معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

المفكر الحقيقي في زمن أنصاف المثقفين 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

أن الحديث عن (( المفكر)) لم يعد توصيف ثقافي أو لقب يمنح جزافاً ، بل اصبح موضع جدلٍ واستهزاء من بعض أنصاف المثقفين الذين يظنون ان التفكير حكرٌ على اصحاب الشهادات أو الألقاب الأكاديمية ، متناسين ان العقل هو جوهر الانسان وأساس تميزه عن بقية الكائنات.

وقبل التطرق إلى مفهوم كلمة (( المفكر ))

لا بد من التمييز بين عمل الانسان وعمل بقية الحيوانات ، فالإنسان يقوم بعمل مدرك ، أي انه يعي ما يقوم به من خلال ما يمتلكه من عقل قادر على التدبير والتحليل والربط والاستنتاج ، بينما يكون عمل الحيوان عملاً تلقائياً غريزياً غير قائم على الإدراك الواعي

أو التحليل العقلي العميق .

وبما ان جميع البشر يمتلكون العقول ، فهذا يعني أن الجميع يفكرون ولكن بدرجات ومستويات متفاوتة ، تختلف بحسب الامكانيات الذهنية والثقافية والعلمية لكل انسان ، وبحسب قدرته على استخدام عقله في تفسير الظواهر المختلفة وفهم تعقيدات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية .

ومن هنا فأن المفكر ليس بالضرورة ان يكون صاحب شهادة عليا أو درجة علمية ، فالشهادة وحدها لاتصنع فكراً ، كما ان كثرة المعلومات ، لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحليل . فالمفكر الحقيقي هو الانسان الذي يستطيع توظيف عقله وإمكاناته العلمية والثقافية للوصول إلى حقائق الأمور ، وتحليل الواقع ، وتقديم رؤى نقدية مبنية على الفهم العميق والاستنتاج المنطقي .

إن المفكر لايكتفي بنقل المعلومات أو ترديد ما يقوله الآخرون ، بل يعمل على بناء أطرٍ فكرية جديدة لتفسير الواقع وفهم حركة المجتمع ، فهو يمتلك القدرة على تحليل القضايا العميقة التي تشغل الرأي العام . ويربط بين علوم ومعارف متعددة ليصل إلى رؤية شاملة تساعد على فهم المشكلات وربط اسبابها ونتائجها ببعضها البعض .

ولهذا يبقى المفكر الحقيقي ملتصقاً بقضايا مجتمعه ، يسعى إلى تحليلها وفهم جذورها ، ويحاول الربط بين مختلف العوامل فيها ، من اجل استنباط الحلول المناسبة لها .

فهو لايعيش معزولاً عن واقعه ، بل يجعل من التفكير والتحليل والنقد نشاطاً اساسياً في حياته ، ويحّول المعرفة إلى مفاهيم قابلة للفهم والتطبيق والتغيير .

ان وصف انساناً ما بأنه (( مفكر )) ليس مجاملة فارغة ، بل هو اعتراف بما يمتلكه من ادوات عقلية نقدية وقدرة على انتاج المعرفة وصياغة رؤى تفسر الواقع وتسهم في تطوير المجتمع نحو الأفضل .

فالمفكر هو الذي يصنع الفكر ، ويجعل من العقل وسيلة لفهم الحياة وتحليل تناقضاتها ، لا مجرد اداة لحفظ المعلومات أو تكرارها .

وفي المقابل فإن وجود العقل لا يعني بالضرورة وجود الوعي العميق ، فهناك من يستخدم عقله بطريقة علمية وفكرية شاملة ، فيكون تفكيره عاملاً إيجابيا في خدمة المجتمع وتطويره ، وهناك من يبقى أسير التفكير السطحي والعقلية الساذجة ، عاجزاً عن ادراك ما يدور حوله من ظلم وجوع وفقر وحرمان واستعباد . وأذا تأملنا واقع كثير من شعوب العالم ، لوجدنا أن اعداداً كبيرة من الناس ما زالوا يعيشون حالة الامية الفكرية والتخلف الثقافي، رغم امتلاكهم القدرة العقلية ذاتها ، لكنهم لم يوظفوها في الفهم والتحليل والنقد .

وعلى هذا الاساس ، يستطيع كل إنسان أن يسأل نفسه هل هو مفكر حقاً ، أم مجرد ناقل للكلام والأفكار ؟

أن المفكر الحقيقي هو الإنسان الذي يمتلك وعياً نقدياً ، وقدرة على التحليل العميق ، ورؤية متوازنة للواقع ، ويقدم افكاراً حقيقية قابلة للمساهمة في تغيير المجتمع نحو الأفضل . وهو الذي يعرف جذور مشكلات مجتمعه ، ويمتلك ادوات قراءتها وتحليلها من زوايا متعددة . ثم يطرح الحلول المناسبة لها بعقلانية ووعي ومسؤولية .

اما أولئك الذين يستهزئون بوصف الآخرين بكلمة (( مفكر )) فهم غالباً لايدركون المعنى الحقيقي للفكر ودور العقل في بناء المجتمعات ، لان المفكر ليس من يملأ الصفحات بالكلمات ، بل من يمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى وعي والوعي إلى موقف والموقف إلى مشروع يخدم الإنسان والمجتمع .

عمان

13/5/2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *