أ. د. محمد طاقة
أن الحديث عن (( المفكر)) لم يعد توصيف ثقافي أو لقب يمنح جزافاً ، بل اصبح موضع جدلٍ واستهزاء من بعض أنصاف المثقفين الذين يظنون ان التفكير حكرٌ على اصحاب الشهادات أو الألقاب الأكاديمية ، متناسين ان العقل هو جوهر الانسان وأساس تميزه عن بقية الكائنات.
وقبل التطرق إلى مفهوم كلمة (( المفكر ))
لا بد من التمييز بين عمل الانسان وعمل بقية الحيوانات ، فالإنسان يقوم بعمل مدرك ، أي انه يعي ما يقوم به من خلال ما يمتلكه من عقل قادر على التدبير والتحليل والربط والاستنتاج ، بينما يكون عمل الحيوان عملاً تلقائياً غريزياً غير قائم على الإدراك الواعي
أو التحليل العقلي العميق .
وبما ان جميع البشر يمتلكون العقول ، فهذا يعني أن الجميع يفكرون ولكن بدرجات ومستويات متفاوتة ، تختلف بحسب الامكانيات الذهنية والثقافية والعلمية لكل انسان ، وبحسب قدرته على استخدام عقله في تفسير الظواهر المختلفة وفهم تعقيدات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية .
ومن هنا فأن المفكر ليس بالضرورة ان يكون صاحب شهادة عليا أو درجة علمية ، فالشهادة وحدها لاتصنع فكراً ، كما ان كثرة المعلومات ، لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحليل . فالمفكر الحقيقي هو الانسان الذي يستطيع توظيف عقله وإمكاناته العلمية والثقافية للوصول إلى حقائق الأمور ، وتحليل الواقع ، وتقديم رؤى نقدية مبنية على الفهم العميق والاستنتاج المنطقي .
إن المفكر لايكتفي بنقل المعلومات أو ترديد ما يقوله الآخرون ، بل يعمل على بناء أطرٍ فكرية جديدة لتفسير الواقع وفهم حركة المجتمع ، فهو يمتلك القدرة على تحليل القضايا العميقة التي تشغل الرأي العام . ويربط بين علوم ومعارف متعددة ليصل إلى رؤية شاملة تساعد على فهم المشكلات وربط اسبابها ونتائجها ببعضها البعض .
ولهذا يبقى المفكر الحقيقي ملتصقاً بقضايا مجتمعه ، يسعى إلى تحليلها وفهم جذورها ، ويحاول الربط بين مختلف العوامل فيها ، من اجل استنباط الحلول المناسبة لها .
فهو لايعيش معزولاً عن واقعه ، بل يجعل من التفكير والتحليل والنقد نشاطاً اساسياً في حياته ، ويحّول المعرفة إلى مفاهيم قابلة للفهم والتطبيق والتغيير .
ان وصف انساناً ما بأنه (( مفكر )) ليس مجاملة فارغة ، بل هو اعتراف بما يمتلكه من ادوات عقلية نقدية وقدرة على انتاج المعرفة وصياغة رؤى تفسر الواقع وتسهم في تطوير المجتمع نحو الأفضل .
فالمفكر هو الذي يصنع الفكر ، ويجعل من العقل وسيلة لفهم الحياة وتحليل تناقضاتها ، لا مجرد اداة لحفظ المعلومات أو تكرارها .
وفي المقابل فإن وجود العقل لا يعني بالضرورة وجود الوعي العميق ، فهناك من يستخدم عقله بطريقة علمية وفكرية شاملة ، فيكون تفكيره عاملاً إيجابيا في خدمة المجتمع وتطويره ، وهناك من يبقى أسير التفكير السطحي والعقلية الساذجة ، عاجزاً عن ادراك ما يدور حوله من ظلم وجوع وفقر وحرمان واستعباد . وأذا تأملنا واقع كثير من شعوب العالم ، لوجدنا أن اعداداً كبيرة من الناس ما زالوا يعيشون حالة الامية الفكرية والتخلف الثقافي، رغم امتلاكهم القدرة العقلية ذاتها ، لكنهم لم يوظفوها في الفهم والتحليل والنقد .
وعلى هذا الاساس ، يستطيع كل إنسان أن يسأل نفسه هل هو مفكر حقاً ، أم مجرد ناقل للكلام والأفكار ؟
أن المفكر الحقيقي هو الإنسان الذي يمتلك وعياً نقدياً ، وقدرة على التحليل العميق ، ورؤية متوازنة للواقع ، ويقدم افكاراً حقيقية قابلة للمساهمة في تغيير المجتمع نحو الأفضل . وهو الذي يعرف جذور مشكلات مجتمعه ، ويمتلك ادوات قراءتها وتحليلها من زوايا متعددة . ثم يطرح الحلول المناسبة لها بعقلانية ووعي ومسؤولية .
اما أولئك الذين يستهزئون بوصف الآخرين بكلمة (( مفكر )) فهم غالباً لايدركون المعنى الحقيقي للفكر ودور العقل في بناء المجتمعات ، لان المفكر ليس من يملأ الصفحات بالكلمات ، بل من يمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى وعي والوعي إلى موقف والموقف إلى مشروع يخدم الإنسان والمجتمع .
عمان
13/5/2026

