لماذا الشرق الأوسط؟
الحلقة (2)
الشرق الأوسط جغرافياً وتاريخياً
ثانيا : الشرق الأوسط جغرافيا وتاريخيا :
يعد الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجغرافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية، إذ يقع في قلب العالم تقريبا ، ويمثل حلقة وصل بين قارات آسيا وافريقيا وأوروبا.
وقد منح هذا الموقع المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة عبر التاريخ ، ولاسيما إنها تشرف على عدد من المسطحات والممرات المائية المهمة ، مثل البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر والخليج العربي وبحر العرب ، فضلا عن قربها من المحيط الهندي.
ويضم الشرق الأوسط وفق التعريف الجغرافي والسياسي الأكثر شيوعا ، شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وإيران ومصر وتركيا . وتمتد حدوده بصورة تقريبية من تركيا والبحر الأسود وجبال القوقاز شمالا ، إلى بحر العرب والمحيط الهندي ومناطق القرن الافريقي جنوبا ، ومن إيران وما يتصل بها من مناطق شرقية ، وقد تمتد
في بعض التعريفات إلى افغانستان وباكستان شرقا ، الى البحر الابيض المتوسط ومصر وشمال افريقيا غربا.
وتجدر الإشارة إلى أن حدود الشرق الأوسط ليست حدودا جغرافية ثابتة ومتفقا عليها بصورة نهائية وإنما تختلف باختلاف التعريف المستخدم والهدف من دراسة المنطقة .
وتتميز المنطقة بتنوع جغرافي ومناخي كبير إلا أن المناخ الحار والجاف يسود أجزاء واسعة منها ، ولاسيما المناطق الصحراوية . ولذلك تتركز التجمعات السكانية والأنشطة الزراعية بصورة واضحة حول الأنهار والمصادر المائية ، وفي مقدمتها نهر النيل ونهر دجلة والفرات ، ونهر الاردن ، كما تتمتع المنطقة بثروات طبيعية ضخمة ، يأتي النفط والغاز في مقدمتها ، وهو أضاف بعدا اقتصاديا واستراتيجيا إلى الأهمية الجغرافية .
“نشأة مصطلح الشرق الأوسط» لا يعد مصطلح الشرق الأوسط مصطلحا جغرافيا خالصا، وإنما هو مصطلح حديث نسبيا ارتبط بالتصورات الأوروبية للعالم الشرقي .
فقد كانت الدول الأوروبية تقسم المناطق الواقعة شرقها إلى ثلاث مناطق رئيسية هي :
١الشرق الأدنى : ويقصد به بصورة أساسية منطقة البلقان وتركيا والمناطق القريبة من أوروبا .
٢- الشرق الأوسط : ويشير إلى المنطقة الواقعة بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى .
٣- الشرق الأقصى : ويشمل بصورة أساسية مناطق شرق آسيا مثل الصين واليابان .
ومن هنا ارتبطت تسمية (الشرق الأوسط) بالموقع النسبي للمنطقة بالنسبة لأوروبا ، وأصبح المصطلح متداولا بصورة متزايدة في الكتابات السياسية والاستراتيجية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، ثم ازداد استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية ، وأصبح لاحقا من أكثر المصطلحات استخداما في الدراسات السياسية والجغرافية والاستراتيجية .
وهذا يوضح أن مفهوم الشرق الأوسط لا يستند إلى معيار جغرافي واحد فقط ، وإنما تداخلت في تحديده عوامل تاريخية وسياسية واستراتيجية ، الأمر الذي جعل حدود المنطقة تختلف من دراسة إلى أخرى .
1-دول الشرق الأوسط وخصائصها السكانية والمساحية: تتكون منطقة الشرق الأوسط ، وفق نطاق الدراسة المعتمدة هنا ، من ثلاث عشرة دولة عربية
إلى جانب دولتين غير عربيتين هما تركيا وإيران. ويبين الجدول رقم (١) دول الشرق الأوسط من حيث المساحة وعدد السكان.
جدول رقم (١): دول الشرق الأوسط من حيث المساحة وعدد السكان
البلد عدد السكان / مليون نسمة المساحة الإجمالية كم٢
السعودية ٣٦ ٢,١٤٩,٦٩٠ مليون
مصر ١١٥ ١,٠١٠,٤٠٨
إيران ٨٨ ١,٦٤٨,١٩٥
تركيا ٨٦ ٧٨٣,٥٦٢
العراق ٤٤ ٤٣٨,٣١٧
سوريا ٢٢ ١٨٥,١٨٠
الأردن ١١ ٨٩,٣٤٢
لبنان ٥,٢ ١٠,٤٥٢
فلسطين ٥,٥ ٦,٢٢٠
قطر ٣,٠ ١١,٥٨٦
الكويت ٤,٣ ١٧,٨١٨
البحرين ١,٦ ٠,٧٧٨
عُمان ٥,٧ ٣٠٩,٥٠٠
الإمارات ١٠,٠ ٨٣,٦٠٠
اليمن ٣٥,٠ ٥٢٧,٩٦٨
المجموع ٤٧٢,٤٠٠ ٧,٤٥٠ مليون كم٢
ويُظهر الجدول أن الثِقَل السكاني والجغرافي الأكبر في المنطقة يقع في الدول العربية ، إذ يبلغ عدد سكان الدول العربية في نطاق الدراسة نحو (٢٩٨) مليون نسمة مقابل (١٧٤) مليون نسمة في كل من إيران وتركيا ، وهو ما يعني أن سكان العرب يشكلون النسبة الأكبر من سكان المنطقة أي بنسبة (٦٢٪) من السكان بينما إيران وتركيا يمثلان نسبة (٣٧٪).
كما يظهر الثِقَل الجغرافي للدول العربية من خلال مساحتها الواسعة والتي تمثل ٧٨٪ من المساحة الإجمالية بينما تمثل إيران وتركيا نسبة (٣٣٪) وهي نسبة مهمة من مساحة المنطقة لاسيما بالنظر إلى المساحة الكبيرة لكل من البلدين .
وتبرز داخل المنطقة تفاوتات واضحة في توزيع السكان والمساحة ، فتعد مصر وإيران وتركيا من أكثر دول المنطقة من حيث عدد السكان، بينما تُعد المملكة العربية السعودية أكبر دول المنطقة من حيث المساحة – ويعكس هذا التباين في السكان والمساحة تنوعا كبيرا في الموارد والقدرات الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية لدول المنطقة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على الجانب الديمغرافي والجغرافي ، وإنما تكشف عن وجود ثِقَل بشري واقتصادي وجغرافي كبير في المنطقة ، الأمر الذي يساعد على تفسير جانب من أسباب الاهتمام الدولي بها .
2-الشرق الأوسط : منطقة ذات أهمية تاريخية وحضارية
لا تقتصر أهمية الشرق الأوسط على موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية ، بل تمتد جذوره إلى أعماق التاريخ ، فقد شهدت المنطقة قيام حضارات عظيمة كان لها أثر كبير في تطور البشرية ومنها حضارة وادي الرافدين ووادي النيل ، فضلا عن الحضارات التي نشأت في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ومناطق أخرى من المنطقة .
كما ارتبط الشرق الأوسط بتاريخ الأديان الكبرى ، إذ ظهرت في المنطقة أو ارتبط بها عدد من الديانات السماوية الرئيسية وفي مقدمتها اليهودية والمسيحية والإسلام ، وبذلك اكتسبت المنطقة أهمية دينية وحضارية تجاوزت حدودها الجغرافية وجعلتها موضع اهتمام الشعوب والدول على امتداد قرون طويلة . ويشكل العرب المجموعة السكانية الأكبر في معظم دول المنطقة إلى جانب مجموعات قومية وإثنية أخرى ، ومن أبرزها الأتراك والفرس والكرد وغيرهم ، وهو ما أضفى على المنطقة تنوعا سكانيا وثقافيا وحضاريا واضحا .
3- الشرق الأوسط : الموقع والثروات والصراع
أن اجتماع الموقع الجغرافي الاستثنائي مع الثروات الطبيعية والممرات المائية المهمة والتنوع الحضاري والديني جعل الشرق الأوسط منطقة ذات أهمية استراتيجية عالمية . ولذلك لم تكن المنطقة بعيدة عن التنافس الدولي ، بل أصبحت عبر التاريخ مجالا للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية .
وقد شهد الشرق الأوسط خلال تاريخه الحديث والمعاصر عددا كبيرا من الحروب والصراعات ، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي ، والحرب العراقية – الإيرانية وحرب الخليج ثم غزو العراق واحتلاله عام (٢٠٠٣) فضلا عن الصراعات والأزمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة .
وقد أدت هذه الحروب والصراعات إلى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة ، وأسهمت في انتشار الفقر والبطالة والنزوح وعدم الاستقرار ، وأثرت بصورة مباشرة في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في عدد من دول المنطقة .
كما أن استمرار الصراعات وتداخل المصالح الإقليمية والدولية جعل الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم توترا من الناحية الأمنية والسياسية ، ولم تعد آثار هذه الصراعات مقتصرة على دول المنطقة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، ولاسيما من خلال تأثيرها في أسواق الطاقة والتجارة الدولية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد .
ومن خلال ما تقدم يتضح أن أهمية الشرق الأوسط لا يمكن تفسيرها بعامل واحد ، وإنما هي نتيجة اجتماع مجموعة من العوامل في منطقة جغرافية واحدة . الموقع الذي يربط ثلاث قارات ، والممرات والمضايق المائية ذات الأهمية الدولية، والثروات النفطية والغازية، والأهمية الدينية والحضارية ، فضلا عن الوزن السكاني والجغرافي وما شهدته المنطقة من صراعات وحروب وتنافس إقليمي ودولي .
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه ، لماذا الشرق الأوسط تحديدا ؟ ولماذا استمرت هذه المنطقة في احتلال موقع متقدم في اهتمامات القوى الدولية والإقليمية .
أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الانتقال من الوصف الجغرافي للمنطقة إلى تحليل مقومات الاقتصاد والاستراتيجية والجيوسياسية وبيان الأسباب التي جعلت الشرق الأوسط منطقة محورية في النظام الدولي ومجالا دائما للتنافس والصراع بين القوى المختلفة .

