معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

لماذا الشرق الأوسط؟ الحلقة السادسة

حجم الخط

 

الاستنتاجات

سادسا : الاستنتاجات

توصلت الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات التي توضح أسباب استمرار الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط ويمكن إجمالها فيما يأتي :

١- استمرار الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط : أظهرت الدراسة أن منطقة الشرق الأوسط ستظل ، رغم التحولات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية التي يشهدها النظام الدولي ، إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم . ويعود ذلك إلى اجتماع مجموعة من المقومات في نطاق جغرافي واحد، تتمثل في موقعها الذي يربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا ، واحتوائها موارد طبيعية ضخمة ، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن المختلفة ، بما فيها المعادن الحرجة والنادرة والثمينة ، فضلا عن احتضانها عددا من أهم الممرات والمضائق البحرية في العالم ، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس .

كما تتعزز أهمية المنطقة بأبعادها الدينية والحضارية والتاريخية إذ كانت مهدا للديانات السماوية الكبرى وتضم عددا من المقدسات والمراكز الحضارية ذات التأثير العالمي ، إلى جانب وزنها الجغرافي والسكاني . وقد أدى تداخل هذه المقومات إلى جعل الشرق الأوسط مجالا دائما للتنافس الإقليمي والدولي، ولاسيما بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا بهدف حماية المصالح الاقتصادية والأمنية وتعزيز النفوذ السياسي والاستراتيجي .

٢- الأهمية الحيوية للممرات والمضائق البحرية : خلصت الدراسة إلى أن الممرات والمضائق البحرية في الشرق الأوسط ، تمثل ركائز أساسية لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة والملاحة الدولية ، نظرا لدورها في ربط الأسواق والمراكز الاقتصادية في آسيا وأوروبا وأفريقيا . وتكتسب هذه الممرات أهميتها الحيوية من قدرتها على اختصار المسافات والوقت والتكاليف أمام السفن ، فضلا عن دورها في نقل النفط والغاز والحاويات والسلع والمواد الدولية . ولذلك فإن أي اضطراب أو تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس لا يقتصر تأثيره على الدول المحيطة بها ، وإنما يمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية ، الأمر الذي يجعل أمن هذه الممرات جزءا من الأمن الاقتصادي العالمي .

٣- استمرار المكانة المحورية للنفط والغاز في الاقتصاد العالمي : بينت الدراسة أن النفط والغاز يمثلان أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والاستراتيجية للشرق الأوسط ، إذ تستحوذ المنطقة على نسبة كبيرة من الاحتياطيات العالمية من النفط والغاز ، وتؤدي دورا رئيسيا في الإنتاج والتصدير إلى الأسواق العالمية . وتشير البيانات التي تناولتها الدراسة إلى امتلاك دول الشرق الأوسط احتياطيات نفطية ضخمة ، وإنتاج  ملايين البراميل يوميا ، فضلا عن امتلاكها نسبة كبيرة من الاحتياطيات العالمية للغاز الطبيعي .

وقد جعلت هذه الإمكانيات المنطقة مركزا رئيسيا في سوق الطاقة العالمي ، ولاسيما بالنسبة للدول الصناعية والاقتصاديات الآسيوية الكبرى التي تعتمد بدرجات مختلفة على إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة . وعليه فإن أهمية الشرق الأوسط في مجال الطاقة لا ترتبط بحجم الاحتياطيات فقط ، وإنما أيضا بقدرته الإنتاجية والتصديرية ، وبموقعه القريب من أهم الأسواق المستهلكة للطاقة، وبمرور نسبة مهمة من صادرات الطاقة عبر ممرات البحرية الاستراتيجية .

٤- الموارد الطبيعية لا تزال عاملا رئيسيا في الأهمية الجيوسياسية للمنطقة : توصلت الدراسة إلى أن الثروات الطبيعية ، وعلى الرغم من التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة والتطور السريع في التكنولوجية ستبقى عاملا مهما في تحديد المكانة الجيوسياسية للشرق الأوسط خلال العقود المقبلة ، فالتحول في منظومة تجارة الطاقة العالمية لا يعني انتهاء أهمية النفط والغاز بصورة فورية ، وإنما يشير إلى تغيير تدريجي في مزيج الطاقة العالمي .

كما أن وجود احتياطيات نفطية وغازية كبيرة إلى جانب إمكانات الاستكشاف والتطوير المستقبلية ، يعزز من أهمية المنطقة في حسابات الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة . وفي الوقت نفسه فإن تنامي أهمية المعادن الاستراتيجية والحرجة والنادرة، المستخدمة في الصناعات الحديثة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والبطاريات ووسائل النقل الحديثة ، يضيف بعدا جديدا إلى الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للشرق الأوسط ، ويجعل موارد المنطقة تتجاوز مفهوم الطاقة التقليدية إلى نطاق أوسع من الموارد اللازمة للاقتصاد العالمي الحديث .

٥- التنافس الدولي على الشرق الأوسط يرتبط بتعدد مصادر القوة فيه : أظهرت الدراسة أن الحضور الفكري والسياسي للقوى الكبرى في الشرق الأوسط لا يمكن تفسيره بعامل واحد ، كالتنافس على النفط أو مواجهة دولة إقليمية بعينها ، وإنما يرتبط بمجموعة متداخلة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية . وفي هذا السياق ، يمثل الوجود الأمريكي في منطقة الخليج أحد أبرز مظاهر التنافس الدولي على المنطقة ، حيث يرتبط بحماية المصالح الاستراتيجية، وأمن إمدادات الطاقة ، وأمن الممرات البحرية ، ومواجهة التهديدات الإقليمية، فضلا عن الحفاظ على النفوذ في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة مع مصالح قوى دولية أخرى ، وفي مقدمتها الصين وروسيا .

كما أن تنامي الحضور الاقتصادي والاستراتيجي للصين، واستمرار الدور الروسي إلى جانب الدور الأوروبي ، يؤكد أن الشرق الأوسط أصبح مجالا للتنافس الدولي متعدد الأبعاد، وليس مجرد ساحة للتنافس العسكري التقليدي .

٦- الأزمات الإقليمية تؤكد هشاشة منظومة الطاقة والتجارة العالمية: أظهرت التطورات والأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط ولاسيما في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب ، أن أي اضطراب أمني في هذه المناطق يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة . وقد تأثرت الدول المستوردة للطاقة نتيجة اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتقلب الأسعار، كما تأثرت الدول المنتجة للطاقة نتيجة المخاطر التي تواجه منشآتها النفطية والغازية والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج والتصدير . وتؤكد هذه التطورات أن أمن الطاقة العالمي  يرتبط ارتباطا وثيقا باستقرار الشرق الأوسط وأمن ممراته البحرية ، وأن استمرار الأزمات في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى آثار اقتصادية تتجاوز حدودها الجغرافية لتصل إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية .

٧- التحولات التكنولوجية لا تلغي أهمية الشرق الأوسط وإنما تعيد تشكيلها : من أهم ما توصلت إليه الدراسة أن التحول نحو الطاقة النظيفة والتطور التكنولوجي لن يؤدي بالضرورة إلى تراجع أهمية  الشرق الأوسط ، بل قد يعيد تشكيل طبيعة هذه الأهمية ، فإلى جانب استمرار أهمية النفط والغاز خلال المرحلة الانتقالية للطاقة ، تزداد أهمية المعادن والمواد الخام التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة . وبذلك يمكن أن تنتقل المنافسة الدولية تدريجيا من التركيز على موارد الطاقة التقليدية وحدها إلى التنافس على مجموعة أوسع من الموارد الاستراتيجية ، فضلا عن الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد ومراكز الطاقة والتجارة والاستثمار .

٨- الشرق الأوسط سيبقى محورا مهما في توازنات النظام الدولي : وبناء على جملة ما توصلت إليه الدراسة ، يمكن القول أن أهمية الشرق الأوسط لا تقوم على عامل واحد ، وإنما على اجتماع الموقع الجغرافي والممرات البحرية والثروات الطبيعية والطاقة والمعادن والأهمية الدينية والحضارية والوزن السياسي والأمني .

ومن ثم ، فإن المنطقة ستظل خلال المستقبل المنظور أحد أهم مناطق التفاعل والتنافس في النظام الدولي، وستبقى التطورات التي تشهدها مؤثرة في أمن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد والتوازنات الإقليمية والدولية .

ولذلك فإن الإجابة عن سؤال الدراسة (( لماذا الشرق الأوسط ؟ )) تتمثل في أن هذه المنطقة تجمع في موقع جغرافي واحد مجموعة من عناصر القوة التي تجعل تأثيرها يتجاوز حدودها الإقليمية ، ويصل إلى الاقتصاد والأمن والسياسة على المستوى العالمي .

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *