معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

مدخل الى دراسة لماذا الشرق الأوسط؟

حجم الخط

اصحوا يا عرب

فمن لا يملك قوته وقراره، سيجد الآخرين يقررون له مستقبله

ومن هنا يأتي السؤال الذي يقودنا الى موضوع هذه الدراسة « لماذا الشرق الأوسط ؟

ولماذا بقيت هذه المنطقة، على امتداد التاريخ الحديث والمعاصر، محور للتنافس والصراع بين القوى الكبرى والإقليمية ؟

وللإجابة عن هذا السؤال، تأتي دراسة « لماذا الشرق الأوسط؟» التي تحاول البحث في الموقع الجغرافي والتاريخي للمنطقة وممراتها المائية، وثرواتها الطبيعية، وأهميتها الاقتصادية والجيوسياسية، ودورها في الصراع الدولي، ووصولا الى فهم الأسباب التي تجعل الشرق الأوسط واحدا من أهم مراكز التأثير في النظام الدولي .

كنت دائما اتجنب الكتابة في الامور السياسية، كون السياسة تدخل الانسان في قضايا معقدة ومتشابكة، وتضعه احيانا في متاهات لا أول لها ولا آخر، ولاسيما أن المصالح السياسية كثيرا ما تتقدم على المبادئ والقيم والاخلاق .

ولهذه الاسباب ابتعدت عن الكتابة في السياسة، واكتفيت بالكتابة في مجال اختصاصي وهو الاقتصاد السياسي .

إلا أن ما يجري اليوم في منطقتنا العربية دفعني الى الخروج عن هذا النهج، والكتابة في موضوع سياسي أراه يتجاوز حدود السياسة بمعناها الضيق، ليمس أمن المنطقة ومستقبل شعوبها ومصالحها وثرواتها وهويتها. فما شهدناه مؤخرا من تطورات عسكرية وسياسية متسارعة، ومن بينها الإعلان السعودي عن إحباط مسيرة حوثية جنوب مكة المكرمة، يمثل تطورا بالغ الخطورة، لما تمثله مكة المكرمة من مكانة دينية لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم. ورغم نفي الحوثيين استهداف مكة، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية عن الحادث مسألة ينبغي أن تستند الى الأدلة الموثوقة. لكن مجرد وصول العمليات العسكرية الى هذه المنطقة يطرح تأويلات خطيرة حول طبيعة الصراع الذي تشهده المنطقة والجهات المستفيدة منه.

وهنا لابد أن نسأل: ماذا يجري في منطقتنا العربية؟ والى أين تتجه الأحداث؟ ولماذا أصبحت المنطقة ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية متواصلة؟

إنني لا أطرح في هذا البحث إجابات نهائية عن جميع هذه الأسئلة، وإنما أحاول أن أضع أمام القارئ مجموعة من الوقائع والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وأن أقدم قراءة لها، تاركا للقارئ الحكم على مدى ترابطها ودلالاتها.

كان احتلال العراق عام (2003) واحدا من أكبر التحولات التي شهدتها المنطقة العربية في العصر الحديث .

فالعراق كان يمتلك جيشا كبيرا واقتصادا مهما، ويحتل موقعا جغرافيا استراتيجيا، وكان يمثل أحد أهم مراكز القوة في العالم العربي .

وقد أدى الاحتلال الى انهيار مؤسسات الدولة العراقية وتفكيك قدراته العسكرية وإضعاف بنيته الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي أحدث فراغا استراتيجيا كبيرا في المنطقة. ومن وجهة نظري، فإن ما حدث للعراق لم يكن مجرد تغيير لنظام سياسي، وإنما أدى الى تغيير مهم في ميزان القوى الإقليمي، وفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لتوسيع نفوذها داخل العراق والمنطقة.

ومع الأسف، لم يتمكن النظام الرسمي من التعامل مع هذا التحول بما يحفظ للعراق دوره ومكانته، الأمر الذي ساهم في استمرار حالة الضعف والتشرذم الرسمي .

بعد عام (2003)، تنامى النفوذ الإيراني داخل العراق وبرزت قوى سياسية وفصائل مسلحة مرتبطة بإيران بدرجات مختلفة، ثم امتد النفوذ الإيراني، بدرجات متفاوتة، الى دول عربية أخرى، ولا سيما سوريا ولبنان واليمن، الأمر الذي أدى الى تغيير كبير في التوازنات الإقليمية. وفي الوقت نفسه بقي الموقف الرسمي عاجزا عن بناء استراتيجية موحدة للتعامل مع هذا الواقع. وأعتقد أن استمرار هذا الوضع لا يخدم الشعب العراقي ولا الشعوب العربية، بل يؤدي الى إضعاف الدولة الوطنية وإبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار .

لقد أثبتت الأحداث المتعاقبة أن العلاقات الدولية لا تقوم دائما على الصداقة أو العداء الدائمين، وإنما تقوم بدرجة كبيرة على المصالح .

فالولايات المتحدة تمتلك علاقات وتحالفات أمنية واقتصادية تاريخية مع عدد من الدول العربية، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع أطراف مختلفة في المنطقة عندما ترى أن ذلك يحقق مصالحها. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الأزمات الأخيرة، عندما تزامنت المواجهة العسكرية مع إيران مع استمرار الاتصالات والمفاوضات، وكذلك مع الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين بوساطة عُمانية .

وهنا يحق للعرب أن يسألوا أنفسهم :

هل يمكن أن نبني أمننا القومي ومستقبلنا على اعتماد كامل على القوى الخارجية ؟

إن التعاون مع القوى الدولية أمر طبيعي في العلاقات الدولية، ولكن الاعتماد الكامل عليها يظل خطرا، لأن مصالح الدول الكبرى قد تتغير، وما تراه هذه الدول أولوية اليوم قد لا يكون كذلك غدا .

وهنا يبرز سؤال آخر :

هل أصبح الصراع اليمني جزءا من صراع أوسع على الممرات البحرية والنفوذ الإقليمي؟

إن استمرار الحرب في اليمن لا يؤدي الى اضعاف الدولة اليمنية وشعبها فحسب، وانما يهدد أيضا الأمن البحري والتجارة الدولية ويزيد من هشاشة الأمن الإقليمي .

أن ما يجري في سوريا ولبنان والعراق واليمن لا يمكن تجاهله عند تحليل المشهد الإقليمي. فإيران تمتلك نفوذا بدرجات مختلفة في هذه الدول، بينما تمتلك اسرائيل حضورا عسكريا وأمنيا متزايدا في عدد من الملفات، في حين تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري وعلاقات أمنية واسعة في المنطقة .

ومن الخطأ في رأيي، أن ننظر الى كل أزمة باعتبارها منفصلة تماما عن الأخرى. فحتى اذا كانت الولايات المتحدة واسرائيل وايران تختلف فيما بينها في قضايا جوهرية، وتتعارض مصالحها في ملفات عديدة، فإن مصالحها قد تتقاطع أحيانا في بعض القضايا والظروف .

وهذا التقاطع لا يعني بالضرورة وجود مشروع واحد أو اتفاق شامل بينها، لكنه يستحق الدراسة والتحليل، خصوصا عندما تكون النتيجة اضعاف دول عربية وتراجع قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي .

ماذا يجري في المنطقة ؟

أن الشرق الأوسط ليس منطقة عادية في النظام الدولي، فهو يقع في قلب العالم، ويربط آسيا بأوروبا وافريقيا، ويضم أهم الممرات البحرية العالمية، ويحتوي على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، فضلا عن المعادن والثروات الطبيعية الأخرى .

ولهذا أصبحت المنطقة ساحة تنافس بين القوى الكبرى والإقليمية .

ومن هنا فإن اضعاف الدول العربية وتفكيك قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، يجعلها أكثر عرضة للتدخل الخارجي، وأكثر قابلية لفرض ترتيبات سياسية واقتصادية عليها .

كما أن المشاريع الإقليمية والدولية المطروحة للمنطقة، ومنها ((مشروع الابراهيمية)) ومسارات التطبيع مع إسرائيل، تستحق دراسة موضوعية ومتأنية، لمعرفة آثارها بعيدة المدى على الأمن القومي العربي .

اصحوا يا عرب

أن ما يجري اليوم يجب أن يدفع العرب الى اعادة النظر في واقعهم .

فالأمة العربية تمتلك إمكانات بشرية واقتصادية وطبيعية وجغرافية كبيرة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من الانقسام وتضارب المواقف والاعتماد المفرط على القوى الخارجية .

ولذلك فإن المطلوب ليس الدخول في حروب جديدة، وإنما بناء القوة التي تمنع الآخرين من فرض إرادتهم وبناء علاقات دولية تقوم على المصالح المتبادلة، لا على التبعية والاعتماد الكامل .

أن حماية الأمن القومي العربي تتطلب تعزيز التعاون العربي، وتقوية الدول الوطنية، وحماية الثروات والممرات البحرية، وبناء القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وايجاد موقف عربي اكثر تنسيقا تجاه القضايا المصيرية .

فالدول لا تتحرك في النهاية وفق العواطف، وانما وفق مصالحها .

ولهذا فإن العرب بحاجة الى أن يدركوا أن حماية مصالحهم لن تتحقق بالاعتماد على الآخرين وحدهم، وانما ببناء قوتهم الذاتية ووحدتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار المستقل .

الدكتور

محمد طاقة

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *