معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

نوستالجيا الهروب: كيف صنع جيل التسعينات هويته من التناقضات؟

حجم الخط

بقلم : محمد بن كريم

بينما طوى العالم القرن العشرين بهدوء، على أعتابه كان هناك جيل يتشكل في صمت ولد من رحم التناقضات، بين جيلين مختلفين وقرنين متباينين نشأ جيل التسعينات في موضع تاريخي حرج فرض عليه التكيف مع الصراعات القيمية فقد لقب بالجيل الجسر كونه المخزن الأخير للذاكرة التناظرية والمختبر التجريبي الأول للتحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى التي فرضتها العولمة.

يعتبر جيل التسعينات الأكثر جدلا في هذا العصر خاصة من حيث النشأة والتكوين فهو يربط بين جيل اكس وجيل زد فهو يمتد من مواليد 1981 وصولا إلى مواليد 1996 حيث أنه يمثل جسر العبور العظيم لجميع التحولات التي شهدها القرن الحالي فهو بوابة الحداثة والأممية الخامسة كما يجمع بين واقعين لا يلتقيان أبدا الوسائط التقليدية والرقمنة الشاملة.

شهد جيل التسعينات تحولات اجتماعية عميقة عقب الثورة الرقمية جعلت منه محل متابعة الخبراء والباحثين، فقد تحول مفهوم العائلة التقليدية المتماسكة إلى العائلة النواتية والمجزئة خاصة بعد تآكل السلطة الأبوية كمصدر وحيد للقرار داخلها ففرض منطق الحوار وإبداء الرأي فيها كما انتقل من الفضاء الخارجي والذي يسمى الحي إلى المجموعات الافتراضية والمغلقة، كما شهد الجيل تأخر في النضج الاجتماعي أي مراهقة ممتدة لم تستوعب الصدمة الاجتماعية والتي لم تكن فيها التطورات طبيعية بل قفزات حادة وفجوة في الوجدان، فبالمقارنة مع جيل الطفرة مثلا وهو الجيل الذي ربى هذا الجيل فقد عاش في مرحلة العصر الذهبي للرأسمالية وجاء من بعده جيل اكس والذي شهد التحرر الاقتصادي أما جيل التسعينات فقد واجه تبعات الركود الاقتصادي الكبير مطلع القرن الحالي من خلال الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، والتي أدت إلى الانهيار المستمر للنقابات والوظائف المستقرة بدوام كامل فولد مشاكل مادية لأبناء الجيل وتأخر في سن الزواج، فحسب صحيفة كشفت دراسة أمريكية أن أبناء هذا الجيل حصلوا على درجات The Express Tribun

جامعية أكثر من أي جيل سابق في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصل حوالي 40% منهم على الباكالوريا في المقابل ورد في تقرير البنك الاحتياطي الفيدرالي أن جيل التسعينات يكسب أقل بنحو 20% من الأجيال الأخرى، إذ تعكس هذه الفجوة أكثر من مجرد ركود الأجور بل إنها علامة على تحولات هيكلية أعمق في الاقتصاد والتي تركت العديد من أبناء الجيل عالقين ماليا، أما في تونس مثلا وحسب المعهد الوطني للإحصاء تشير البيانات التراكمية إلى أن نسبة الذين أتموا التعليم العالي في تونس من الفئات الشابة (25 سنة فأكثر) بلغت حوالي 16.8% كنسبة عامة، لكنها ترتفع لتتراوح بين

خصيصا عند التركيز على جيل التسعينات. 25 %و 30%

مزقت التناقضات هذا الجيل فهو في صراع دائم بين التمسك بالقيم التي نشأ عليها والمد الجارف للعولمة وتبعاتها فقد تشكلت الخلايا الأولى له على أفكار ومبادئ مرتبطة بالأرض والأسرة، ثم وضع مبكرا في مهد التحولات العالمية فقد فرضت عليه العولمة لغة جديدة و آليات بحث ومعرفة غير تلك التقليدية مما جعلة يعيش في اغتراب داخلي دائم فهو في حنين إلى الورق والقلم و الحبر كوسائل معرفة تقليدية لكنه يبقى ملزما بالتعامل مع الوسائل الرقمية والحديثة كالأنترنيت والتعليم عن بعد لاستسقاء المعلومة و تطوير معرفته، فولد هوية ممزقة يغلب عليها النوستالجيا من ناحية و مواكبة التحول الرقمي من ناحية أخرى. أدى انغلاق عديد منهم في إطار العزلة الثقافية إلى بروز تضخم الذات والشعور بالتميز والعظمة قبل أن يصطدموا بالانفتاح العالمي الذي فرض تصالحا مع الأشكال الثقافية المتعددة فهي ضريبة العبور للعالم الجديد.

بقلب يعيش في الماضي وعقل يخط في المستقبل يحاول الجيل الفريد أن يربط بين عالمين لا يلتقيان أبدا مما جعله في حالة ارهاق ذهني متواصل وقلق دائم فكل هذه التناقضات والصراعات ولدت أزمات نفسية خانقة، فبدايته كانت في عصر بطيء تراكمي وفجأة تحول إلى عصر يطالبه بتحديث مهاراته كل شهر فمتلازمة الالتحاق بالركب لا تغادره أبدا مع كل تحديث رقمي مما جعله في حالة احتراق نفسي صامت فقد أظهرت دراسة قام باحثون في جامعة سيدني الأسترالية نشرت في مجلة

Proceedings of the National Academy of Sciences

إن الذين ولدوا في التسعينات يمتلكون صحة نفسية أسوأ من أي جيل سابق ولا يتعافون مع تقدمهم في السن، وقد استخدموا دراسات استقصائية لتتبع الصحة العقلية لقرابة 30 ألف لشخص بالغ وجدوا أن هذا الجيل لم يكن الأسوأ بل أظهرت مشاكلهم العاطفية علامات تحسن قليلة على عكس الأجيال الأكبر سنا، فالاغتراب الحاصل من كل هذه المفارقات المختلفة على عديد من المستويات هي تمثل جوهر الصراع النفسي فمثلا علماء النفس يلاحظون أن جيل التسعينات الأكثر استهلاكا لمنتجات الحنين كالمسلسلات القديمة والأفلام الكرتونية والألعاب القديمة وهو الهروب من الواقع الرقمي والسياسي البارد إلى الماضي البسيط حيث الأشياء الملموسة والوقت الممتد والأمان النفسي والعاطفي المرتبط أساسا بالأسرة التقليدية

رغم البعد الإيجابي الذي تركته العولمة على هذا الجيل مما جعله يواكب ركب التطور إلا أن الصدمة الحضارية كان لها تأثير نفسي عميق عليه خاصة من خلال وسائل التواصل الحديثة، فالدكتور بيتر بالدوين أحد الباحثين في المعهد الطبي للأبحاث بلاك دوغ يقول” إن التكنولوجيا هي المسؤولة إلى حد كبير موضحا أن الأشخاص الذين ولدوا في الثمانينيات كان لديهم الإنترنت، لكن أولئك الذين ولدوا في التسعينيات لديهم وسائل التواصل الاجتماعي، والتي جلبت معها طوفانا من المقارنات الاجتماعية التي تضر جدا بالصحة العقلية”

رغم أن كل التناقضات والتحولات العميقة التي أدت بدورها إلى فجوة حضارية للجيل الجسر إلا أنها جعلتهم يمتلكون ثراء معرفيا متنوع يمتد بين فترتين زمنيتين مختلفتين لم يتميز به أي جيل آخر فهم الأكثر قدرة على استحضار الثقافة القديمة وإعادة هيكلتها وتقديمها بطابع عصري حديث فالذاكرة البصرية والسمعية ثرية ناتجة عن تنوع لمصادر التلقي في الصغر فتصبح بالضرورة النوستالجيا ليست فقط للذكرى بل قوة دافعة ومصدر للإلهام نحو الإبداع الفني، خلق كل هذا الإرث الفني والابداعي وعيا حضاريا مزدوجا جعله يتفوق في كل الميادين رغم الأوضاع العالمية المتذبذبة.

لم يثني الاغتراب الحضاري الذي عايشه جيل التسعينات من خلق إرث ثقافي ثري قائم على تطويع الماضي بقالب عصري خاصة مع استمرار المقارنات الاجتماعية وضغوط التحديث المستمر إضافة إلى الضغوطات النفسية والأزمات الاقتصادية تمكن هذا الجيل من صياغة هوية تجمع بين المتناقضات ليخلد التاريخ كأكثر الأجيال حارسا للتراث القديم ورائد الحداثة الأول.

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *