معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

لماذا الشرق الأوسط؟ الحلقة السابعة

حجم الخط

أهم التوصيات

سابعا : أهم التوصيات

في ضوء ما توصلت إليه الدراسة من استنتاجات بشأن الأهمية الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط ، وما تمتلكه من موارد طبيعية وممرات مائية ذات أهمية عالية ، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي من شأنها الإسهام في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة وكيما يأتي :

أولا : ضمان أمن الممرات والمضائق البحرية الدولية. ينبغي على جميع دول العالم ، سواء أكانت دولا منتجة أم مستوردة للنفط والغاز ، دعم أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط ، ولاسيما الممرات والمضائق البحرية ذات الأهمية الدولية ، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ، بما يضمن حرية الملاحة الدولية واستمرار حركة التجارة والطاقة العالمية ، كما ينبغي العمل على اعادة حركة الملاحة البحرية الى مستوياتها الطبيعية، وضمان دور السفن التجارية وناقلات النفط والغاز بأمان، بعيدا عن التهديدات العسكرية أو سياسية التي قد تؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين .

ثانيا : تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على الحلول العسكرية. ضرورة اعتماد الحوار والتفاوض والوسائل الدبلوماسية في معالجة الأزمات والنزاعات التي تشهدها المنطقة، والابتعاد عن استخدام القوة باعتبارها وسيلة لحسم الخلافات ، لما يترتب على ذلك آثار تتجاوز حدود الدول المتنازعة لتؤثر في أمن المنطقة والاقتصاد العالمي . كما ينبغي تشجيع إنشاء آليات إقليمية للحوار والأمن الجماعي ، تتيح لدول المنطقة معالجة مصادر التوتر بصورة مباشرة ، وتحد من احتمالات تحول الأزمات المحلية إلى أزمات إقليمية أو دولية .

ثالثا : احترام القانون الدولي للبحار . ينبغي على جميع دول المنطقة ، ولاسيما الدول المتشاطئة للممرات والمضائق البحرية ، الالتزام بأحكام القانون الدولي للبحار ، واحترام قواعد الملاحة وحقوق الدول وواجباتها ، بما يضمن حرية الملاحة والاستخدام الآمن للممرات البحرية الدولية . ومن شأن الالتزام بالقواعد القانونية الدولية أن يسهم في تخفيف التوترات المتعلقة بالملاحة ، ويوفر أساسا قانونيا لمعالجة الخلافات المتعلقة بالمضائق والممرات البحرية ، بما يحفظ حقوق الدول المتشاطئة ومصالح المجتمع الدولي في الوقت نفسه .

رابعا : تعزيز التعاون العربي وتوحيد المواقف . ينبغي على الدول العربية التنسيق والتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والأمنية ، وتوحيد مواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الصلة بأمن المنطقة ومصالحها . إن امتلاك الدول العربية لمواقف أكثر تنسيقا من شأنه أن يعزز قدرتها على حماية مصالحها ، والاستفادة من مواردها وموقعها كأطراف ، ويمنحها قدرة أكبر على أداء دور محوري في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط .

خامسا : إنشاء إطار إقليمي لأمن الطاقة . نظرا إلى أن الشرق الأوسط يمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم ، فمن الضروري تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لحماية منشآت الطاقة وخطوط النقل والموانئ ومحطات التصدير ، ووضع آليات للتعامل مع الأزمات التي قد تؤثر في إمدادات الطاقة العالمية . كما ينبغي العمل على تنويع طرق تصدير الطاقة وإنشاء شبكات نقل أكثر مرونة ، بما يقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على ممر بحري واحد ، ويحد من الآثار الاقتصادية للأزمات المفاجئة .

سادسا : تعزيز التعاون في مجال المياه والموارد الطبيعية . ينبغي إعطاء ملف المياه أهمية أكبر ضمن منظومة الأمن الإقليمي ، ولاسيما أن عددا من دول الشرق الأوسط يعاني من شح المياه وتزايد الطلب عليها . ومن الضروري تطوير آليات للتعاون بين الدول المتشاطئة على الأنهار والأحواض المائية المشتركة ، وتعزيز مشاريع التحلية وإعادة استخدام المياه ، وتطوير تقنيات إدارة الموارد المائية ، باعتبار أن الأمن المائي يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن والاستقرار في المنطقة .

سابعا : الاستفادة من الثروات المعدنية وتعزيز الصناعات التحويلية. ينبغي ألا يقتصر اهتمام الدول المنطقة على تصدير النفط والغاز والمواد الخام ، بل يجب العمل على تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالموارد المعدنية ، ولاسيما المعادن الاستراتيجية والحرجة والنادرة ، بما يسهم في تنويع الاقتصاديات وخلق فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة داخل دول المنطقة . كما ينبغي تشجيع الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا المرتبطة باستخراج ومعالجة المعادن ، بما يعزز قدرة دول الشرق الأوسط على الاستفادة من التحولات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة .

ثامنا : تنويع الاقتصاديات وتقليل الاعتماد على النفط والغاز . على الدول المنتجة للنفط والغاز الاستمرار في تنويع اقتصادياتها ، والاستثمار في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والزراعة والسياحة والخدمات والطاقة المتجددة ، بحيث لا تبقى اقتصادياتها شديدة التأثير بتقلبات أسعار النفط والغاز أو الأزمات الجيوسياسية. فالتنمية الاقتصادية المستدامة تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار السياسي والاجتماعي وتقلل من قابلية اقتصاديات المنطقة للتأثر بالصدمات الخارجية .

تاسعا : الحد من عسكرة المنطقة وتعزيز الأمن الإقليمي . إن استمرار التسلح العسكري ووجود القواعد والقوات الأجنبية وانتشار مظاهر التسلح في المنطقة يمثل أحد العوامل التي تزيد من تعقيد البيئة الأمنية . لذلك ينبغي العمل، بصورة تدريجية ومتوازنة ، على خفض التوتر العسكري والحد من سباقات التسلح، وتشجيع الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تضمن مصالح دول المنطقة ، مع احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية .

عاشرا : تعزيز دور دول المنطقة في صياغة مستقبلها . ينبغي أن يكون لدول الشرق الأوسط دور أساسي في تحديد مستقبل المنطقة وترتيباتها الأمنية والاقتصادية والسياسية ، مع أهمية التعاون مع القوى الدولية على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة . فالاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات تفرض من الخارج ، وإنما من خلال توافقات إقليمية تشارك فيها دول المنطقة بصورة مباشرة ، وتراعي مصالح الجميع ودولها ، مع الاستفادة من الدعم الدولي عندما يكون ضروريا .

حادي عشر : تفعيل التعاون الدولي في حماية الاقتصاد العالمي . نظرا إلى أن أمن الشرق الأوسط يرتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية ، فإن مسؤولية استقرار المنطقة لا تقع على عاتق دولها وحدها ، بل تتطلب تعاونا دوليا متوازنا . وعليه ينبغي على القوى الاقتصادية الكبرى والدول المستوردة للطاقة أن تدعم الاستقرار والتنمية الاقتصادية في المنطقة ، بدلا من أن تقتصر علاقاتها على تأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية قصيرة الأجل .

ثاني عشر : اعتماد التنمية والسلام أساسا للأمن الإقليمي . ينبغي النظر إلى الأمن في الشرق الأوسط باعتباره مفهوما شاملا لا يقتصر على الأمن العسكري ، وإنما يشمل الأمن الاقتصادي والمائي والغذائي والطاقة والتنمية البشرية والتكنولوجيا . ومن ثم فإن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للنزاعات وتحقيق التنمية ورفع مستوى التعاون بين دول المنطقة ، بما يجعل السلام والاستقرار مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.

وأخيرا يبقى التساؤل قائما : هل يمكن تحقيق هذه التوصيات في ظل نظام دولي يتسم بالتعقيد والتنافس بين القوى الكبرى وتضارب المصالح والاستراتيجيات ؟

أن الإجابة عن هذا التساؤل لا ينبغي أن تكون بالاستسلام لتعقيدات النظام الدولي ، وإنما بالعمل على بناء قدر أكبر من التعاون الإقليمي والدولي ، وتتعزز قدرة دول المنطقة على إدارة حواراتها ومصالحها، وإيجاد توازن بين المصالح الوطنية والمصالح الإقليمية والدولية . وعلى الرغم من صعوبة تحقيق جميع هذه الأهداف في المدى القصير ، فإن استمرار الأزمات والصراعات لا يمثل حلا بديلا، بل يزيد من تكلفة عدم الاستقرار على دول المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي . ولذلك فإن بناء نظام إقليمي قائم على الحوار ، واحترام القانون الدولي ، والتعاون الاقتصادي ، وأمن الطاقة والمياه ، والتنمية المستدامة ، يمثل الطريق الأكثر واقعية نحو شرق أوسط أكثر أمنا واستقرارا . وبذلك يتضح أن أهمية الشرق الأوسط «ككل» لا تنبع من موارده النفطية والغازية والمعدنية وموقعه الجغرافي وممراته البحرية فحسب.

وإنما من كونه منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متعددة ، الأمر الذي يجعل استقرارها مصلحة إقليمية ودولية مشتركة ومسؤولية لا يمكن فصلها عن أمن الاقتصاد العالمي واستقرار النظام الدولي .

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *