أ. د. محمد طاقة
لا نريد الخوض في جميع تفاصيل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط ولا في أبعاد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية على دول المنطقة ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد اتسم موقف هذه الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بدرجة عالية من الحكمة وضبط النفس، إذ سعت منذ بداية الأزمة إلى الحيلولة دون اتساع رقعة الحرب، ودعمت الخيارات الدبلوماسية، وشجعت على استمرار المفاوضات باعتبارها الخيار الأمثل لمعالجة هذه الإشكالية المعقدة، بعيداً عن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
إلا أن جولات التفاوض الطويلة لم تحقق النتائج المرجوة، بسبب ما يراه كثير من المراقبين تعنتاً متكرراً في التوصل إلى تفاهمات نهائية، حيث كانت المفاوضات تنتهي في أكثر من مناسبة دون اتفاق حاسم، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة في بعض المراحل إلى اللجوء إلى الضغوط العسكرية لإجبار إيران على القبول بشروطها، في حين كانت طهران تسعى إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والعسكرية.
وفي المقابل، شهدت المنطقة في مراحل مختلفة تعرض دول خليجية لتهديدات أو هجمات استهدفت منشآت وبنى تحتية، مع تبريرات إيرانية أو من جماعات متحالفة معها تربط تلك الهجمات بوجود قواعد أو مصالح عسكرية أمريكية في هذه الدول. ورغم ذلك حافظت دول مجلس التعاون على سياسة ضبط النفس، وتجنبت الانجرار لتكون طرفاً مباشراً في الصراع.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة إذا ما أخذت بعين الاعتبار القدرات العسكرية الكبيرة التي تمتلكها هذه الدول، ولا سيما المملكة العربية السعودية، التي تُعد من أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع، إذ تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أنها تأتي ضمن الدول الأعلى إنفاقاً عسكرياً على مستوى العالم خلال السنوات الأخيرة.
ويبين الجدول الآتي حجم الإنفاق العسكري التقريبي لعدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات العشر الأخيرة، إلى جانب أبرز منظومات التسليح للسعودية.
الدولة حجم الإنفاق العسكري مليار دولار أبرز منظومات التسليح
١- السعودية أكثر من ٨٠٠ مقاتلات F-15، مروحيات أباتشي ، منظومات باتريوت، سفن حربية ، دبابات ومدرعات
٢- إسرائيل 237
٣- تركيا 183
٤- الجزائر 118
٥- إيران 82
٦- الكويت 73
٧- سلطنة عمان 65
٨- العراق 63
٩- المغرب 43
١٠- مصر 39
وتؤكد هذه الأرقام أن المملكة العربية السعودية تمتلك قدرات دفاعية متطورة، ويعد سلاحها الجوي من أقوى القوات الجوية في المنطقة، بما يمنحها القدرة على حماية أمنها الوطني والرد على أي اعتداء إذا اقتضت الضرورة.
ومن جهة أخرى يرى كثيرون أن النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية، ومنها العراق ولبنان واليمن، من خلال قوى وفصائل محلية متحالفة معها، أسهم في تعقيد المشهد الإقليمي وزيادة حدة التوترات، الأمر الذي جعل دول الخليج تواجه تحديات أمنية متكررة، سواء عبر الهجمات المباشرة أو عبر تهديدات صادرة عن تلك الجماعات.
وفي الوقت نفسه تطرح وسائل إعلام مؤيدة لإيران تساؤلات حول سبب عدم انخراط الدول العربية في هذه المواجهة إلى جانب الجارة المسلمة الإيران وفي المقابل يرد منتقدوا السياسة الإيرانية بالتذكير بمحطات تاريخية مختلفة، ويرون أن سياسات طهران في عدد من الدول العربية ولاسيما العراق البلد العربي المسلم الجار وكيف تحالفت إيران مع أمريكا وإسرائيل للنيل من النظام الوطني، كلها كانت سبباً في تعميق الانقسامات وإضعاف مؤسسات الدولة وإدامة حالة عدم الاستقرار.
إن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والاحتكام إلى القانون الدولي والحوار أساساً بدلاً من منطق القوة والصراعات بالوكالة.
كما أن المرحلة الراهنة تستوجب تعزيز التضامن العربي، وتوحيد المواقف تجاه كل من يهدد الأمن القومي العربي، والعمل على مواجهة التطرف والطائفية والفساد والانقسامات الداخلية، بما يخدم مصالح الشعب العربي ويحفظ استقرار المنطقة ومستقبلها.
برلين
٢٩ / تموز / ٢٠٢٦

