حسن عطاالله الخلخالي
تمثل واقعة كربلاء واحدة من أهم الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس لأنها انتهت باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه فحسب، بل لأنها كشفت عن أزمة عميقة أصابت بنية الأمة الإسلامية بعد عقود قليلة من رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الخطأ النظر إلى عاشوراء بوصفها حادثة منفصلة عن سياقها التاريخي، إذ إن الأحداث الكبرى لا تنشأ فجأة، وإنما تكون نتيجة لمسارات متراكمة من التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية.
ومن هنا فإن فهم النهضة الحسينية فهماً صحيحاً يقتضي العودة إلى الجذور التاريخية التي مهدت لوقوعها، والوقوف عند التحولات التي شهدتها الأمة منذ اجتماع السقيفة وحتى استيلاء يزيد بن معاوية على السلطة. وعندئذ تظهر كربلاء بوصفها نتيجة طبيعية لمسار طويل من الانحراف عن المبادئ التي أرساها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحاولة إصلاحية كبرى قادها الإمام الحسين (عليه السلام) لإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح.
السقيفة وبداية التحول السياسي
كان رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أول امتحان حقيقي واجه الأمة الإسلامية بعد اكتمال بناء الدولة الإسلامية. ففي الوقت الذي انشغل فيه أهل بيت النبي (عليهم السلام) بتجهيزه ودفنه، اجتمع قسم من المسلمين في سقيفة بني ساعدة للبحث في مسألة القيادة السياسية بعد الرسول (١).
وقد مثلت السقيفة منعطفاً مهماً في تاريخ الأمة، لأنها فتحت باب النقاش حول مصدر الشرعية السياسية وحدود العلاقة بين النص الديني والقرار السياسي. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل رؤيتان مختلفتان في فهم القيادة الإسلامية؛ إحداهما ترى أن القيادة امتداد للمشروع الرسالي الذي أعلنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأخرى تنظر إليها بوصفها شأناً سياسياً يمكن أن يُحسم عبر التوافقات والاجتهادات البشرية (٢).
ولم يكن أثر السقيفة مقتصراً على اختيار الحاكم، بل امتد إلى رسم ملامح النظام السياسي للأمة في العقود اللاحقة، حيث بدأت تظهر تدريجياً حالة من الفصل بين المرجعية الدينية والسلطة التنفيذية، وهو ما ترك آثاره العميقة على مجمل الحياة الإسلامية.
اتساع الدولة الإسلامية وتحول القيم
شهدت العقود التالية توسعاً هائلاً للدولة الإسلامية، فدخلت أراضٍ واسعة تحت سلطان المسلمين، وتدفقت الأموال والثروات إلى المدينة وسائر الأمصار الإسلامية (٣).
ورغم ما حققته الفتوحات من إنجازات كبرى، فإنها أفرزت تحديات اجتماعية وسياسية جديدة. فقد ظهرت طبقات مالية نافذة، واتسعت الفوارق الاقتصادية، وعادت العصبيات القبلية لتفرض حضورها في الحياة السياسية. وقد حذر القرآن الكريم من خطر الانشغال بالدنيا والانحراف عن المبادئ الرسالية بقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥).
وهكذا بدأت الأمة تشهد انتقالاً تدريجياً من مجتمع الرسالة إلى مجتمع الدولة، ومن مركزية القيم إلى مركزية المصالح، الأمر الذي هيأ الأرضية لظهور أزمات سياسية متلاحقة.
خلافة الإمام علي (عليه السلام) وصراع الشرعية
عندما تولى الإمام علي (عليه السلام) الخلافة سنة ٣٥ هـ وجد نفسه أمام مجتمع يختلف كثيراً عن المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (٤). فقد تشكلت مراكز نفوذ قوية، وبرزت مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة، وأصبح الإصلاح يهدد امتيازات فئات واسعة.
ولذلك واجه الإمام علي (عليه السلام) سلسلة من الصراعات الداخلية تمثلت في وقائع الجمل وصفين والنهروان. ولم تكن هذه الحروب مجرد نزاعات عسكرية، بل كانت تعبيراً عن أزمة عميقة في مفهوم الشرعية والسلطة داخل الأمة الإسلامية.
وقد سعى الإمام علي (عليه السلام) إلى إعادة الدولة إلى مبادئ العدالة والمساواة التي أسسها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن حجم التراكمات السياسية والاجتماعية كان كبيراً، الأمر الذي جعل مشروعه الإصلاحي يواجه مقاومة شديدة من القوى المتضررة.
ثالثا : معاوية وتحول الخلافة إلى ملك سياسي
بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) دخلت الأمة مرحلة جديدة مع وصول معاوية إلى السلطة. وفي هذه المرحلة بدأت معالم التحول من نظام الخلافة إلى نظام الملك السياسي تتضح بصورة أكبر (٥).
فقد عمل معاوية على تركيز السلطة في البيت الأموي، واستثمر أدوات الإعلام والمال والنفوذ القبلي لترسيخ حكمه. كما أخذت الدولة تفقد تدريجياً طابعها الرسالي لتتحول إلى مؤسسة سياسية تسعى إلى تثبيت سلطتها وضمان استمراريتها.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول فرض ولاية العهد ليزيد بن معاوية، وهو أمر لم يكن معروفاً في التجربة السياسية الإسلامية السابقة، إذ نقل السلطة من مبدأ الاختيار إلى مبدأ التوريث السياسي.
رابعا: صلح الإمام الحسن (عليه السلام) وحفظ الرسالة
أدرك الإمام الحسن (عليه السلام) طبيعة الظروف التي تمر بها الأمة، وما أصابها من ضعف الوعي وتفكك الإرادة السياسية، فاختار الصلح مع معاوية حفاظاً على أصل الإسلام وصيانة لدماء المسلمين (٦).
ولم يكن الصلح اعترافاً بشرعية المشروع الأموي، بل كان خطوة استراتيجية هدفت إلى حماية ما تبقى من الوعي الإسلامي، وكشف حقيقة السلطة الأموية أمام الأمة. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة صحة هذا الموقف عندما نقض معاوية بنود الصلح وأعلن بوضوح أن هدفه كان الاستيلاء على السلطة لا خدمة الدين.
خامسا: يزيد والذروة النهائية للانحراف
مع وفاة معاوية سنة ٦٠ هـ ووصول يزيد إلى الحكم بلغت التحولات السياسية ذروتها. فلم يعد الأمر متعلقاً بانحرافات جزئية أو أخطاء فردية، بل أصبح يمثل مشروعاً سياسياً كاملاً يقوم على توريث السلطة ومنح الشرعية الدينية لحكم لا ينسجم مع مبادئ الإسلام (٧).
ومن هنا رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد، لأنه رأى فيها إضفاء الشرعية على مسار طويل من الانحراف السياسي والفكري. وقد عبّر عن ذلك بقوله: «وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد» (٨).
كربلاء: ثورة الإصلاح واستعادة القيم
لم يخرج الإمام الحسين (عليه السلام) طلباً للسلطة أو سعياً إلى الحكم، وإنما خرج لإحياء المبادئ التي بدأت تتعرض للتهميش والضياع. وقد حدد هدف نهضته بوضوح بقوله: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي» (٩).
لقد مثلت عاشوراء مواجهة بين مشروعين: مشروع الإسلام الأصيل الذي تجسده الإمامة، ومشروع السلطة الذي حاول توظيف الدين لخدمة مصالحه السياسية. ولهذا لم تنته آثار كربلاء عند حدود سنة ٦١ هـ، بل بقيت حاضرة في ضمير الأمة بوصفها رمزاً دائماً للصراع بين الحق والباطل.
ومن هنا فإن القراءة التاريخية للمسافة الممتدة من السقيفة إلى كربلاء أن النهضة الحسينية لم تكن حدثاً مفاجئاً، وإنما كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أصابت الأمة الإسلامية بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاءت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لتعلن رفض هذا المسار، وتعيد رسم الحدود الفاصلة بين الشرعية والسلطة، وبين الدين الأصيل والدين الذي تحاول السلطة توظيفه لمصالحها.
ومن هنا بقيت كربلاء مدرسة خالدة في الوعي الإسلامي، ومصدراً دائماً للإصلاح ومواجهة الانحراف، لأنها لم تدافع عن حق شخص أو أسرة فحسب، بل دافعت عن جوهر الرسالة الإسلامية وقيمها الكبرى.
الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٣، ص١٩٨-٢٠٧.
(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج٦، ص٧-٢٠.
(٣) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص١٥١-١٨٠.
(٤) نهج البلاغة، خطبة الشقشقية؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٤، ص٤٢٧.
(٥) المسعودي، مروج الذهب، ج٣، ص٢٥-٤٥.
(٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص١١-١٥؛ أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص٤٤-٥٢.
(٧) البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٥٠-١٦٠.
(٨) ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص٢٦؛ الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٤.
(٩) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٥٣؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص١٨٨

