معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

أزمة المشتقات النفطية في العراق : مشكلة بنيوية

حجم الخط

سعدالله الفتحي – رئيس المؤسسة العامة لتصفية النفط وصناعة الغاز سابقاً

تشهد معظم محافظات العراق أزمة حادة في تجهيز الغازولين وزيت الغاز، وسط تفسيرات تُرجع الأسباب إلى التهريب نحو إيران أو بين المحافظات، ولا سيما الشمالية منها. ورغم أن التهريب ظاهرة مستمرة منذ عام 2003، فإن اختزال الأزمة بهذه الأسباب لا يفسّر عمق المشكلة ولا طبيعتها الحقيقية. فالأزمة بنيوية، ترتبط بواقع المصافي العراقية وتراجع كفاءتها وعدم مواكبتها للطلب المتزايد، وهي نتيجة تراكمات طويلة في البنية التحتية وسياسات التكرير وإدارة المشاريع.

قبل عام 2003 كانت المصافي تعمل بنسبة 88% من طاقتها، وكانت البلاد تصدّر 150 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. لكن بعد الاحتلال تراجعت الاستفادة إلى 60–70% فقط، وتدهورت مواصفات المنتجات، خصوصاً أوكتين الغازولين ونسبة الكبريت في زيت الغاز. ورغم تشغيل مصفى كربلاء وإعادة إعمار أجزاء من بيجي، فإن التحسن لم يكن كافياً لمجاراة النمو الكبير في الطلب، الذي تضاعف بفعل التوسع الهائل في استيراد السيارات والمولدات الكهربائية، ما رفع استهلاك المنتجات الخفيفة إلى مستويات غير مسبوقة.

أجبر هذا الواقع العراق على الاستيراد عبر ميناء خور الزبير المؤقت، الذي يعاني ضعف الكفاءة وارتفاع الكلفة وقلة الخزن وعدم قدرته على استقبال الناقلات الكبيرة. وحتى خطوط الأنابيب الممتدة إلى مصفى البصرة غير كافية، ما اضطر إلى تحميل بعض المنتجات بالحوضيات مباشرة من السفن. بين 2004 و2014 بلغ معدل الاستيراد 88 ألف برميل يومياً، أي 27% من الطلب، وبكلفة قاربت 40 مليار دولار. ورغم توسعة طاقة التكرير في الدورة والبصرة وإضافة مصافٍ صغيرة، فإن هذه الخطوات لم تُرافق بتوسعة وحدات المعالجة الضرورية لتحسين المواصفات، فارتفع إنتاج زيت الغاز وتراجع استيراده، بينما بقي إنتاج الغازولين دون تغيير يُذكر.

ثم جاءت ضربة داعش عام 2014 لتفاقم الأزمة. فقد خسر العراق خلال أيام نحو 350 ألف برميل يومياً من طاقة التكرير بتوقف مجمع بيجي والصينية والكسك والقيارة وحديثة. وكان بيجي ينتج 50% من المشتقات و43% من المنتجات الخفيفة، وتأخر إعمارُه بعد التحرير أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والطلب، وزيادة الاعتماد على الاستيراد في وقت كانت فيه البنية التحتية اللوجستية غير جاهزة.

في عام 2010 أعلنت وزارة النفط خططاً لإنشاء أربعة مصافٍ كبيرة بطاقة 740 ألف برميل يومياً في الناصرية وكربلاء وميسان وكركوك، على أن تُنفذ بالاستثمار الخاص. لكن هذا الشرط أدى إلى تأخر كبير رغم إنفاق 265 مليون دولار على الدراسات، ولم يتقدم أي مستثمر لتنفيذ المشاريع. واضطرت الوزارة لاحقاً إلى تمويل مصفى كربلاء من ميزانيتها بكلفة 6.5 مليار دولار، وهي كلفة تقارب ضعف الكلفة الإقليمية تقريباً. وكان المشروع مخططاً منذ ثمانينيات القرن الماضي في جرف الصخر، وقد صُرفت مبالغ كبيرة على الموقع الأصلي، وكان بالإمكان إنجازه بحلول 2007. لكن نقل الموقع أدى إلى خسائر كبيرة في الوقت والمال، واحتاج إلى بنى تحتية جديدة لربط المصفى بالنفط الخام وتصريف المنتجات. ورغم تحديد عام 2018 موعداً للإنجاز، تأخر المشروع إلى منتصف 2023 وسط مشاكل تشغيلية متكررة.

دراسة أُعدت عام 2017 أظهرت أن استهلاك الغازولين وزيت الغاز في 2017 انخفض مقارنة بعام 2014 بسبب تراجع النشاط الاقتصادي وعدم تجهيز المناطق المحتلة، كما انخفض الإنتاج نتيجة توقف بيجي، وارتفع الاستيراد بشكل كبير. وافترضت الدراسة أنه بحلول 2025 ستعمل المصافي بطاقتها القصوى، وسيُعاد تشغيل بيجي بالكامل، وسيعمل مصفى كربلاء ومصفى مشابه له، وستستمر المصافي الصغيرة. ورغم هذه الافتراضات المتفائلة، توقعت الدراسة عجزاً قدره 61 ألف برميل يومياً للغازولين و122 ألف برميل يومياً لزيت الغاز، وحتى مع خفض الطلب بنسبة 20% يبقى الاستيراد ضرورياً.

أما اليوم، فقد ارتفع استيراد الغازولين إلى 51 ألف برميل يومياً عام 2025، وانخفض استيراد زيت الغاز إلى 6 آلاف برميل يومياً، لكن الطلب نما بشكل غير مسبوق حتى الان في 2026. وبلغت الفجوة بين الإنتاج والطلب 38 ألف برميل يومياً للغازولين و25 ألف برميل يومياً لزيت الغاز، ولم تُغطَّ هذه الفجوة بالاستيراد، ما يفسر الأزمة الحالية. كما انخفضت مستويات الخزن في المصافي والمستودعات، ما صعّب إدارة التجهيز وأدى إلى اضطرابات واسعة في السوق.

إن أزمة المشتقات النفطية في العراق لن تختفي قريباً، لأنها أزمة بنيوية تتعلق بتركيبة المصافي ومستوى تشغيلها وعدم مواكبتها للطلب المتزايد. والحل يتطلب إنشاء مصفيين حديثين بطاقة لا تقل عن 150 ألف برميل يومياً لكل منهما، وتحويل فائض زيت الوقود إلى مشتقات خفيفة، وإيقاف المصافي الصغيرة تدريجياً، وبناء مستودعات حديثة في خور الزبير والفاو للتصدير والاستيراد، والإسراع في تشغيل مجمع التكسير في البصرة، وإعادة تنظيم تخصيص النفط الخام للمصافي.

في تصريح نادر عام 2022، أعلنت شركة سومو أن كلفة استيراد المنتجات في 2021 بلغت 3 مليارات دولار، وأن مجموع المستورد منذ 2004 ربما تجاوز 60 مليار دولار—وهي كلفة كانت كافية لتحديث جميع المصافي وبناء أخرى جديدة. استمرار الأزمة سيُبقي العراق رهينة الاستيراد، ويُضعف أمنه الطاقي، ويُثقل كاهل اقتصاده، ما يجعل الإصلاح البنيوي ضرورة لا تحتمل التأجيل.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *