معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الشرق الاوسط بين صراع المحاور واعادة تشكيل النظام الدولي 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

في خضم الاحداث المتسارعة الي تشهدها منطقة الشرق الاوسط ، وبالأخص التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ، وايران من جهة أخرى، يجد المتابع نفسه امام سيل هائل من الاخبار والتحليلات والتصريحات المتناقضة . هذا التضارب ، إلى جانب تصاعد دور الإعلام الموجه ، يخلق حالة من الضبابية تُفقد المتلقي القدرة على التمييز بين الوقائع والتفسيرات ، وتُغيّب الصورة الحقيقية للصراع .

لايمكن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط بمعزل عن التحولات الكبرى في النظام الدولي ، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام (1991) ، انفردت أمريكا بقيادة العالم كقوة مهيمنة ، مستندة إلى تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي واضح ، إذ تستحوذ على نحو (40‎%‎) من الإنفاق العسكري العالمي . غير ان هذا التفرد لم يَدُمْ دون تحديات ، مع صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية يتجاوز ناتجها المحلي (18)ترليون دولار ، وعودة روسيا إلى الساحة الدولية كلاعب عسكري مؤثر . ومن هنا بات الصراع في جوهره يدور بين محور أمريكي يسعى للحفاظ على الهيمنة ومحور صاعد يعمل على اعادة التوازن الدولي .

الشرق الأوسط اصبح يمثل قلب الصراع العالمي ، حيث تكتسب منطقة الشرق الأوسط أهميتها الاستراتيجية من مجموعة عوامل تجعلها محوراً للصراع الدولي وفي مقدمتها :

اولاً : الطاقة

تمتلك دول المنطقة ما بين (48‎%‎-52‎%‎‎%‎) من احتياطي النفط العالمي المؤكد ، وتساهم بنحو (30‎%‎) من الانتاج اليومي ، وتبرز مثل السعودية والعراق وايران والإمارات والكويت وقطر كمراكز رئيسية للطاقة يعتمد عليها الاقتصاد العالمي خاصة في آسيا واوربا .

 

ثانياً : الممرات المائية

تمثل الممرات البحرية في المنطقة شرايين حيوية للتجارة العالمية ، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو (20-22) مليون برميل نفط يومياً ، أي ما يقارب (20‎%‎) من الاستهلاك العالمي ، إلى جانب باب المندب وقناة السويس التي يمر عبرها قرابة (12‎%‎) من التجارة العالمية . هذه المعطيات تجعل من السيطرة على المنطقة مدخلاً مباشراً للتأثير في الاقتصاد العالمي وموازين القوة الدولية .

تعود فكرة( الشرق الأوسط الكبير ) إلى طروحات قديمة ، من بينها ما طرحه (شمعون بيريز) ، قبل ان تتطور ضمن الاستراتيجيات الأمريكية اللاحقة . ويقوم هذا التصور على منع بروز قوى منافسة عبر اعادة تشكيل المنطقة سياسياً واقتصادياً .

فالتحكم بمصادر الطاقة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي ، بل يمتد ليشمل التأثير في القرار السياسي للدول . باعتبار ان من يسيطر على النفط والغاز يمتلك ادوات ضغط استراتيجية على المستوى العالمي .

شهدت المنطقة خلال العقود الاخيرة ، سلسلة من الحروب والصراعات التي ساهمت في اضعاف البنية التحتية للدول العربية ، بدءاً من غزو العراق عام (2003) ، وصولاً إلى النزاعات في سوريا واليمن ، والأزمات في ليبيا والسودان ، فضلاً عن التوترات المستمرة في لبنان وفلسطين . وقد ادت هذه الصراعات إلى:

⁃ تدمير واسع للبنى التحتية

⁃ تراجع اقتصادي حاد

⁃ تفكيك اجتماعي وسياسي

ما أضعف قدرة هذه الدول على لعب دور فاعل في النظام الدولي ، ضمن هذا السياق ، برزت ايران كقوة إقليمية فاعلة ، حيث وسعت نفوذها في عدد من الدول العربية ، ودخلت في صراعات مباشرة وغير مباشرة ، ويرى هذا الطرح ان الدور الإيراني تداخل مع حسابات دولية اوسع ، سواء من خلال الصدام او التوظيف غير المباشر في بعض الملفات الاقليمية (( خاصة تدخلها في اربعة عواصم عربية)) وهو ما يجعل فهم هذا الدور مسألة خلافية بين المحللين ، تتراوح بين كونه مشروعاً مستقلاً ، او جزءاً من توازنات دولية معقدة .

تشهد المنطقة اليوم تصاعداً في التوترات العسكرية والتحشدات ، خاصة في محيط الممرات الحيوية ، بالتزامن مع حضور عسكري أمريكي متزايد . ويُفهم ذلك ، على انه محاولة لاعادة ضبط التوازنات الاقليمية تمهيداً لمواجهة اوسع مع القوى الصاعدة ، وعلى رأسها الصين ومحورها . ويمكننا تلخيص المشهد الراهن في الشرق الأوسط ضمن النقاط الاتية :

اولاً : ان غزو العراق عام (2003) لم يكن نتيجة امتلاكه اسلحة دمار شامل او تهديد المباشر للأمن القومي الأمريكي ، بل جاء في سياق موقعه الجيوسياسي وما يمتلكه من مصادر الطاقة ( النفط والغاز) وبكميات كبيرة وكذلك دوره كعائق امام مشاريع اعادة تشكيل المنطقة .

ثانياً : ان ما شهدته المنطقة من صراعات لم يكن عشوائياً بالكامل ، بل ادى عملياً إلى اضعاف الدول العربية ، وتفكيك بنيتها التحتية واستنزاف ثرواتها ، سواءاً كان ذلك نتيجة تدخلات خارجية او تدخلات داخلية ، مما يجعلها اقل قدرة على التأثير في القرار الدولي

 

ثالثاً : ان العلاقة بين القوى الدولية وبعض الفاعلين الإقليميين ، بما في ذلك ايران ، اتسمت بدرجة عالية من التعقيد ، حيث تداخلت فيها عناصر الصراع والتقاطع المرحلي في المصالح ، وهو ما يفسر كثيراً من التناقضات الظاهرة في المشهد .

 

رابعاً : ومن المفارقات والتناقضات التي يبرزها هذا الطرح ، ان امريكا وإسرائيل، لم تكونا مجرد طرفين في مواجهة قوى إقليمية ، بل ساهمت في تشكيل جزء من هذا المشهد السياسي نفسه ، اذ يشار إلى دورهما في وصول ( الخميني ) إلى الحكم في ايران ، وكذلك دعم حزب الله في لبنان والنظام السوري السابق ، وكذلك دعم جماعات مثل الحوثيين في اليمن بما أدى إلى تمزيق وحدة البلاد وتدمير بنيتها التحتية ، إضافة إلى دعم التدخلات التي انتهت باسقاط معمر القذافي في ليبيا وما رافق ذلك من انهيار مؤسسات الدولة ، فضلاً عن دور مشابه في تأجيج الصراعات داخل السودان . وفي السياق ذاته ، ينظر إلى ما جرى في العراق بعد عام (2003) على انه انتقال للنفوذ إلى إيران ، بما أتاح لها التحكم بمقدرات الدولة والتأثير في بنيتها السياسية والاجتماعية ، وهو وضع لاتزال آثاره مستمرة حتى اليوم .

اما في المرحلة الراهنة ، وبعد ان تعرضت غالبية الدول العربية لحالات من الإضعاف او التفكك ، فإن هذا الطرح يرى ان المعادلة تتجه نحو مرحلة جديدة ، لم يتبقّ منها سوى ايران كقوة قائمة وعليه بدأ التوجه نحو اضعافها واستهدافها ، رغم كونها حليف في مرحلة سابقة وكانت جزءاً من توازنات الصراع

ويفهم من كل ذلك على انه خطوة تهدف في النهاية إلى تمكين امريكا وإسرائيل من الانفراد بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط ، والتحكم بمساراتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية .

خامساً : ان التصعيد الحالي مع ايران لايمكن اختزاله في ملفها النووي او قدرتها العسكرية فقط ، بل يرتبط بإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط ، بما يخدم ترتيبات دولية اوسع .

سادساً :

ان الهدف الأعمق للصراع يتمثل في السيطرة على مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية ، بما يمنح القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وبالتالي في القرار السياسي الدولي

في النهاية ، ما يجري في الشرق الأوسط هو جزء من صراع دولي على الهيمنة ، تُستخدم فيه دول المنطقة كساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى في ظل تداخل المصالح الدولية مع الأدوار الاقليمية ، بعيداً عن الروايات الرسمية التي تقدم للرأي العام ، ما يجعل فهمه يتطلب قراءة متعددة الأبعاد تتجاوز التفسيرات السطحية أو الاحادية .

عمان

17/4/2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *