاء عن وجدانه.
إن عبارة (فلئن أخرتني الدهور) تحمل في داخلها ألماً عميقاً ، فالإمام يعبّر عن حسرة عدم الحضور في كربلاء. وكأن أعظم ما يؤلمه ليس فقط ما جرى على الحسين (عليه السلام)، بل أنه لم يكن حاضراً ليضع سيفه بين يدي جده ويدافع عنه. وهنا يظهر البعد العقائدي بوضوح؛ لأن النص يكشف عن وحدة الأئمة (عليهم السلام) ووحدة مشروعهم. فالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يرى نفسه منفصلاً عن كربلاء، بل يعدّ نفسه جزءاً من تلك المعركة، ولو أتيح له الحضور لكان في مقدمة المدافعين عن الحسين (عليه السلام).
ثم تأتي عبارة (وعاقني عن نصرك المقدور)، لتكشف بعداً عقدياً آخر، وهو الإيمان بالقضاء الإلهي. فالإمام يعلم أن عدم حضوره لم يكن تقصيراً منه، وإنما جرى وفق الإرادة الإلهية التي اقتضت أن يكون لكل إمام دوره في المشروع الرباني الكبير. ومع ذلك فإن المعرفة بحكمة الله لا تلغي الألم الإنساني، ولذلك يبقى الحزن حاضراً رغم التسليم بالقضاء.
وهنا تتجلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في أبهى صورها؛ إذ يجتمع الرضا بقضاء الله مع الحزن على أوليائه، فلا يؤدي الإيمان إلى جمود المشاعر، ولا تؤدي العاطفة إلى الاعتراض على إرادة الله.
ثم يقول الإمام: (ولم أكن لمن حاربك محارباً، ولمن نصب لك العداوة مناصباً). وهذه العبارة ليست مجرد تعبير عن الحسرة، بل إعلان عقدي واضح عن موقع الإنسان تجاه كربلاء. فالحياد في قضية الحسين (عليه السلام) غير موجود، لأن الحسين يمثل الحق، ومن ثم فإن الوقوف معه يعني الوقوف مع الحق، والوقوف ضده يعني الوقوف مع الباطل.
وفي هذه الكلمات يتجسد مفهوم (الولاية والبراءة) الذي يعد من أهم المفاهيم العقدية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). فالإمام يتحسر لأنه لم يمارس الولاية بأعلى صورها وهي النصرة بالسيف، ولم يمارس البراءة بأعلى صورها وهي مواجهة الأعداء في ساحة المعركة.
لكن الذروة الحقيقية في هذا المقطع تبدأ عند قوله: (فلأندبنك صباحاً ومساءً). فالندبة هنا ليست مجرد بكاء، وإنما تعبير عن دوام الحضور النفسي والروحي للمصيبة. فالصباح والمساء كناية عن استمرار الذكر وعدم انقطاعه. وكأن الإمام يريد أن يقول إن الحسين (عليه السلام) ليس ذكرى موسمية تستحضر في وقت معين، وإنما هو قضية حية ترافق المؤمن في كل لحظة من حياته.
ومن الناحية العقائدية يكشف هذا التعبير عن مركزية كربلاء في الوعي الشيعي؛ لأن عاشوراء ليست حادثة تاريخية مضت وانقضت، بل مدرسة مستمرة تُستلهم منها المواقف والقيم عبر العصور.
أما قوله: (ولأبكين عليك بدل الدموع دماً) فهو من أكثر العبارات تأثيراً في التراث الحسيني كله. إن الإمام هنا لا يريد وصف حقيقة مادية، وإنما يريد تصوير حجم الألم الذي يفوق حدود التعبير الطبيعي. فالدموع هي اللغة المعتادة للحزن، لكن عندما تعجز الدموع عن استيعاب حجم المصاب، يستعير النص صورة الدم ليعبر عن عمق الجرح الروحي.
واللافت أن الإمام لا يقول: أبكي لما جرى عليك فقط، بل يربط البكاء بمعرفة مقام الحسين (عليه السلام). فكلما ازدادت معرفة الإنسان بعظمة الإمام وموقعه في الدين ازداد إحساسه بفداحة الجريمة التي ارتكبت بحقه. ولذلك فإن هذا البكاء ليس بكاء العاطفة المجردة، بل بكاء المعرفة والوعي والعقيدة.
ثم يختم الإمام المقطع بقوله: (حسرة عليك وتأَسفاً على ما دهاك وتلهفاً). وهنا تتراكم مفردات الألم بصورة لافتة؛ فالحسرة والتأسف والتلهف ليست ألفاظاً مترادفة فحسب، بل هي درجات متصاعدة من الحزن. وكأن الإمام يحاول أن يفتش في اللغة كلها عن كلمة تستطيع أن تحتوي حجم الفاجعة، لكنه يجد أن الكلمات أضيق من أن تستوعب كربلاء.
وعلى المستوى العقائدي تكشف هذه العبارات عن أن الحزن على الحسين (عليه السلام) ليس حالة طارئة مرتبطة بالعاطفة الإنسانية وحدها، بل هو جزء من هوية المؤمن ووعيه. فكلما ازداد الإنسان ارتباطاً بالإمام ازداد شعوره بالحسرة على ما جرى عليه، لأن المصيبة لم تقع على شخص عادي، بل على حجة الله وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحامل مشروع الإصلاح الإلهي.

