معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

العراق ثروة منهوبة أم نظام استنزاف متكامل؟

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

المقدمة

تعد قضية الثروة النفطية في العراق من أكثر القضايا إثارة للجدل، نظراً لما يمتلكه العراق من موارد طبيعية هائلة كان من المفترض أن تسهم في بناء اقتصاد قوي وتحقيق التنمية والرفاه الاجتماعي.

إلا أن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه العراق منذ عام (2003) يكشف عن مفارقة خطيرة، تتمثل في اتساع دائرة الفقر والبطالة وتدهور البنى التحتية والخدمات الأساسية، مقابل استمرار تدفق الإيرادات النفطية بمليارات الدولارات سنوياً.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة الموسومة (( العراق .. ثروة منهوبة أم نظام استنزاف متكامل ؟ ))، والتي تهدف إلى تسليط الضوء على طبيعة النظام الاقتصادي القائم في العراق، والكشف عن آليات الاستنزاف التي تتعرض لها الثروة الوطنية، سواء عبر التدخلات الخارجية أو من خلال شبكات الفساد والقوى الداخلية المرتبطة بها.

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن ما يجري في العراق لا يمكن اختزاله بفساد مالي تقليدي أو سوء إدارة عابر، بل يمثل نموذجاً متكاملاً للاستنزاف الاقتصادي، تسخر فيه أدوات سياسية ومالية وإدارية من أجل التحكم بالثروة العراقية وإبقائها خارج مسار التنمية الحقيقية. ويبرز النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة، حيث تخضع عائداته لآليات رقابة وتحكم دولية معقدة، في ظل اعتماد اقتصادي شبه كامل على المورد النفطي، وغياب واضح لخطط التنمية والإنتاج الوطني.

كما تتناول الدراسة أداء الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام (2003)، والتي عجزت عن بناء رؤية اقتصادية وطنية قادرة على استثمار الموارد المالية في مشاريع التنمية والإعمار، إذ جرى توجيه القسم الأكبر من الإيرادات نحو النفقات التشغيلية والاستهلاكية، في حين تعرضت مبالغ ضخمة للهدر والفساد والتهريب بمختلف الوسائل، انعكست آثارها بشكل مباشر على واقع التعليم والصحة والبنى التحتية والخدمات العامة.

وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل بنية الاقتصاد العراقي، وآليات إدارة الإيرادات النفطية، وطبيعة العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في القرار الاقتصادي العراقي، مع تقديم قراءة نقدية للنتائج التي أدت إلى إضعاف الدولة واستنزاف ثرواتها، رغم الإمكانات الهائلة التي يمتلكها العراق بشرياً ومادياً.

العراق: تحليل بنيوي لاقتصاد ريعي في ظل نظام استنزاف مركّب :

ليس من الدقة اختزال مأساة العراق الاقتصادية بعبارة (نهب ثروات) فقط، لأن ما يجري أعمق من سرقة مباشرة أو فساد عابر، نحن أمام نظام استنزاف متكامل تتداخل فيه عوامل داخلية (الفساد وضعف المؤسسات) وخارجية (الاندماج غير المتكافئ في النظام المالي العالمي ومنظمة سويفت (Swift) جزء منه) لينتج واقعاً متناقضاً كون العراق دولة غنية بالموارد ولكنها فقيرة بالخدمات.

لأن العراق يملك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم يبلغ بنحو (145) مليار برميل، ويعتمد على هذه الثروة لتأمين أكثر من (90%) من إيراداته، لكن هذه المعادلة تكشف خللاً جوهرياً، ألا وهو أن الاقتصاد العراقي أحادي المصدر (اقتصاد ريعي)، وخالي من التنويع الإنتاجي، ويعتمد بنفس الوقت على تكنولوجيا الشركات الأجنبية. علماً أن عقود النفط رغم أنها لا تمنح الملكية الكاملة للشركات، إلا أنها تضمن لها أرباحاً مستقرة وطويلة الأمد. وهنا تتحول الثروة من فرصة للتنمية إلى أداة ارتباط دائم بالخارج.

أن النظام الاقتصادي العراقي بعد عام (2003) أعاد إنتاج نموذج الدولة الريعية، وهذا يعني أن الحكومة توزع الرواتب بدل خلق فرص إنتاج، وأن دور القطاع الخاص ضعيف جداً وقطاعي الصناعة والزراعة شبه معطلين وهذا الوضع يمكننا وصفه بـ: مجتمع يعتمد على الدولة والدولة تعتمد على النفط والنفط مرتبط بالسوق العالمي.

أما بالنسبة لنافذة العملة، فهي البوابة الأكبر لاستنزاف الأموال، أي ما يسمى بـ (مزاد العملة)، أو نافذة بيع الدولار، تحول من أداة لضبط السوق، إلى قناة تهريب العملة الصعبة ووسيلة لغسيل الأموال وغطاء لفواتير استيرادات وهمية، حيث يقوم البنك المركزي ببيع ما بين (200 – 250) مليون دولار يومياً وبدأ العمل بما يعرف بـ (مزاد العملة) من قبل البنك المركزي العراقي بعد عام (2003)، وبشكل رسمي ومنتظم تقريباً منذ عام (2004) كجزء من السياسة النقدية الجديدة التي اعتمدها البنك للحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار وتمويل الاستيراد والتجارة الخارجية.

أما حجم مبيعات الدولار خلال هذه السنوات فالتقديرات والتقارير الاقتصادية الموثقة تشير إلى أن إجمالي ما بيع عبر نافذة العملة تجاوز الترليون دولار بحسب طريقة احتساب الحوالات والاعتمادات النقدية والتحويلات الخارجية. ويعد مزاد العملة من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في العراق، بسبب تعلق ذلك بتهريب الدولار وعملية غسيل الأموال واستنزاف الاحتياطي النقدي.

والجدول رقم (1) وبحسب بيانات البنك المركزي العراقي، يوضح بيع العملة خلال العشر سنوات الأخيرة وكما موضحة في الجدول:

السنة حجم المبيعات التقريبي

2016 نحو 33,5 مليار دولار

2017 37

2018 42

2019 48

2020 37

2021 45

2022 52

2023 66

2024 78

2025 80

 

والمجموع التقريبي خلال عشر سنوات الأخيرة يتجاوز ما بين (٥٢٠ – ٥٤٠) مليار دولار امريكي ، ويلاحظ أن المبيعات ارتفعت بشكل واضح بعد عام (٢٠٢٢) نتيجة توسع التحويلات الخارجية وتعديل الاستيرادات ، وفي السنوات (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥) سجلت أعلى مستويات في تاريخ نافذة العملة ، علماً أن جزء كبير من هذه المبالغ تذهب عبر الحوالات الخارجية وليس نقداً مباشراً ، وأن أكثر هذه التحويلات تذهب الى ايران ، كون العراق ومنذ سنوات يعتمد على استيراد الغاز والكهرباء من ايران وقد قدرت المدفوعات السنوية المرتبطة بالطاقة الإيرانية بنحو (١٠) مليار دولار ، بالإضافة الى العلاقات التجارية بين العراق وايران والتي بلغت بنحو (٢٠) مليار دولار

وهنا لا نتحدث عن فساد بسيط ، بل عن نزيف مستمر للعملة الوطنية ، حيث تخرج مليارات الدولارات سنوياً دون مقابل انتاجي حقيقي ، وعلى هذا الأساس لا يمكننا فهم ما يجري دون الاعتراف بأن الفساد ليس خللاً طارئاً بل عبارة عن منظومة متكاملة وشبكة مصالح سياسية واقتصادية داخلية وخارجية وتحالف بين السلطة ورأسا المال .

لذا نجد هناك مشاريع بمليارات الدولارات ، يا أما تنفذ جزئياً أو لا تنفذ ، وتتضخم تكاليفها وتتحول الى وسيلة لتراكم الثروة لدى فئة محدودة ، وهي الفئة المتنفذة والمتزاوجة مع السلطة . والنتيجة أن الثروة العامة تتحول الى ثروات خاصة .

كما نلاحظ أيضاً أن العراق يستورد كل شيء تقريباً، الغذاء، الصناعة، التكنولوجيا، الطاقة، رغم توفر الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية واليد العاملة.

ويقدر حجم الاستيرادات السنوية للعراق حالياً بين (٦٥ – ٨٧) مليار دولار سنوياً بحسب بيانات البنك المركزي العراقي وتقارير التجارة الدولية، وقد ارتفعت بشكل واضح خلال عام (٢٠٢٤) نتيجة زيادة الاستهلاك المحلي وضعف الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي.

والجدول رقم (٢) يبين أبرز الدول التي يستورد منها العراق وحجم هذه الاستيرادات:

الدولة حجم الاستيراد التقريبي

الإمارات العربية المتحدة نحو ٣٠ مليار دولار

الصين ١٦

تركيا ١١

الهند ١٠

ايران ١٢

أما أهم ما يستورده العراق بشكل عام فهو، السيارات والمركبات والأجهزة الإلكترونية والكهربائية، والمواد الغذائية والأدوية، والحديد والمواد الإنشائية، والوقود والغاز، والأجهزة الصناعية والمولدات.

“ويلاحظ اقتصادياً أن العراق يعتمد بشكل كبير على الاستيراد بسبب، ضعف الصناعة المحلية بعد عام (٢٠٠٣) وتراجع القطاع الزراعي والاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر للإيرادات، بالإضافة إلى اتساع السوق الاستهلاكية، فبإمكان القول أن العراق بلد مستهلك غير منتج.

وهذا يعني أيضاً خروج دائم للعملات الصعبة، مقابل غياب بناء اقتصادي حقيقي.

أما بالنسبة لارتباط العراق بالنظام المالي العالمي ونظام السويفت (Swift)، يجعله خاضعاً لقواعد لا يضعها هو، ويكون مرتبطاً بالدولار بشكل شبه كامل ويكون محدود القدرة على المناورة المالية، وهذا ما يجعل الدولة تملك المال لكنها لا تملك حرية استخدامه بالكامل.

ولابد هنا من إعطاء صورة واضحة عن نظام سويفت (Swift)، وكيف يتم استنزاف أموال العراق من العملات الصعبة وتهريبها إلى الخارج، بل أكثرها تذهب إلى إيران وأذرعها في المنطقة.

تأسست سويفت (Swift) عام (١٩٧٣) وبدأت أعمالها فعلياً سنة (١٩٧٧)، وجاء تأسيسها لأن البنوك العالمية كانت تعتمد سابقاً على أجهزة التلكس (Telex) وهي أنظمة بطيئة وغير موحدة، فتم إنشاء سويفت (Swift)، لتكون نظام مراسلة مالي موحد وآمن وسريع بين البنوك العالمية.

وأن مقرها الرئيسي يقع في بلجيكا ولكن بنفس الوقت لديه مراكز تشغيل وبيانات في كل من أوروبا وأمريكا وسويسرا، أن سويفت (swift) ليست منظمة دولية بالمعنى السياسي، بل عبارة عن شبكة تضم أكثر من (11) ألف مؤسسة مالية في أكثر من (200) دولة وإقليم. وهي تشمل البنوك المركزية والبنوك التجارية وشركات الوساطة والمؤسسات المالية العالمية، وأن أغلب دول العالم مرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر.

فهي ليست بنكاً ولا تحتفظ بالأموال، بل هي عبارة عن شبكة اتصالات آمنة بين البنوك والمؤسسات المالية، وهي تُستخدم لإرسال أوامر تحويل الأموال والاعتمادات وتعليمات الدفع بالإضافة إلى المعلومات الحساسة.

فهي تعبر عن لغة مشتركة أو نظام مراسلة يربط بنوك العالم مع بعضها، وهي بمثابة العمود الفقري للنظام المالي العالمي، وهي بذلك تمثل أداة نفوذ بحيث يمكن استبعاد دول منها كعقوبة اقتصادية كما حدث مع إيران واستبعاد بعض البنوك الروسية بعد حرب أوكرانيا. وهذا يجعلها أداة ضغط قوية بيد القوى الغربية، خصوصاً أمريكا والاتحاد الأوروبي، وعلى هذا الأساس فهي تمثل جزءاً من بنية القوة الاقتصادية العالمية.

أن سويفت (swift) تعتبر وسيلة مهمة جداً كون كل التحويلات الدولية تقريباً تمر عبرها وبدونها يصبح التحويل بطيئاً ومعقداً وغير موثوق.

والأهم في هذا النظام هو البعد السياسي، كون (swift) اداة قوة وليس مجرد نظام تقني، ففي حالة اقصاء أي دولة من هذا النظام فتكون بنوكها معزولة عن العالم، فهي لا تستطيع ارسال أو استقبال الاموال بسهولة، ولن تتمكن من ممارسة التجارة الدولية بشكل طبيعي، وكما تم فصل ايران عن (swift) سويفت بحيث تضرر اقتصادها بشدة. وكذلك مع بعض البنوك الروسية التي تم فصلها بعد حرب اوكرانيا .

رغم أن (swift) مقرها في (بلجيكا)، إلا أنها تخضع لضغوط الغرب (امريكا واوروبا) وتستخدم ضمن العقوبات الاقتصادية، وهذا يعني من يسيطر على (swift)، يملك القدرة على خنق اقتصاد أي دولة .

لذلك ان سويفت (swift) ليست مجرد شبكة تقنية بل تمثل شريان النظام المالي العالمي واداة نفوذ سياسي واقتصادي .

لماذا امريكا مؤثرة جداً رغم أن (swift) اوروبية، وذلك لان معظم التحويلات تمر بالدولار، والدولار يمر عبر النظام المالي الامريكي، وهذا يعطي لامريكا قوة هائلة كون أي تحويل بالدولار غالباً يمر عبر بنوك أمريكية وبالتالي يمكن مراقبته وايقافه .

فعندما تفرض عقوبات على دولة ما، سيتم الضغط على (swift)، ويتم فصل البنوك لتلك الدول مما سيؤدي الى توقف التجارة الدولية وصعوبة استيراد الغذاء والدواء وانهيار العملة .

والعراق مشمول كجزء من منظومة سويفت (Swift) ويشارك فيها البنك المركزي العراقي، وعدد من البنوك الحكومية والأهلية.

لأن العراق يحتاج منظومة سويفت (Swift) لتحويل عائدات النفط والاستيراد والتحويلات الدولية.

ومن المعلوم علينا أن نفرق بين سويفت (Swift) نفسها وبين النظام المالي العالمي الذي تعمل سويفت (Swift) بداخله. وعلى هذا الأساس أن استنزاف العملات الصعبة العراقية تتم عبر عدة آليات:

١- تهريب الدولار عبر التحويلات، ومن أجل توضيح ذلك نضرب المثل الآتي:

إذا شركة وهمية في العراق تقول “نريد استيراد بضائع من الخارج” فيتم شراء الدولار من البنك المركزي وإرسال تحويل عبر (Swift) سويفت لكن البضائع لن تصل أو تكون قيمتها الحقيقية أقل بكثير مما تم تقديمه، فالفرق المالي يذهب للخارج وهذه إحدى الطرق التي يتم استنزاف احتياطيات العراق من الدولار.

٢- الفواتير الوهمية وتضخيم الأسعار، مثال على ذلك:

جهاز سعره الحقيقي (١) مليون دولار يتم تسجيله بـ (٥) مليون دولار، فالتحويل سيمر عبر النظام المالي العالمي بشكل قانوني ظاهرياً لكن فعلياً أن الباقي (٤) مليون دولار تتحول إلى حسابات خارجية.

٣- غسيل الاموال :

يقصد بالاموال الناتجة عن ، فساد ، رشاوي ، عقود وهمية يتم تحويلها الى الخارج عبر شركات وبنوك وسيطة ، ثم تدخل النظام المالي العالمي وكأنها اموال نظيفة .

٤- الاعتماد على الدولار :

من المعلوم ان العراق يبيع النفط بالدولار ، غالباً ، ولان الدولار يمر بالنظام الامريكي ، فتستطيع واشنطن مراقبة التحويلات او فرض قيود على بعض البنوك .

وهذا يعطي نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً على العراق .

٥- العمولات والتبعية البنكية :

ان اكثرية التحويلات الدولية تمر عبر بنوك وسيطة اجنبية وشركات مالية دولية ، فأن كل خطوة تكلف عمولات وتزيد الاعتماد على الخارج .

وفي سياق نفسه نجد ان المشكلة ليس في نظام سويفت (swift) وحدها ، بل المشكلة الحقيقية تكمن بضعف الرقابة الداخلية والفساد المستشري في البلاد والارتباط بنظام مالي عالمي غير متكافئ .

لان اي دولة تمتلك مؤسسات قوية ورعاية مالية فعالة واقتصاداً منتجاً تستطيع استخدام سويفت (swift) ، دون ان تتحول الى اداة استنزاف ، كما في حالة العراق الذي يتميز بالفساد الداخلي والاقتصاد الريعي وضعف الانتاج جعلت هذه الشبكة، تتحول احياناً الى قناة لخروج الثروة بدل تدويرها داخل الاقتصاد الوطني .

أن العراق لا يعاني من نقص المال، بل من غياب مشروع اقتصادي وطني مستقل، والمشكلة لا تكمن في قلة الموارد بل في طريقة إدارة هذه الموارد وطبيعة النظام الاقتصادي ومشكلة الدولة نفسها. أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من التبعية ومزيداً من البطالة والفقر ومزيداً من ضياع الثروة. ونحن هنا لا نتحدث عن فساد بسيط، بل عن نزيف مستمر للعملة الوطنية حيث تخرج مليارات الدولارات سنوياً دون مقابل إنتاجي حقيقي. أننا أمام تلاقي مصالح بين قوة خارجية وبنية داخلية ضعيفة هشة، ألخارج يوفر بيئة وآليات والداخل يوفر التنفيذ والغطاء.

أما التغيير فلا يبدأ من النفط، بل من إعادة تعريف الدولة ووظيفتها الاقتصادية. فالأبعاد الخفية عندما تتحول الثروة إلى أداة انتهاك حقوق الإنسان، فلا يمكن فصل الاقتصاد عن حقوق الإنسان، في العراق لا يظهر الاستنزاف فقط بالأرقام، بل في حياة الناس اليومية فالصحة، نلاحظ انهيار البنية التحتية الصحية، رغم الميزانيات الضخمة، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية وكثرة سفر المرضى إلى الخارج للعلاج حان الحق في العلاج يتحول إلى امتياز طبقي والجدول رقم (٢) يعطينا صورة عن الواقع الصحي في العراق.

جدول رقم (٣) يبين بالأرقام الواقع الصحي في العراق (تقديرات عام ٢٠٢٤)

المؤشر الوضع في العراق ملاحظات تحليلية

عدد السكان ٤٥ مليون نسمة تقديرات عام ٢٠٢٤

عدد الأطباء حوالي 38 – ٤٠ ألف طبيب يوجد نقص واضح مقارنة بالنمو السكاني

عدد الأطباء لكل ١٠ آلاف نسمة ٨,٤ أقل بكثير من المعدلات العالمية المتقدمة

طبيب لكل مواطن طبيب واحد لكل ١١٩٠ عراقياً يعكس الضغط الكبير على القطاع الصحي

عدد المستشفيات الحكومية نحو ٢٨١ مستشفى حكومي مع تفاوت كبير بين المحافظات

عدد المستشفيات الخاصة نحو ١٤3 مستشفى خاص يزداد الاعتماد عليها بسبب ضعف القطاع العام

عدد الأسرة ١٤ سرير لكل ١٠ آلاف نسمة أقل من المعدلات المطلوبة دولياً

الاطباء الذين غادروا البلاد من ١٥ – ٢٠ ألف طبيب منذ عام ٢٠٠٣ بسبب العنف وضعف الرواتب والتهديدات

حالة البنية التحتية الصحية متدهورة وغير متوازنة تأثرت بالحروب والعقوبات والفساد وضعف الاستثمار

وضع المستشفيات ازدحام ونقص التجهيزات كثير من المستشفيات تعمل فوق طاقتها

 

لذلك لايزال القطاع الصحي العراقي مهمل ويعاني من أزمة بنيوية متراكمة نتيجة الحروب الطويلة والعقوبات والفساد المالي والإداري وهجرة الكفاءات وضعف التخطيط الصحي ورغم ارتفاع الإيرادات النفطية خلال السنوات الأخيرة

ما زال عدد الأطباء منخفضاً قياساً بالسكان وكذلك عدد الأسرة محدوداً والاعتماد على العلاج الخاص والخارج مرتفعاً . كما أن التقارير الدولية تشير إلى نقص حاد في التدريب والمعدات وتفاوت كبير بالخدمات بين بغداد والمحافظات واستمرار الضغط على المستشفيات الحكومية وأن نسبة الإنفاق الصحي من الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو ٤٪ كحد أعلى .

أما بالنسبة للتعليم فالمدارس متهالكة أو مزدوجة الدوام ومناهج متخلفة عن التطور العالمي ، وانتشار الفساد والشهادات غير الرصينة ، ونتيجة لذلك يصبح لدينا جيل غير مؤهل لمنافسة العالم .

والجدول رقم (٤) يعطينا صورة واضحة عن واقع التعليم في العراق خلال السنوات الأخيرة في العراق وأبرز مؤشرات تدهوره ، علماً أن الجامعات العراقية لا تزال خارج قائمة أفضل (٥٠٠) جامعة عالمياً . وبشكل عام لا تزال الجامعات في العراق بعيدة عن المراتب المتقدمة عالمياً مقارنة بجامعات الدول المتطورة أو حتى بعض الجامعات العربية .

والجدول التالي رقم (٤) يوضح أبرز مؤشرات تدهور قطاع التعليم في العراق خلال السنوات الأخيرة :

الواقع الحالي المؤشر

نحو (٢٨) ألف مدرسة فقط تخدم أكثر من (١٢) مليون طالب ، منها ١٩ ألف مدرسة الابتدائية و نظام ٩ مدرسة ثانوية . بحسب الجهاز المركزي للاحصاء ١- عدد المدارس

وزارة التخطيط أعلنت أن العجز يبلغ (٩) ألف مدرسة ، إضافة إلى أكثر من ألف مشروع مدرسة متلكئ . ٢- العجز في الأبنية المدرسية

آلاف المدارس يعمل بنظام الدوام الثنائي والثلاثي ، وبعض الطلبة لا يحصلون إلا على (٤) ساعات تدريس يومياً بحسب تقارير البنك الدولي . ٣- الدوام المزدوج والثلاثي

أكثر من (١٢) مليون طالب في مختلف المراحل الدراسية ، ما يسبب ضغطاً هائلاً على البنية التحتية التعليمية . ٤- عدد الطلبة

التقديرات الرسمية الحديثة تشير إلى نسبة أمية تقارب ١٥٪ من السكان أي ما بين ٦-٧ ملايين أمي تقريباً . ٥- نسبة الأمية

مئات الآلاف من الأطفال خارج المدارس أو يتركون الدراسة مبكراً بسبب الفقر والعمل والنزوح . ٦- التسرب المدرسي

ما تزال مئات الطينية والكرفانية موجودة خصوصاً بالمناطق الفقيرة والنائية . ٧- المدارس الطينية والكرفانية

عدد طلبة التعليم المهني بلغ نحو ٢٥ ألف طالب فقط، وهو رقم ضعيف مقارنة بحجم السكان. ٨ – التعليم المهني

تقارير برلمانية وإعلامية عراقية تحدثت عن أكثر من (٢٠) ألف شهادة مزورة أو غير معترف بها، كثير منها من جامعات لبنانية وأجنبية. ٩- الشهادات المزورة

الآلاف من الأكاديميين والأطباء والباحثين غادروا العراق منذ عام (٢٠٠٣) بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية. ١٠- هجرة الكفاءات

الجامعات العراقية تعاني ضعفاً كبيراً في المختبرات والتمويل مع تدنٍ في التصنيفات العالمية. ١١- البحث العلمي

العراق ينفق نسبة منخفضة نسبياً من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم مقارنة بدول المنطقة المتقدمة، وبلغت هذه النسبة أقل من ٢٪. ١٢- الإنفاق على التعليم

توسع كبير في الجامعات والكليات الأهلية بعد عام ٢٠٠٤ مع انتقادات تتعلق بجودة التعليم والرقابة الأكاديمية. ١٣- الجامعات الأهلية

معدلات البطالة مرتفعة بين خريجي الجامعات بسبب ضعف التخطيط وغياب المواءمة مع سوق العمل، وقد يصل العدد إلى أكثر من ٤ مليون عاطل عن العمل. ١٤- البطالة بين الخريجين

 

ومن المهم الإشارة إلى أن العراق كان يمتلك واحداً من أقوى الأنظمة التعليمية عربياً في السبعينات والثمانينات ولكن الحروب والعقوبات والفساد وضعف التخطيط بعد عام (٢٠٠٣) أدت إلى تراجع حاد في جودة التعليم بالإضافة إلى النمو السكاني السريع فاق قدرة الدولة على بناء مدارس وجامعات جديدة .

ومن أسباب تراجع التعليم الجامعي وحتى التعليم الأساسي في العراق حالياً تشمل: ضعف التمويل العلمي والبحثي وتهالك البنية التحتية بعد الحروب، وهجرة الكفاءات والأساتذة والفساد المالي والإداري والأكاديمي وانتشار الشهادات المزورة، ضعف النشر العلمي الدولي، وقلة المختبرات الحديثة وضعف التعاون الدولي، والإعتماد على التلقين بدل البحث العلمي. وكما موضح في الجدول رقم (٤).

أما بالنسبة للفقر والبطالة، نجد أن نسبة البطالة مرتفعة خصوصاً بين الشباب والنساء والإعتماد على الوظائف الحكومية ونلاحظ غياب فرص حقيقية في القطاع الخاص، وغياب التخطيط العلمي لقوة العمل العراقية وكيفية استيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل دون إدراك مخاطر البطالة على المنظومة الاجتماعية. وبالجدول رقم (٥) يوضح لنا أبرز مظاهر الفقر والبطالة في العراق.

 

الجدول رقم (5) يوضح نسب البطالة والفقر وأبرز المؤشرات الاجتماعية في الواقع خلال السنوات الأخيرة :

السنة نسبة البطالة نسبة الفقر ملاحظات رئيسية

٢٠٢٠ ١3,٧ % 3١,٧ % ارتفاع كبير بسبب جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط

٢٠٢١ ١٧ % بين الشباب ٢٧ % تزايد البطالة بين الخريجين والعمالة غير المستقرة

٢٠٢٢ ١٥,٥ % ٢٥ % تحسن نسبي بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإنفاق الحكومي

٢٠٢٣ ١٥ % ٢٤ % استمرار الفوارق بين المحافظات وارتفاع البطالة المقنعة

٢٠٢٤ ١٤ % ٢٢ % استمرار الاعتماد على الوظائف الحكومية وضعف القطاع الخاص

٢٠٢٥ ١٤ % ٢٠ % استمرار الأزمة السكنية وضعف التنمية الصناعية والزراعية

 

جدول رقم (6) يوضح لنا أبرز مظاهر الفقر والبطالة في العراق:

المؤشر الواقع الحالي

1 – بطالة الشباب تتجاوز 25% في بعض التقديرات

2 – بطالة بين الخريجين مرتفعة جداً خاصة الاختصاصات الادارية والانسانية

3 – الفقر الريفي اعلى بكثير من المدن بسبب ضعف الخدمات والبنية التحتية

4 – العشوائيات ملايين العراقيين يعيشون في مناطق عشوائية تفتقر للخدمات

5 – العمالة غير المنظمة نسبة كبيرة من العاملين يعملون دون ضمان اجتماعي او استقرار وظيفي

6 – الاعتماد على الدولة الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على التوظيف الحكومي والنفط

7 – ضعف القطاع الخاص محدودية الاستثمار والانتاج الصناعي الحقيقي

8 – الفقر متعدد الابعاد يشمل ضعف التعليم والصحة والسكن والخدمات الاساسية

9 – ازمة السكن عجز يقدر بملايين الوحدات السكنية

10 – تفاوت المحافظات نسب الفقر اعلى في المحافظات الجنوبية والمناطق المتضررة من الحروب

 

ومن الاسباب الرئيسية لهذه الاوضاع هو الاعتماد شبه الكامل على النفط وضعف الصناعة والزراعة والفساد المالي والاداري والنمو السريع للسكان والحروب وعدم الاستقرار وضعف التخطيط الاقتصادي طويل الامد وغياب الرؤية الاقتصادية لحكومات العراق جميعها .

إن هذا التناقض الذي يعيشه الاقتصاد العراقي ليس صدفة بل نتيجة مباشرة لسوء الإدارة والفساد المستشري في البلاد من اعلى الهرم الى أسفله، وغياب الرؤية الاقتصادية، مما جعل الاقتصاد العراقي يعيش خللاً هيكلياً خطيراً يصعب معالجته ويمكننا تفسير الحالة العراقية ووصفها بدقة، من خلال أن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي يضعف الانتاج ويعيش حالة فساد قل نظيره يهدر الأموال ويعيش في نظام عالمي غير متكافئ فهو يحد من السيادة ، أي الأزمة الراهنة ليست أحادية السبب بل هي تفاعلية مركبة ومعقدة .

وبناءً على ما تقدم ، فلا يكفي تشخيص الأزمة دون طرح ملامح الحل :

١- العمل على كسر الريعية : أي تحويل الاقتصاد من استهلاكي الى انتاجي والعمل على دعم الصناعة الوطنية والزراعة ، من أجل تقليل الاعتماد على النفط

٢- العمل على إصلاح النظام المالي : من خلال ضبط نافذة العملة والعمل على منع تهريب الأموال وتعزيز الشفافية ، وإعادة النظر بالسياسات المالية والنقدية .

3- محاربة الفساد كمنظومة : الحفاظ على قضاء مستقل ووجود رقابة حقيقية ووجود محاسبة فعلية وصارمة .

٤- اعادة التفاوض على العقود الكبرى : خصوصاً عقود النفط والطاقة بكل أشكالها وبما يخدم المصلحة الوطنية.

٥- بناء سيادة اقتصادية تدريجية : من خلال تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على الدولار والعمل على تطوير أدوات مالية مستقلة .

فالعراق ليس بلداً فقيراً ، بل بلد يدار بطريقة تنتج الفقر، ومالم يتم كسر هذه المعادلة ، سيبقى العراق نفطه يتدفق والأموال تتحرك ولكن التنمية غائبة ، لأن المشكلة ليست في الثروة بل في من يسيطر عليها وكيف تدار ولصالح من تستخدم .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *