معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت دراسة في الفجوة بين المؤشرات الإحصائية والقدرة الشرائية

حجم الخط

الأستاذ الدكتور محمد طاقة

 

الفهرس

أولا: المقدمة

ثانيا: ماهية التضخم

ثالثا: نظريات التضخم

رابعا: واقع التضخم في العراق

خامسا: مدى انطباق نظريات التضخم على الاقتصاد العراقي

سادسا: التضخم الرسمي والتضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت

سابعا: الاستنتاجات

ثامنا: المقترحات

تاسعا: الخاتمة

عاشرة: المصادر

 

التضخم في العراق بين الرسمي والمكبوت

 

أ. د. محمد طاقة

 

أولا: المقدمة

يُعد التضخم من أبرز الظواهر الاقتصادية التي اكتسبت أهمية متزايدة في العقود الأخيرة، نتيجة لتكرار الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية والحروب والكوارث الطبيعية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وما رافقها من انعكاسات عميقة على استقرار الاقتصاديات الوطنية ومستويات معيشة السكان.

وقد أصبحت مشكلة التضخم تمثل تحديا رئيسيا أمام صناع السياسات الاقتصادية، لما لها من آثار مباشرة في النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

وتتمثل أبرز آثار التضخم في انخفاض القوة الشرائية للنقود نتيجة الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، ولا سيما دخول أصحاب الأجور الثابتة والفئات محدودة الدخل، ويجعل من الصعب على الكثير من الأسر توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية.

كما يسهم التضخم في اتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، فضلا عن تأثيراته السلبية في الادخار والاستثمار والإنتاج.

ويرتبط التضخم أيضا بجملة من الاختلالات الاقتصادية الأخرى، وفي مقدمتها البطالة، إذ يعكس استمرار البطالة عجز الاقتصاد عن توفير فرص عمل تتناسب مع حجم القوى العاملة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض مستويات الدخل، وهو ما يزيد من حدة الآثار الاجتماعية للتضخم، خاصة عندما يجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف فرص العمل.

وقد شهدت معظم دول العالم، بدرجات متفاوتة، موجات تضخمية متعاقبة نتيجة الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والأوبئة، وما نتج عنها من تدمير للبنية التحتية وتعطل للإنتاج وسلاسل التوريد، فضلا عن الاختلالات الهيكلية التي أصابت اقتصاديات العديد من الدول. وقد انعكست هذه التطورات على ارتفاع معدلات التضخم عالميا، وإن اختلفت حدتها تبعا لطبيعة كل اقتصاد ومدى قدرته على مواجهة الصدمات.

ويُعد الاقتصاد العراقي من الاقتصاديات التي تمتلك خصوصية في دراسة ظاهرة التضخم، نظرا لاعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، وضعف مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في الإنتاج المحلي، واعتماده الواسع على الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق المحلية. كما أن تدخل الدولة في إدارة سعر الصرف ودعم بعض السلع والخدمات والسياسات النقدية والمالية المتبعة، قد يؤدي إلى ظهور فجوة بين معدلات الرسمية التي تعلنها الجهات الإحصائية وبين مستويات ارتفاع الأسعار التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، وهو ما يمكن تسميته بـ “التضخم المكبوت” أو “التضخم غير الظاهر”، حيث لا تعكس المؤشرات الرسمية بصورة كاملة الضغوط التضخمية الكامنة في الاقتصاد.

ومن هذا المنطلق، تأتي الدراسة لتحليل ظاهرة التضخم في العراق، والتمييز بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت وبيان العوامل الاقتصادية والنقدية والإدارية التي تؤدي إلى اتساع الفجوة بينهما، مع محاولة تقييم مدى تعبير المؤشرات الرسمية عن الواقع الاقتصادي والمعيشي.

١- أهمية الدراسة :

تنبع أهمية الدراسة من تناولها إحدى أهم الاختلالات الاقتصادية التي تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال توضيح مفهوم التضخم وتفسيراته النظرية، وتحليل واقع التضخم في العراق، مع التركيز على التمييز بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت، وبيان انعكاساتها على مستويات معيشة المواطنين وصنع السياسات الاقتصادية.

٢- أهداف الدراسة :

تهدف هذه الدراسة إلى :

توضيح مفهوم التضخم وأهم النظريات الاقتصادية المفسرة له.

تحليل واقع التضخم في العراق والعوامل المؤثرة فيه.

بيان الفروق بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت وأسباب ظهور الفجوة بينهما.

دراسة أثر تدخل السلطات النقدية والمالية والإدارية في تثبيت معدلات التضخم الرسمية عند مستويات قد لا تعكس الواقع الفعلي للأسعار.

 

٣- منهجية الدراسة :

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بالتضخم، وجمع البيانات الإحصائية من المصادر الرسمية والدولية، وتحليل المؤشرات الاقتصادية ذات الصلة، والاستعانة بالجداول والرسوم البيانية للمقارنة بين معدلات التضخم الرسمية والمؤشرات التي تعكس واقع الأسعار في الاقتصاد العراقي، وصولا إلى تفسير الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت.

ثانيا: ماهية التضخم

تناول العديد من الباحثين والاقتصاديين مفهوم التضخم، واختلفت تفسيراتهم تبعا لاتجاهاتهم الفكرية ومدارسهم الاقتصادية، إلا أنهم اتفقوا على أن التضخم يرتبط بارتفاع المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، وما يترتب على ذلك من انخفاض القوة الشرائية للنقود وتراجع قيمتها الحقيقية. فكلما ارتفعت الأسعار أصبحت الوحدة النقدية غير قادرة على شراء كمية أقل من السلع والخدمات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة الأفراد.

ويُعد التضخم في جانبه الاقتصادي، نتيجة لاختلال العلاقة بين العرض والطلب، وغالبا ما ينشأ عندما ينمو العرض النقدي بمعدل يفوق معدل النمو الحقيقي للإنتاج، فتزداد القدرة الشرائية الاسمية للأفراد دون أن يقابلها ارتفاع مماثل في إنتاج السلع والخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.

إلا أن حصر مفهوم التضخم بمجرد ارتفاع الأسعار يُعد تبسيطا غير دقيق، فليس كل ارتفاع في الأسعار يُعد تضخما، فقد ترتفع أسعار سلعة معينة بسبب نقص إنتاجها أو زيادة الطلب عليها، كما قد ترتفع أسعار بعض السلع الكمالية أو يحدث ارتفاع مؤقت نتيجة ظرف استثنائي، دون أن يعني ذلك وجود تضخم اقتصادي.

ولكي يُعد ارتفاع الأسعار تضخما، لابد من توافر مجموعة من الشروط الأساسية وهي:

أن يكون هناك ارتفاع ملحوظ في المستوى العام للأسعار.

أن يشمل هذا الارتفاع معظم السلع والخدمات الأساسية والضرورية لحياة الإنسان، وليس سلعة أو مجموعة محدودة من السلع.

أن يستمر الارتفاع بصورة متواصلة ولمدة زمنية طويلة نسبيا مع اتجاه تصاعدي واضح.

وبناء على ذلك، فإن ارتفاع أسعار السلع الكمالية وحدها، أو ارتفاع سعر سلعة واحدة نتيجة لظروف خاصة، أو حدوث زيادة محدودة ومؤقتة في الأسعار بسبب عوامل طارئة، لا يُعد تضخما بالمعنى الاقتصادي، لعدم تحقق الشروط السابقة.

وانطلاقا مما تقدم يمكن تعريف التضخم بأنه:

“الارتفاع المستمر والمتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، خلال فترة زمنية، بما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للنقود وانخفاض قيمتها الحقيقية، وينشأ نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو التوسع المفرط في الإصدار النقدي أو تبني سياسات نقدية ومالية غير متوازنة”.

ولا يقتصر التضخم على العوامل الاقتصادية وحدها، بل يُعد ظاهرة معقدة تتداخل في تشكيلها عوامل سياسية ونفسية واجتماعية، فالأحداث السياسية، مثل الحروب والأزمات والعقوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي تؤثر في النشاط الاقتصادي والإنتاج وسلاسل الإمداد، وتؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار.

كما تلعب العوامل النفسية دورا مهما في تغذية التضخم، إذ تؤثر توقعات الأفراد والمستثمرين بشأن ارتفاع الأسعار في سلوكهم الاقتصادي، فعندما يتوقع المستهلكون استمرار ارتفاع الأسعار يتجهون إلى زيادة الإنفاق وتخزين السلع، بينما يضطر المنتجون والتجار إلى رفع الأسعار تحسبا لارتفاع التكاليف المستقبلية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي في وقت يبقى فيه العرض ثابتا أو ينمو بوتيرة أبطأ، فتتصاعد الأسعار بصورة أكبر، فيما يُعرف في الاقتصاد بـ “التضخم المدفوع بالتوقعات».

ثالثا: نظريات التضخم:

قدم الاقتصاديون العديد من التفسيرات لظاهرة التضخم، واختلفت آراؤهم باختلاف مدارسهم الفكرية، إلا أن معظم هذه التفسيرات يمكن تصنيفها ضمن ثلاث نظريات رئيسية هي: نظرية التضخم الناشئ عن دفع الكلفة ونظرية التضخم الناشئ عن سحب الطلب والنظرية النقدية، وتسعى كل واحدة من هذه النظريات إلى تفسير الأسباب التي تؤدي إلى الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار.

١- نظرية التضخم الناشئ عن دفع الكلفة:

ترى هذه النظرية أن التضخم ينشأ نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ تؤدي الزيادة في عناصر الكلفة إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة من السلع والخدمات، الأمر الذي يدفع المنتجين إلى رفع أسعار منتجاتهم لتعويض تلك الزيادة والمحافظة على مستويات أرباحهم وتبرز هذه الظاهرة في العديد من اقتصاديات العالم، ولا سيما في الدول النامية،

بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية المستوردة، وزيادة تكاليف النقل والطاقة، وارتفاع الأجور، فضلا عن انخفاض إنتاجية العمل، والاستغلال غير الكامل للطاقات الإنتاجية، والهدر في استخدام الوقت والمواد الأولية والمكائن والمعدات، بالإضافة إلى الضرائب والسياسات الحكومية التي تزيد من أعباء الإنتاج.

ويرى أنصار هذه النظرية أن المنتجين غالبا ما ينقلون الزيادة في تكاليف الإنتاج إلى المستهلك النهائي من خلال رفع الأسعار، وهو ما يؤدي إلى نشوء التضخم حتى في الحالات التي لا يقابلها ارتفاع مماثل في الطلب على السلع والخدمات.

وتتمثل أهم أسباب التضخم وفق هذه النظرية في:

ارتفاع الأجور

ارتفاع أسعار المواد الأولية

ارتفاع التكاليف المستوردة

انخفاض إنتاجية العمل

الهدر وسوء استخدام الموارد والطاقات الإنتاجية

الضرائب والسياسات الحكومية التي تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج.

 

٢- نظرية التضخم الناشئ عن سحب الطلب:

تفسر هذه النظرية التضخم بأنه نتيجة زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات بمعدل يفوق قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج، مما يؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض الكلي والطلب الكلي، فتتبدأ الأسعار بالارتفاع بصورة مستمرة.

ويحدث هذا النوع من التضخم عندما تتوفر لدى الأفراد والشركات سيولة نقدية أكبر تدفعهم إلى زيادة الإنفاق والاستهلاك، في حين يبقى المعروض من السلع والخدمات محدودا أو غير قادر على مواكبة هذه الزيادة في الطلب، ويعبر الاقتصاديون عن هذه الحالة بالقول: «نقود كثيرة تطارد سلعا قليلة».

وتعد هذه النظرية من أكثر النظريات شيوعا في تفسير التضخم، إذ ترى أن السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار يكمن في زيادة الطلب الكلي مقارنة بالعرض الكلي، الأمر الذي يولد ضغوطا تضخمية تؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.

وتتمثل أهم أسباب التضخم وفق هذه النظرية في:

زيادة الميل للاستهلاك

زيادة الإنفاق الحكومي

التوسع في الائتمان المصرفي

اتباع السياسات النقدية التوسعية

التوقعات الاقتصادية الإيجابية التي تشجع على زيادة الإنفاق والاستثمار.

٣- النظرية النقدية :

ترى النظرية النقدية أن التضخم ظاهرة نقدية بالدرجة الأولى، وأن السبب الرئيسي لحدوثه يتمثل في الزيادة المفرطة في عرض النقود مقارنة بمعدل نمو الإنتاج الحقيقي في الاقتصاد. وتنطلق هذه النظرية من أن زيادة عرض النقود تؤدي إلى ارتفاع القدرة الشرائية للأفراد والشركات، ومن ثم زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات، فإذا لم يقابل ذلك زيادة مماثلة في الإنتاج، فإن الفجوة بين الطلب والعرض تؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار بصورة مستمرة.

ووفقا لهذه النظرية، فإن قيام البنك المركزي بزيادة الإصدار النقدي أو التوسع في عرض النقود دون وجود زيادة حقيقية في الإنتاج يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، ومن ثم ارتفاع الأسعار، ولذلك تؤكد النظرية النقدية أن المحافظة على استقرار الأسعار تتطلب تحقيق توازن بين معدل نمو عرض النقود ومعدل نمو الناتج الحقيقي.

وباختصار، فإن هذه النظرية ترى أن زيادة عرض النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج الحقيقي تؤدي إلى انخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار، وهو ما يجعل التضخم في جوهره ظاهرة نقدية ناتجة عن اختلال العلاقة بين الكتلة النقدية وحجم الإنتاج.

رابعا: واقع التضخم في العراق

مرَّ الاقتصاد العراقي خلال العقود الأخيرة بظروف سياسية واقتصادية استثنائية قلّ نظيرها في المنطقة، بدءا من الحرب العراقية الإيرانية، ثم حرب الخليج الثانية، وما أعقبها من حصار اقتصادي وعقوبات دولية ووقف لتصدير النفط خلال المدة (١٩٩٠ – ٢٠٠٢)، وصولا إلى غزو العراق عام (٢٠٠٣)، وما ترتب عليه من تدمير واسع للبنية التحتية الاقتصادية، وتدهور الوضع الأمني، وتراجع الإنتاج وانتشار الفساد المالي والإداري، وهدر الموارد العامة، وارتفاع مستويات الدين العام، وظهور العجز في الموازنة العامة.

وقد شكلت هذه العوامل مجتمعة ضغوطا كبيرة على الاقتصاد العراقي، وأضعفت قدرة السياسات المالية والاقتصادية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من الضغوط التضخمية.

الأمر الذي يجعل دراسة واقع التضخم في العراق ضرورة لفهم طبيعة هذه الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها.

ويبين الجدول رقم (١) معدلات التضخم السنوية في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤) اعتمادا على بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجهاز المركزي للإحصاء العراقي.

جدول رقم (١)

السنة معدل التضخم

٢٠١٥ ١,٢٩

٢٠١٦ ٠,٥٦

٢٠١٧ ٠,١٨

٢٠١٨ ٠,٣٧

٢٠١٩ – ٠,٢ ٪

٢٠٢٠ ٠,٥٧ ٪

٢٠٢١ ٦,٠٧

٢٠٢٢ ٤,٩٩

٢٠٢٣ ٤,٣٦

٢٠٢٤ ٣,٢

 

ومن الجدول يتضح ما يأتي:

١- مرحلة الاستقرار النسبي للتضخم (٢٠١٥ – ٢٠٢٠):

يتضح من بيانات الجدول أن معدلات التضخم خلال هذه المرحلة اتسمت بالانخفاض والاستقرار، إذ بقيت في معظم السنوات دون (١٪) بل سجل الاقتصاد العراقي انكماشا طفيفا في عام (٢٠١٩) ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، أهمها:

استقرار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار.

ضعف الطلب المحلي نتيجة الأزمة المالية وانخفاض أسعار النفط.

اعتماد العراق بصورة كبيرة على استيراد السلع الاستهلاكية ذات الأسعار المستقرة نسبيا.

اتباع البنك المركزي العراقي سياسة نقدية متحفظة أسهمت في الحد من الضغوط التضخمية.

لذلك بقي المستوى العام للأسعار مستقرا نسبيا طوال هذه الفترة.

٢- ارتفاع التضخم خلال عام (٢٠٢١):

شهد العراق أعلى معدل تضخم خلال العقد الأخير في عام (٢٠٢١) إذ بلغ نحو (٦,٠٧) ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى:

تخفيض سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في نهاية عام (٢٠٢٠) بنسبة تقارب (٢٣٪)، مما أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع المستوردة.

الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة بعد جائحة كورونا.

اختناقات سلاسل الإمداد العالمية.

الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على الاستيراد، الأمر الذي سرّع انتقال التضخم العالمي إلى الأسواق المحلية.

ويُعد تخفيض سعر الصرف العامل الأكثر تأثيرا في ارتفاع معدل التضخم خلال تلك السنة.

٣- تراجع التضخم مع استمرار الضغوط (٢٠٢٢ – ٢٠٢٤):

رغم انخفاض معدل التضخم خلال عامي (٢٠٢٢) و(٢٠٢٣) مقارنة بعام (٢٠٢١)، فإنه بقي عند مستويات أعلى من متوسط السنوات السابقة، ويعود ذلك إلى استمرار عدد من العوامل، أبرزها:

استمرار آثار الحرب الروسية – الأوكرانية على أسعار الغذاء والحبوب.

ارتفاع تكاليف النقل والشحن الدولي.

استمرار انتقال آثار تخفيض سعر الصرف إلى الأسواق المحلية.

زيادة الإنفاق الحكومي وتحسن الدخول نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

وفي المقابل، ساهم تحسن سلاسل الإمداد العالمية وتراجع الأسعار الدولية تدريجيا في الحد من الضغوط التضخمية، وتشير أحدث التقديرات إلى انخفاض معدل التضخم إلى نحو (٣ ٪).

٤- طبيعة التضخم في الاقتصاد العراقي :

على الرغم من أن العراق يعد اقتصادا نفطيا، فإن التضخم فيه لا يتحدد بصورة رئيسية بالإنتاج المحلي، وإنما يتأثر بدرجة كبيرة بالعوامل الخارجية، وذلك للأسباب الآتية:

محدودية مساهمة القطاعين الزراعي والصناعي في تلبية الطلب المحلي.

اعتماد الاقتصاد على استيراد أكثر من (٨٠ ٪) من السلع الاستهلاكية.

ارتباط الأسعار المحلية بتقلبات سعر صرف الدولار والأسعار العالمية للغذاء.

اعتماد المالية العامة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل الإنفاق الحكومي يتذبذب تبعا لتقلبات أسعار النفط، وينعكس ذلك على حجم الطلب الكلي.

وعليه، فإن التضخم في العراق يغلب عليه طابع التضخم المستورد والتضخم الناتج عن تغيرات سعر الصرف، أكثر من كونه تضخما ناتجا عن زيادة الطلب المحلي أو ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي.

وفيما يلي الرسم البياني الذي يوضح تطور معدل التضخم السنوي في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤):

 

 

 

 

 

ويتضح من الرسم البياني أن معدل التضخم خلال هذه المرحلة تراوح بين انكماش طفيف بلغ (-٠,٢ ٪) وأعلى معدل تضخم بلغ (٦,٠٧) في عام (٢٠٢١) ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى تخفيض قيمة الدينار العراقي، فضلا عن تداعيات جائحة كورونا والارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة.

وبوجه عام، تشير البيانات الرسمية إلى أن معدلات التضخم في العراق خلال المدة (٢٠١٥ – ٢٠٢٤) تراوحت بين (٠,١٨ ٪) و(٦,٠٧ ٪)، وهي معدلات تبدو منخفضة نسبيا، بل تقترب في بعض السنوات من المعدلات المسجلة في الاقتصاديات المتقدمة.

غير أن هذا يثير تساؤلا جوهريا: هل تعكس هذه المعدلات حقيقة الواقع الاقتصادي والمعيشي في العراق، في ظل اقتصاد يعاني ضعفا في الإنتاج المحلي، واعتمادا كبيرا على الاستيراد، وارتفاع مستويات الفساد وتقلبات سعر الصرف، وضعف الخدمات العامة؟ وهو التساؤل الذي ستتناوله الدراسة في المبحث اللاحق عند مناقشة الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت (المعيشي).

٥- تقييم معدلات التضخم في العراق :

لا يوجد معيار دولي ملزم يحدد بصورة قاطعة متى يكون التضخم مقبولا أو مرتفعا، إلا أن الأدبيات الاقتصادية والبنوك المركزية…

تعتمد نطاقات تقريبية لتقييم مستويات التضخم، ويبين الجدول رقم (٢) تصنيف معدلات التضخم والتقييم الاقتصادي لكل مستوى.

 

 

جدول رقم (٢)

معدل التضخم التقييم الاقتصادي

– أقل من صفر ٪ انكماش وقد يكون ضارا إذا استمر

– من صفر – ٢ ٪ تضخم منخفض ومستقر ويعد مثاليا في الاقتصاديات المتقدمة

– من ٢ – ٣ ٪ المعدل المستهدف لدى البنوك المركزية ويشجع على الاستثمار والاستهلاك

– من ٣ – ٥ ٪ تضخم متوسط ولا يمثل خطرا إذا كان مؤقتا

– من ٥ – ١٠ ٪ تضخم مرتفع يبدأ بالتأثير في الدخول الحقيقية ويستدعي تدخل السلطات النقدية

– من ١٠ – ٢٠ ٪ تضخم مرتفع جدا بسبب اضطرابات اقتصادية ضخمة

– من أكثر من ٢٠ ٪ تضخم جامح ويؤدي إلى تآكل سريع للقوة الشرائية

– أكثر من ٥٠ ٪ تضخم مفرط وهو حالة استثنائية شهدتها دول مثل ألمانيا إبان الحرب العالمية الأولى والثانية وفنزويلا

 

وتستهدف معظم البنوك المركزية في العالم معدل تضخم يقارب (٢ ٪) سنويا، لكونه يحقق توازنا بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو الاقتصادي، كما يمنح السياسة النقدية هامشا مناسبا للتعامل مع الصدمات الاقتصادية.

فعند تطبيق هذه المعايير على معدلات التضخم في العراق خلال السنوات العشر محل الدراسة، يمكن تقييمها وفق ما يوضحه الجدول رقم (٣).

جدول رقم (٣)

ينبغي الإشارة إلى أن المستوى المقبول للتضخم يختلف باختلاف طبيعة الاقتصاد، ففي الاقتصاديات المتقدمة يُعد معدل (٢ ٪) هدفا مناسبا.

السنة التضخم التقييم

٢٠١٥ ١,٣٩ ٪ منخفض ومستقر

٢٠١٦ ٠,٥٦ ٪ منخفض جدا

٢٠١٧ ٠,١٨ ٪ قريب من الاستقرار السعري

٢٠١٨ ٠,٣٧ ٪ منخفض

٢٠١٩ – ٠,٢ ٪ انكماش طفيف

٢٠٢٠ ٠,٥٧ ٪ منخفض

٢٠٢١ ٦,٠٧ ٪ مرتفع

٢٠٢٢ ٤,٩٩ ٪ متوسط يميل إلى الارتفاع

٢٠٢٣ ٤,٣٦ ٪ متوسط يميل إلى الارتفاع

٢٠٢٤ نحو ٣ ٪ ضمن الحدود المقبولة

 

في حين قد ينظر في الاقتصاديات النامية إلى معدل يتراوح بين (٣٪ – ٥٪) على أنه مقبول نسبيا، بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية، والاعتماد على الاستيراد، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي.

وهذا يقودنا أن نسأل لماذا التضخم ليس أعلى رغم هشاشة الاقتصاد؟ بالإضافة إلى ضعف الصناعة والزراعة والاعتماد على النفط، هناك أيضا عوامل تكبح التضخم فيها ربط الدينار بالدولار لأن البنك المركزي العراقي يدير سعر صرف شبه ثابت وهذا يمنع قفزات سعرية كبيرة، وبما أن الاقتصاد الاستهلاكي المستورد لأن العراق يستورد أغلب الغذاء والسلع وبهذا تكون الأسعار مرتبطة بالأسواق العالمية أكثر من الإنتاج المحلي بالإضافة إلى ضعف الطلب الداخلي بسبب البطالة المرتفعة والدخل الحقيقي المحدود وهذا ما يقلل “ضغط الطلب” الذي يرفع التضخم عادة.

خامسا: مدى انطباق نظريات التضخم على الاقتصاد العراقي .

بعد استعراض أهم النظريات الاقتصادية المفسرة للتضخم واستعراض واقع التضخم في العراق، يثار تساؤل مهم حول مدى انطباقها على واقع الاقتصاد العراقي، وهل يمكن تفسير التضخم في العراق من خلال إحدى هذه النظريات بصورة منفردة ؟

أن الإجابة العلمية تشير إلى أن التضخم في العراق لا يخضع لتفسير نظرية واحدة، وإنما يمثل حالة مركبة تتداخل فيها عوامل سحب الطلب ودفع الكلفة والعوامل النقدية – فضلا عن عوامل هيكلية وسياسية وأمنية تميز الاقتصاد العراقي عن الاقتصاديات الإنتاجية .

فمن ناحية نظرية “سحب الطلب” يمكن ملاحظة وجود زيادة الطلب الكلي نتيجة التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي، وارتفاع فاتورة الرواتب والأجور، وزيادة التحويلات النقدية والتوسع في السيولة داخل الاقتصاد، إلا أن الطلب يتركز على السلع المستوردة بسبب ضعف الإنتاج المحلي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار دون أن يقابله توسع في العرض المحلي.

أما نظرية دفع الكلفه، فإنها تنطبق بدرجة كبيرة أيضا، إذ يعتمد العراق بصورة واسعة على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع والمواد الأولية، مما يجعل الأسعار المحلية تتأثر بارتفاع أسعار السلع العالمية، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، فضلا عن ارتفاع تكاليف الطاقة، والفساد الإداري والابتزاز، وضعف البنية التحتية، وتعدد الرسوم غير الرسمية، وكلها عوامل تزيد من تكلفة الإنتاج والتوزيع.

وفيما يتعلق بالنظرية النقدية، فإن جانبا منها ينطبق على الاقتصاد العراقي، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعا في الكتلة النقدية والإصدار النقدي، الأمر الذي أدى إلى زيادة السيولة المتداولة، والتي بلغت حسب البيانات الحديثة أن عرض النقد في العراق وصل تقريبا إلى (١٧٤) تريليون دينار عراقي في عام (٢٠٢٦)، وهذا يعني كمية كبيرة من الدينار في السوق ولا يقابلها سلع وخدمات مما يؤدي إلى ضغوطات تضخمية. إلا أن تفسير التضخم في العراق بالعرض النقدي وحده يبقى غير كافٍ، لأن البنك المركزي يعتمد في جزء كبير من سياسته على إيرادات النفط ونافذة بيع العملة للحفاظ على استقرار سعر الصرف، كما أن جزءا مهما من السيولة يذهب إلى تمويل الاستيراد بدلا من دعم الإنتاج المحلي.

ومن جهة أخرى، يتميز الاقتصاد العراقي بوجود عوامل لا تعالجها النظريات التقليدية بصورة مباشرة، من أهمها ضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد شبه الكامل على النفط، واتساع الاستيراد والفساد المالي والإداري، وتهريب العملة، وغسيل الأموال، والاضطرابات الأمنية والسياسية، إضافة إلى هشاشة المؤسسات الاقتصادية، وهي عوامل تجعل التضخم في العراق أكثر تعقيدا من أن يفسر من خلال نظرية واحدة.

وعليه يمكن القول أن التضخم في العراق هو تضخم هيكلي مركب، تشترك في تكوينه عوامل نقدية وعوامل مرتبطة بالطلب وعوامل مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلا عن الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، الأمر الذي يستلزم معالجة شاملة تتجاوز السياسات النقدية لتشمل إصلاح هيكل الاقتصاد وتنشيط الإنتاج المحلي، ومكافحة الفساد وتحسين كفاءة الإنفاق العام.

مما تقدم يتبين لنا أن جميع التفسيرات السابقة الذكر وجميع العوامل السابقة لا تعمل منفردة بل أن كل عامل منها يعمل ويتفاعل مع بقية العوامل الأخرى، فجذب الطلب ودفع الكلفه والعامل النقدي تعمل معا وفي نفس الظروف وتؤدي جميعا إلى زيادة الأسعار، وهي نتاج تفاعل معقد بين مجموعة من العوامل التي تؤثر على الأسعار بشكل متداخل ومتكامل.

سادسا: التضخم الرسمي والتضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت

في البداية، تجدر الإشارة إلى أن المقصود بمصطلح (التضخم المكبوت) في هذه الدراسة لا ينسجم مع المفهوم الاقتصادي التقليدي الذي يشير إلى التضخم الناتج عن فرض الحكومة رقابة على الأسعار ومنعها من الارتفاع رغم وجود ضغوط تضخمية كامنة، وإنما يستخدم هنا للدلالة على التضخم غير المنعكس بصورة كاملة في المؤشرات الرسمية، والذي يظهر في تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، رغم انخفاض معدلات التضخم المعلنة.

ولذلك يمكن اعتباره مرادفا لما يُعرف في هذه الدراسة بالتضخم المعيشي (المعاش).

وتهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال مهم وهو: لماذا يشعر المواطن العراقي بارتفاع كبير في الأسعار، في حين تعلن الجهات الرسمية أن معدل التضخم لا يتجاوز بضعة في المئة؟

والإجابة أن كلا الرقمين قد يكون صحيحا، إلا أن كلا منهما يقيس جانبا مختلفا من الظاهرة الاقتصادية.

أولا: التضخم الرسمي

التضخم الرسمي هو المعدل الذي يحتسبه الجهاز المركزي للإحصاء، اعتمادا على الرقم القياسي لأسعار المستهلك (Consumer Price Index – CPI).

وهو المؤشر المعتمد دوليا لقياس التغيير في المستوى العام للأسعار. وتعديل التغير وتقوم منهجية احتسابه على اختيار سلة تمثل متوسط استهلاك الأسر من السلع والخدمات، ثم يمنح لكل سلعة أو خدمة وزن نسبي يعكس أهميتها في الإنفاق الأسري، وبعد ذلك تقارن أسعار هذه السلة بين فترتين زمنيتين.

فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت القيمة الكلية للسلة بنسبة (٤٪) خلال سنة معينة، يُعلن أن معدل التضخم بلغ (٤٪)، ويُعد هذا الأسلوب منهجا علميا معتمدا لدى معظم دول العالم، ويُستخدم في رسم السياسات النقدية والمالية ومتابعة استقرار الأسعار، وإجراء المقارنات الدولية.

إلا أن هذا المؤشر يمثل متوسطا عاما للأسعار، ولا يعكس بالضرورة تجربة كل أسرة أو كل فرد.

ثانيا: التضخم المعيشي (المعاش) أو التضخم المكبوت في هذه الدراسة

يُعد التضخم المعيشي من المفاهيم التي برزت نتيجة اتساع الفجوة بين معدلات التضخم الرسمية وبين ما يلمسه المواطن في حياته اليومية من ارتفاع في تكاليف المعيشة .

ويقصد به الارتفاع الفعلي نفسه للأسرة نتيجة زيادة أسعار السلع والخدمات التي تستهلكها فعليا، وما يترتب على ذلك من انخفاض في القوة الشرائية للدخل، بغض النظر عن معدل التضخم الرسمي المحسوب وفق الرقم القياسي لأسعار المستهلك. وبعبارة أكثر دقة فهو التضخم الذي يشعر به المواطن عند ذهابه إلى السوق، ويصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة أضعاف التضخم الرسمي.

فإذا كان دخل الأسرة مليون دينار شهريا وكان يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية، ثم أصبح الدخل نفسه لا يغطي سوى ثلاثة أرباع تلك الاحتياجات، فإن الأسرة ستشعر بأن الأسعار ارتفعت بصورة كبيرة، حتى وإن أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن معدل التضخم السنوي لا يتجاوز (٤٪).

ومن ثم فإن التضخم المعيشي لا يمثل رقما إحصائيا، بل يمثل الأثر الحقيقي للتضخم على مستوى معيشة الأفراد والأسر.

لماذا يشعر المواطن العراقي بأن التضخم أعلى من الرقم الرسمي؟

هناك مجموعة من العوامل تفسر هذه الفجوة من أهمها:

١- اختلاف الأوزان النسبية للسلع:

يعتمد الرقم القياسي على أوزان محددة للسلع والخدمات، إلا أن المواطن قد ينفق معظم دخله على سلع ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة، مثل الغذاء والنقل، بينما تكون السلع التي استقرت أسعارها أو انخفضت أسعارها قليلة الأهمية بالنسبة له. فعلى سبيل المثال:

السلعة نسبة الزيادة

الرز ٢٠ ٪

الزيت ٢٥ ٪

اللحوم ٢٠ ٪

النقل ١٨ ٪

 

وفي المقابل قد تبقى أسعار أجهزة التلفاز أو الهواتف أو بعض الملابس مستقرة أو تنخفض، مما يخفف متوسط التضخم الرسمي، رغم أن المواطن لا يشتري هذه السلع بصورة متكررة بينما يشتري الغذاء يوميا .

٢- اختلاف أنماط الاستهلاك:

لا توجد سلة استهلاك واحدة تناسب جميع الأسر، فالموظف، والعامل، والمتقاعد، والفلاح، وذوو الدخل المحدود، لكل منهم نمط إنفاق مختلف، ولذلك قد يكون التضخم الفعلي الذي تتحمله الأسرة الفقيرة أعلى بكثير من التضخم الذي تتحمله الأسرة ذات الدخل المرتفع، بسبب تركز إنفاقها على السلع الأساسية .

٣- ارتفاع الوزن النسبي للغذاء:

تشكل المواد الغذائية في الواقع نسبة مرتفعة من إنفاق الأسر، لذلك فإن أي زيادة في أسعار الغذاء تنعكس مباشرة على مستوى المعيشة، حتى لو بقيت أسعار العديد من السلع الأخرى مستقرة .

٤- التآكل التراكمي للقوة الشرائية:

حتى عندما يصبح معدل التضخم السنوي منخفضا فإن المواطن قد يستمر في الشعور بالغلاء إذا كانت الأسعار قد ارتفعت خلال السنوات السابقة ولم تعد إلى مستوياتها السابقة، بينما بقيت الدخول ثابتة أو ارتفعت بمعدلات أقل من ارتفاع الأسعار . فالتضخم يقيس معدل تغير الأسعار وليس مستوى الأسعار نفسه .

٥- أثر تخفيض سعر صرف الدينار:

بعد تخفيض قيمة الدينار في نهاية عام (٢٠٢٠) ارتفعت أسعار آلاف السلع المستوردة مرة واحدة، ثم استقرت عند مستوياتها الجديدة.

لذلك انخفض معدل التضخم الرسمي في السنوات اللاحقة، إلا أن الأسعار لم تنخفض، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بارتفاع تكاليف المعيشة. ولتوضيح ذلك نفترض أن سعر كيلوغرام (الرز) كان:

في عام ٢٠٢٠ = ١٠٠٠ دينار.

في عام ٢٠٢١ = ١٥٠٠ دينار (أي ارتفاع بنسبة ٥٠٪).

في عام ٢٠٢٢ = ١٥٠٠ دينار.

وعليه فإن معدل التضخم في عام (٢٠٢١) بلغ (٥٠٪)، بينما أصبح معدل التضخم في عام (٢٠٢٢) صفرا، لأن السعر لم يرتفع أكثر.

ومع ذلك فإن المواطن ما يزال يدفع (١٥٠٠) دينار بدلا من (١٠٠٠) دينار، ولذلك يبقى الشعور بالغلاء قائما، رغم ومعدل التضخم أصبح عند صفرا. وهذا لا يعني أن الإحصاءات الرسمية خاطئة وإنما يعني أن الأسعار استقرت عند مستوى مرتفع جديد.

 

هل يعكس التضخم الرسمي الواقع العراقي بالكامل؟

من الناحية الأكاديمية، لا يمكن القول أن التضخم الرسمي يعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي بصورة كاملة، لكنه في الوقت نفسه ليس مؤشرا خاطئا لأنه يقيس ما صُمم لقياسه، وهو متوسط التغير في الأسعار، أما المواطن فإنه يقيس بصورة غير مباشرة تغير مستوى معيشته وقدرته الشرائية.

وتزداد الفجوة بين المؤشرين في الواقع نتيجة مجموعة من الخصائص أبرزها:

الاعتماد الكبير على السلع المستوردة

ارتفاع حصة الغذاء والسكن والنقل من إنفاق الأسر

التفاوت الكبير في مستويات الدخول

ثبات رواتب شرائح واسعة لفترات طويلة

اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي، مما يجعل رصد جميع الأسعار والمعاملات أكثر صعوبة

التغيرات المتكررة في سعر الصرف وما تتركه من آثار طويلة الأمد على الأسعار

ضعف نمو الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.

 

ويبين لنا الجدول رقم (٤) الفروق الرئيسية بين التضخم الرسمي والتضخم المعيشي.

جدول رقم (٤)

وجه المقارنة التضخم الرسمي التضخم المعيشي (المكبوت)

– جهة القياس الجهاز المركزي للإحصاء شعور الأسر وتكاليف المعيشة الفعلية

– أداة القياس الرقم القياسي لأسعار المستهلك (CPI) تغير الإنفاق الفعلي للأسرة

– ما الذي يقيسه؟ متوسط تغير الأسعار أثر الأسعار على القوة الشرائية

– يعتمد على سلة معيارية وأوزان ثابتة نسبيا سلة الاستهلاك الفعلية لكل أسرة

– يتأثر به جميع السلع والخدمات السلع الأساسية الأكثر استهلاكا

– لاستخدام رسم السياسات الاقتصادية تقييم الأوضاع الاجتماعية والمعيشية

– في العراق غالبا ما يكون أقل من شعور المواطنين غالبا ما يكون أعلى بكثير بسبب ارتفاع الغذاء والسكن والنقل وثبات الدخول

 

وخلاصة القول، فمن الناحية العلمية، لا يمثل التضخم المعيشي بديلا عن التضخم الرسمي، وإنما يعد مؤشرا مكملا له.

فالتضخم الرسمي ضروري لصياغة السياسات النقدية والمالية وتقييم استقرار المستوى العام للأسعار، في حين يساعد التضخم المعيشي على قياس الأثر الاجتماعي للتضخم، ومدى تآكل القوة الشرائية والتغير الحقيقي في مستوى رفاه الأسر.

وفي حالة العراق، فإن الاقتصار على معدل التضخم الرسمي قد لا يعكس بصورة كاملة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، لذلك فإن الجمع بين المؤشرين يوفر فهما أكثر دقة للواقع الاقتصادي، ويساعد صانعي السياسات على تصميم إجراءات أكثر استجابة للأوضاع المعيشية للمواطنين.

سابعا: أهم الاستنتاجات

خلصت الدراسة إلى الاستنتاجات الآتية:

أولا: لم يتفق الباحثون والاقتصاديون على تعريف موحد للتضخم ويرجع ذلك إلى اختلاف مدارسهم الفكرية وتعدد الحالات التي تتناولها الظاهرة التضخمية، إلا أن معظم التعريفات تتفق على أن التضخم يتمثل في الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة، بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، وقد عرّف كينز التضخم بأنه زيادة الطلب الكلي على العرض الحقيقي للاقتصاد بصورة محسوسة ومستمرة، مما يؤدي إلى سلسلة من الارتفاعات المتتابعة في المستوى العام للأسعار نتيجة وجود فائض في الطلب يفوق الطاقة الإنتاجية المتاحة، وهو ما يعبر عنه اقتصاديا بعبارة «نقود كثيرة تطارد سلعا قليلة».

ثانيا: تبين أن النظريات المفسرة للتضخم لا تعمل بصورة منفردة، وإنما تتفاعل فيما بينها بدرجات متفاوتة وفقا للظروف الاقتصادية السائدة. فالتضخم قد يكون نتيجة تداخل عوامل سحب الطلب وعوامل دفع الكلفة والعوامل النقدية في آن واحد، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار.

ثالثا: أن التوسع في عرض النقود أو زيادة الإصدار النقدي دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للنقود وارتفاع المستوى العام للأسعار، ومن ثم فإن تحقيق الاستقرار السعري يتطلب إيجاد توازن بين معدل نمو عرض النقود ومعدل نمو الناتج المحلي الحقيقي.

رابعا: أظهرت الدراسة أن ظاهرة التضخم في الواقع نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة من أبرزها الحروب المتعاقبة والعقوبات الاقتصادية التي استنزفت الموارد البشرية والمادية، فضلا عن تداعيات غزو العراق واحتلاله عام (٢٠٠٣) ما ترتب عليه من تدهور في القطاعات الاقتصادية الأساسية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات، كما أسهمت الاختلالات المالية من تراجع القدرة الإنتاجية المحلية في زيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي أدى إلى انتقال جزء من الضغوط التضخمية الخارجية إلى الداخل فيما يعرف بالتضخم المستورد. كذلك فإن وجود كتلة نقدية كبيرة لا يقابلها توسع مماثل في الإنتاج المحلي أسهم في زيادة الضغوط التضخمية، وقد شكلت هذه العوامل مجتمعة تحديات كبيرة أمام السياسات الاقتصادية والمالية، وأضعفت قدرتها على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من التضخم.

خامسا: يتسم التضخم في العراق بكونه أقرب إلى التضخم المستورد والتضخم الناتج عن تقلبات سعر الصرف، أكثر من كونه تضخما ناتجا عن زيادة الطلب المحلي أو ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، ويعكس ذلك درجة الارتباط العالية بالأسواق الخارجية وتقلبات الاقتصاد العالمي.

سادسا: يتميز الاقتصاد العراقي بضعف القاعدة الإنتاجية في قطاعي الصناعة والزراعة واعتماده الكبير على قطاع النفط كمصدر رئيسي للدخل، مما يجعله اقتصادا أحادي الجانب، ورغم وجود بعض العوامل الكابحة للتضخم، مثل ربط الدينار بالدولار للحد من التقلبات السعرية، إلا أن الطابع الاستهلاكي للاقتصاد واعتماده على الاستيراد يجعل مستويات الأسعار مرتبطة بالأسواق العالمية أكثر من ارتباطها بالإنتاج المحلي، كما أن ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستويات الدخل يسهمان في ضعف الطلب المحلي، مما يحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب.

سابعا: توجد فجوة واضحة بين التضخم الرسمي والتضخم المعاش (المكبوت)، حيث يعكس الأخير الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية، وقد يكون التضخم المعاش أعلى بكثير من التضخم الرسمي في بعض الحالات، مما يجعل كلا المؤشرين ضروريين لفهم الصورة الحقيقية للتضخم في الاقتصاد العراقي.

ثامنا: المقترحات

في ضوء الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديم المقترحات الآتية:

أولا: العمل على تنويع الهيكل الاقتصادي العراقي وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال دعم قطاعي الصناعة والزراعة وتشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

ثانيا : تقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد، عبر دعم الإنتاج الوطني وتحسين القدرة التنافسية للسلع الوطنية، بما يسهم في تخفيف انتقال التضخم المستورد إلى الداخل.

ثالثا: تعزيز السياسات النقدية التي تستهدف استقرار سعر الصرف بشكل مستدام، مع تطوير أدوات إدارة النقد بما يحقق توازنا بين استقرار العملة ودعم النمو الاقتصادي.

رابعا: تطوير منهجية قياس التضخم الرسمي بحيث تأخذ بنظر الاعتبار أنماط الاستهلاك الفعلية للأسر، لتقليل الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المعاش.

خامسا: معالجة مشكلة البطالة ورفع مستويات الدخل، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين الطلب المحلي بشكل صحي ومستدام، دون توليد ضغوط تضخمية غير مبررة.

سادسا: تعزيز الشفافية في البيانات الاقتصادية وتحديث سلة المستهلك بشكل دوري بما يعكس الواقع الفعلي للأسعار وأنماط الاستهلاك في المجتمع.

سابعا: العمل على وضع رؤية اقتصادية استراتيجية واضحة تهدف إلى تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في الواقع، بما يضمن الانتقال من اقتصاد ريعي أحادي الجانب إلى اقتصاد متنوع الإنتاج، إذ أن استمرار غياب رؤية اقتصادية شاملة منذ عام ٢٠٠٣ قد أسهم في تعميق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.

ثامنا: تعزيز جهود مكافحة الفساد المالي والإداري بوصفه أحد أبرز المعوقات الأساسية للتنمية الاقتصادية لما له من أثر مباشر في هدر الموارد العامة وإضعاف فاعلية السياسات الاقتصادية والنقدية.

تاسعا: إعادة النظر في السياسات المالية والنقدية بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستقرار السعري وتحفيز النمو الاقتصادي، والعمل على تنسيق أكبر بين أدوات السياسة النقدية والمالية للحد من الضغوط التضخمية.

تاسعا: الخاتمة

تناولت هذه الدراسة موضوع التضخم في العراق بين التضخم الرسمي والتضخم المكبوت (المعاش)، بوصفه أحد أبرز الظواهر الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في مستوى معيشة الأفراد واستقرار الاقتصاد الكلي. وقد تبين من خلال التحليل النظري والتطبيقي أن ظاهرة التضخم في العراق لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، وإنما هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، أبرزها الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي، والاعتماد الكبير على قطاع النفط، وضعف القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، فضلا عن التأثير الكبير بتقلبات أسعار الصرف والظروف الاقتصادية العالمية.

كما أوضحت الدراسة أن التضخم في العراق يتخذ في جزء كبير منه طابع التضخم المستورد، نتيجة الانفتاح الكبير على الأسواق الخارجية والاعتماد الواسع على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المحلية. وفي المقابل أظهرت النتائج وجود فجوة واضحة بين التضخم الرسمي الذي تعلنه المؤشرات الإحصائية، والتضخم المعاش الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية، الأمر الذي يعكس اختلافا في قياس الظاهرة وعدم تطابقها الكامل مع الواقع الفعلي للأسعار.

وتوصلت الدراسة إلى أن معالجة التضخم في العراق تتطلب تبني سياسات اقتصادية شاملة، لا تقتصر على الجانب النقدي فقط، بل تمتد إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين آليات قياس التضخم بما يضمن دقة أكبر في التعبير عن الواقع الاقتصادي. وفي ضوء ما سبق، فإن فهم ظاهرة التضخم في الواقع يتطلب النظر إليها ضمن سياقها البنيوي والتاريخي والاقتصادي، وليس كظاهرة نقدية معزولة، بما يتيح وضع سياسات أكثر فاعلية في الحد من آثارها وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

عاشرا: المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة

البنك المركزي العراقي، النشرات الإحصائية السنوية، أعداد مختلفة.

الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط العراقية، تقارير أسعار المستهلك (CPI) سنوات متعددة.

صندوق النقد الدولي (IMF)، قاعدة بيانات التوقعات الاقتصادية العالمية.

البنك الدولي، مؤشرات التضخم وسعر الصرف للعراق.

وزارة التخطيط العراقية، تقارير التضخم والبيانات الاقتصادية السنوية.

منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، بيانات أسعار الغذاء العالمية (لأغراض المقارنة).

الدكتور محمد طاقة – كتاب التضخم والبطالة جدلية الاقتصاد والسياسة – دار آمنة للنشر والتوزيع عام ٢٠٢٥.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *