معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

العلاقات في زمن “المنفعة”.. حين يغدو القرب عبئاً والوصل حساباً

حجم الخط

بقلم: د. غادة عبد الهادي / دكتوراه الفلسفة

جامعة عين شمس / القاهرة

 

حين يغلب الحساب.. تموت اللهفة

كانت “ليلى” توقن أن الحب فطرة بسيطة، درب يسلكه قلبان التقيا على ضفاف الصدق ليمضيا معاً دون قيد. لكن مرارة التجربة علمتها أن ثمة تفاصيل كانت تخفيها الأقنعة؛ حين بدأ السؤال يتكرر: “هل بمقدوركِ مساعدتي؟”، “أتصمدين معي إن عَصفت بي الظروف؟”. لم يكن العيب في الطلب، بل في تحوله إلى “ترمومتر” لقياس نبض العلاقة. وحين تعثرت خطواتها يوماً، جاءها الرد بارداً كوقع المقصلة: “أنا بحاجة لمن يناسب ظروفي”. عندها أدركت أن مقامها لم يكن “اختياراً” قلبيّاً، بل كان “مقاساً” لظرف طارئ!

هل ما زالت الجسور كما كانت؟

قديماً، كانت العلاقات تُشيد بمداميك العِشرة، وتُسقى بماء المشاعر الصافية. أما اليوم، فقد تبدلت الملامح؛ غدت الروابط معلقة بخيوط الاحتياج، ومسيجة بشروط القدرة، ومرهونة بميزان المصلحة. لم يعد السؤال الوجودي: “هل تحبني؟”، بل أضحى: “ماذا سأجني من ورائك؟”.

الحب.. نبضٌ أم صفقة؟

يتحاشى الكثيرون الاعتراف بالحقيقة المرة، لكن الواقع يؤكد أن حسابات “الربح والخسارة” تسللت إلى قدسية المشاعر. هل يناسبني اجتماعياً؟ هل سيحقق لي وجاهة؟ هل سيختصر لي المسافات؟ ليس الذنب في التفكير العقلاني، بل في تحويل “الآخر” إلى مادة للتقييم المستمر. حين نختار من “يناسب” حياتنا بدلاً عمن “يسكن” أرواحنا، نكون قد استبدلنا القلب بآلة حاسبة.

المال.. تلك القوة الخفية

لم يعد المال مجرد وسيلة للعيش، بل استحال معياراً يقيس كفاءة الحب ودوام الوصل. في زمننا هذا، صار العطاء يُكال بالماديات، والتقدير يُختصر في الإنفاق، حتى ضاع المعنى خلف بريق المظاهر. وحين يستحيل المال بديلاً عن الشعور، تفقد العاطفة أثمن ما تملك: “صدق التعبير”.

بين الاحتياج الصارخ والاختيار الحر

شتان بين من يسكنك لأنه “يريدك”، ومن يتشبث بك لأنه “يحتاجك”. في الاختيار تكمن الحرية والصدق، أما في الاحتياج فيسكن الخوف والتبعية. إن من يخشى الفقد لأنه “لا بديل” له، أو لأنه “لا يجرؤ” على الوحدة، لا يمارس الحب، بل يمارس نوعاً من التعلق المَرَضي الذي يرتدي قناع الوفاء.

عصر الاستبدال وفقدان القيمة

من أوجاع العصر تلك “القابلية للاستبدال”؛ فالبدائل متاحة، والخيارات في فضاء التواصل لا تنتهي. هذا الوهم بالوفرة خلق جيلاً قلقاً، ينسحب عند أول منعطف، ويفتقر لصبر البناء وعمق الالتزام. فكلما تضاعفت الخيارات، تضاءلت قيمة “الاختيار الفريد”.

لماذا بات الوصل عسيراً؟

رغم ضجيج التواصل، صرنا أكثر عزلة؛ فالناس يخشون الجراح، ويتحسبون للاستغلال، ويهابون الرفض. لذا، نقترب بحذر، ونحب بشروط، ونمنح مشاعراً منقوصة. لقد أضحت العلاقات ساحة صراع بين عقل يقول “احسبها بدقة” وقلب يهمس “عِشها بعمق”، وفي غمرة هذا الصراع، يتحول الحب إلى قرار بارد، يخلو من دفء الروح.

هل ما زال الحب متاحاً؟

نعم، لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب وعياً استثنائياً؛ أن نميز بين ما نكنّه من شعور وما نرجوه من مصلحة. أن نكون في علاقة لأننا “نختار” الرفقة، لا لأننا “نستثمر” في الآخر.

الحقيقة العارية

أخطر ما يواجهنا هو تزييف الحقائق على أنفسنا؛ أن نسمي الاحتياج حباً، والانتفاع اهتماماً، والارتهان بالآخر ارتباطاً. إن أصدق علاقة هي التي تملك الشجاعة لترى نفسها في المرآة بلا تجميل. فإذا كان الوصل مشروطاً بما نحصل عليه، فهل نحن نعشق حقاً.. أم إننا فقط وجدنا من يُرقع ثقوب احتياجنا؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *