معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

من تراث الرافدين: حكاية نور وعشق السنابل

حجم الخط

لكل زمانٍ ومكانٍ حكايةٌ تُروى، وروايةٌ تنبض بين تفاصيله، سواء وُلدت في الماضي البعيد أو عاشت بيننا في الحاضر. وسِيَر المدن العراقية، كـبغداد والبصرة والفاو، تظل عامرةً بقصصٍ تعبق بالأصالة وتُروى جيلاً بعد جيل.

نور.. أميرة الخوص والحرير

تبدأ حكايتنا بفتاةٍ من جنوب العراق تُدعى “نور”. كانت نور آيةً في الجمال؛ رشيقة القوام، أنيقة الحضور، تفيض دلالاً وعذوبة. ينسدل شعرها كالحرير على كتفيها، وتتلألأ عيناها الواسعتان بنقاء يعكس طيبة أرض الجنوب وأهواره المعطاءة.

كانت تعمل إلى جانب والدتها في فنون التطريز والحياكة، وتبدع في صناعة المشغولات اليدوية من خوص النخيل. بأطراف أناملها الرقيقة، كانت تنسج أطباقًا تنبض بالحياة، وتطرّز خيوط الحرير على الأقمشة الفاخرة، مستلهمة نقوشها من زهور واحة منزلها وعطورها الفواحة. كانت تُعدّ بضاعتها بعنايةٍ فائقة، فتتسابق النساء لاقتناء ما تصنعه من جمال.

التاجر والشغف الخفي

وفي أحد الأيام، قدم تاجرٌ من بلاد الشام يُدعى “هشام”، كان يجوب البلاد بحثًا عن أندر البضائع وأجملها. وما إن وقعت عيناه على أعمال نور، حتى أُسِرَ بدقة صنعها وروعة تفاصيلها.

أصبح هشام يعود إلى الجنوب في كل عام، خصيصًا ليشتري من إبداعها، ويُشيد بذوقها الراقي وكلماتها العذبة. كان يحمل بضاعتها إلى بلاد الشام والحجاز، وحتى بغداد، مدينة التراث والأصالة. وكلما سأله الزبائن عن سر هذا الإتقان، كان يُخفي اسم “نور” في قلبه؛ لا حرصًا على التجارة، بل حبًا بها وخوفًا من أن يشاركه أحدٌ سرّ هذا الجمال.

نهاية السكون.. وبداية الفرح

وذات يوم، وبينما كان هشام يختار قطعًا جديدة، وبحضور والدتها التي لم تفارقها، قرر أن يكسر صمته. نظر إلى نور وقال بصدقٍ نابع من القلب:
“يا نور، أتيتُ اليوم لا كتاجر، بل خاطبًا… فهل تقبلين بي؟”

ساد الصمت للحظات، واحمرّت وجنتا نور خجلًا. عندها تدخلت الأم بحكمةٍ وهدوء:
“تفضل يا بني إلى بيتنا، الذي بنيناه بأيدينا وسط الخضرة، وهناك تلتقي بوالدها ونتحدث بما يرضي الله.”

غمرت الفرحة قلب هشام، فعاد مسرعًا مع والديه لخطبتها رسميًا. وافق الأب، وابتسمت نور موافقة، ليُقام بعد ذلك أجمل عرسٍ عراقي أصيل، تُزفّ فيه حكاية حب جمعت بين أصالة فتاة الجنوب، وشهامة شابٍ من بلاد الشام.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *