معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

لا تقدسوا إلا ما قدّسه الله

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

تستخدم كلمة المقدّس في اللغة العربية للدلالة على ما أتصف بالطهارة والبركة والتعظيم والتنزيه من العيب والنقص . غير ان مفهوم التقديس ، حين يُنقل من مجاله الديني إلى المجال السياسي والاجتماعي، قد يتحول احياناً إلى وسيلة تمنح بعض الاشخاص أو الاماكن أو الجماعات حصانة من النقد والمساءلة، وتستخدم لتبرير مواقف ومصالح مادية وسياسية لا علاقة لها بجوهر الدين .
والأصل في الإسلام ان القداسة ((مصدرها
الله وحده )) ، فالشيء يكون مقدساً بما يثبت له هذه المكانة في الوحي والشرع ، وليس بمجرد اجتهاد البشر أو رغبتهم في إضفاء صفة القداسة على شخص او مكان أو جماعة .
فالرسول محمد (ص) شخصية عظيمة ومكرمة
ومحبوبة في الإسلام وله مكانته التي لا يرقى اليها احد من البشر ، ولكن يفضل بعض العلماء عدم استخدام لفظ مقدس عليه ، لانه لم يرد في القرآن أو السنة النبوية بهذا اللفظ .
كما ان احترام الأنبياء والرسل والإيمان بهم جميعاً من أصول العقيدة الإسلامية . لكن ينبغي التمييز بين التكريم والاحترام والتعظيم المشروع ، وبين أطلاق مفهوم القداسة بالمعنى الذي يجعل الإنسان فوق النقد والمراجعة .
وكذلك فان المساجد التي خصها الإسلام بمكانة معينة ، حرمتها ومكانتها الدينية . وفي مقدمتها المسجد الحرام في مكة المكرمة ، الذي يضم الكعبة المشرفة قبلة المسلمين ثم المسجد النبوي في المدينة المنورة ، والمسجد الأقصى في بيت المقدس ، الذي ارتبط في العقيدة الإسلامية بحادثة الإسراء والمعراج .
وهنا ينبغي ان نفرق بين حرمة المكان ومكانته الشرعية وبين إطلاق صفة القداسة على كل مدينة او منطقة أو بناء لمجرد ارتباطه بشخص أو حادثة او جماعة .
ان المشكلة تبدأ عندما تتحول القداسة من مفهوم ديني محدد إلى ثقافة اجتماعية وسياسية ، فنجد هذا الشخص (( مقدساً )) وتلك المدينة (( مقدسة)) وهذا رجل الدين فوق النقد وذاك يوصف بانه (( آية الله العظمى )) أو (( ظل الله في الارض)) وتطلق عليه اوصاف تجعل مناقشته أو نقده أمراً محرماً في نظر اتباعه .
وهنا يصبح السؤال مشروعاً : هل هذه الأوصاف والممارسات جزء من الدين ، أم انها نتاج ثقافة بشرية تراكمت عبر التاريخ ، واصبحت تستخدم احياناً لخدمة أغراض سياسية واجتماعية ؟
ان الإسلام لا يجعل الانسان معصوماً لمجرد موقعه الاجتماعي او الديني ، ولا يمنح احداً حقاً مطلقاً في احتكار الحقيقة . فالاحترام شيء والتقديس شيء آخر ، والتقدير لايعني العصمة ، والمحبة لاتعني الغاء العقل ، والولاء لايعني الطاعة العمياء .
ومن اخطر ما يمكن ان يحدث للمجتمع ان تتحول الرموز الدينية إلى أدوات سياسية ، وان يستخدم الدين غطاء لتصفية الخصوم والمفكرين والسياسيين ، او لمنع النقد ، أو لإدامة الجهل والتخلف ، أو لاقناع الناس بأن طاعة شخص او جماعة تعادل طاعة الدين نفسه . وقد نسب إلى ابن رشد عدد من الأقوال التي تتحدث عن توظيف الدين في السيطرة على المجتمعات قائلا ً(( إذا أردت ان تتحكم في جاهل فعليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني )) .
ان اخطر ما في تقديس البشر انه يلغي المسافة بين الانسان والفكرة ، فإذا قُدس الشخص ، اصبحت أفكاره مقدسة ، واذا اصبحت أفكاره مقدسة ، اصبح نقدها جريمة ومن هنا يبدأ تعطيل العقل .
ولذلك فان المجتمع السليم ليس المجتمع الذي يقدس الاشخاص ، وانما المجتمع الذي يحترم الاشخاص ويقيمهم بإعمالهم .
فلا ينبغي ان نمدح أنساناً لانه ينتمي الى طائفتنا ، أو عشيرتنا او جماعتنا ، أو لانه قريب منا ، وانما ينبغي ان يكون معيار التقييم هو ما نقدمه للناس من علم وعمل وخدمة وعدل ونزاهة .
ولا ينبغي كذلك ان تتحول مدينة أو جماعة أو مؤسسةالى كيان فوق النقد والمساءلة لمجرد اكتسابها صفة دينية او تاريخية ، فاحترام الاماكن الدينية لايعني تحويل كل ما يرتبط بها إلى حصانة سياسية او اجتماعية.
ان الاسلام في جوهره ، دين يدعو إلى العدل ويرفض الظلم ويؤكد كرامة الانسان ، وينظم علاقة الفرد بالمجتمع ، ويوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي في حياة الانسان .
ولذلك فان تشويه الدين او استخدامه لاذلال الإنسان واستغلاله وإخضاعه يتناقض مع المقاصد التي جاء بها الدين .
ومن هنا فان الدفاع عن الدين لا يكون بتقديس البشر ولا بإسكات النقد ، ولا بإطلاق الألقاب التي تضع بعض الناس في منزلة فوق البشر ، وانما يكون بأظهار قيم الدين في العدل والمساواة والاخلاق والعلم والرحمة واحترام الإنسان .
اننا بحاجة إلى اعادة النظر في ثقافة التقديس التي انتشرت في مجتمعاتنا ، والى التمييز بوضوح بين المقدس الذي يستمد حرمته من الدين ، وبين الانسان الذي مهما علا شأنه يبقى انساناً قابلاً للخطأ والصواب .
(( فلا احد فوق النقد ولا احد فوق القانون ولا احد يمتلك الحقيقة المطلقة لمجرد انه ارتدى لباساً دينياً او حمل لقباً دينياً )) .
احترموا العلماء ، واكرموا الصالحين ، وقدروا اصحاب الانجاز ، وأحبوا من يستحق المحبة ، ولكن لاتجعلوا من البشر آلهة صغيرة ، ولا تمنحوا احد من القداسة ما لم يمنحه الله له .

(( فالقداسة لله ، اما الانسان فمكانته فيما يقدمه من خير وعدل وعلم وعمل ))

عمان في
٧/١٠/٢٠٢٦

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *