أ. د. محمد طاقة
عبر التاريخ لم يخلُ مجتمع من صراع بين الأجيال ، صراع يمكن تسميته ب( صراع العقول ) ، انه صراع بين عقل تشكل في سياق اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف ، وعقل جديد ولد في زمن التحولات المتسارعة ، يسعى إلى تجاوز أنماط التفكير التقليدية ، وبناء رؤية اكثر انسجاماً مع روح العصر .
الجيل القديم ، في كثير من الاحيان ، يميل إلى التمسك ، بما نشأ عليه من قيم وعادات وتقاليد ، ويرى فيها حقائق ثابتة لا تقبل المراجعة ، غير ان العالم من حوله لا يتوقف عن التغيير ، فالتطور التكنولوجي في العقود الأخيرة فاق كل تصور ، واعاد تشكيل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية ، بل وأثر على أنماط السلوك والتفكير ذاتها .
وفي زمن الثورة الرقمية ، حيث باتت المعرفة متاحة بضغطة زر ، لم يعُد بالامكان ادارة المجتمعات بعقليات جامدة لا تعترف بسنّة
التغيير ، ان الإشكالية لاتكمن في احترام التراث بل في تحويله إلى قيد يمنع التفاعل الخلاق مع متغيرات الواقع .
لا يزال جزء من النخب التقليدية في عدد من البلدان العربية ، يتأثر بالبنى العشائرية والطائفية والمناطقية، بحيث تصبح هذه الانتماءات معياراً لاتخاذ القرار وتولي المناصب ، ويؤدي هذا المنهج إلى تغليب روابط القربى والانتماء الضيق على معايير الكفاءة والاستحقاق ، ما يفضي إلى إقصاء العقول العلمية والمفكرين واصحاب الخبرة عن مواقع القيادة . ان استمرار هذه الممارسات في مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية ينعكس سلباً على مسار التنمية ، اذ يدار الشأن العام بمنطق الولاء لا منطق الكفاءة ، وبمنطق المحاصصة لا منطق الدولة الحديثة ، وهكذا تتكرس أنماط التخلف ، وتتعثر محاولات اللحاق بركب الامم المتقدمة .
يرى بعض المفكرين ان حالة التراجع في العالم العربي لا ترتبط بالعوامل الداخلية فحسب ، بل تتداخل معها اعتبارات دولية وصراعات جيوسياسية معقدة ، فالنظام الدولي تحكمه مصالح القوى الكبرى ، التي قد لا تنظر بعين الرضا ، إلى مشاريع تنموية مستقلة في المنطقة العربية إذا تعارضت مع مصالحها الاستراتيجية. وقد شهدت المنطقة العربية تجارب تاريخية تعرضت لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية ، كما حدث في العراق وتجربته التنموية الوطنية ، وتجربة مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، فضلاً عما تعانيه دول عربية مثل لبنان وليبيا وسوريا واليمن والسودان من أزمات وصراعات ممتدة . غير ان اختزال اسباب الإخفاق في العامل الخارجي وحده قد يغفل مسؤولية الداخل ، اذ ان ضعف البنية المؤسسية واستشراء الفساد وغياب المواطنة ، عوامل لا تقل تاثيراً في تكريس التخلف
تُعد تجربة العراق مثالاً معبراً عن تعقيد المشهد ، فقد ادى الحكم الثيوقراطي في العراق والمدعوم من قبل الحكم الثيوقراطي في ايران ، إلى جانب صراعات السلطة والطائفية السياسية إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد فضلاً عن تفشي الفساد المالي والإداري ، وأسهمت هيمنة الانتماءات الضيقة على القرار السياسي والانقسام المجتمعي ، واضعاف مشروع الدولة الوطنية الجامعة .
غير ان معالجة هذه الأزمة تكون بإعادة بناء الدولة على اسس المواطنة والعدالة وسيادة القانون ، وتغليب الكفاءة على الانتماء ، والعلم على العصبية . وفي هذا السياق ، يبرز دور أنماط الحكم ذات الطابع الثيوقراطي التي تمزج بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية ، بحيث يصبح الاختلاف الفكري او السياسي محملاً بدلالات عقدية ، عندما
تُقدّم السلطة بوصفها امتداداً للمقدس ، تتراجع مساحة النقد ، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ضمن اطار احادي يضيق بالتنوع .
وهنا يتعمق صراع العقول ، لان العقل الجديد الذي يسعى إلى الحرية الفكرية يجد نفسه في مواجهة منظومة تعتبر كل خروج عن خطابها خروجاً على الثوابت .
ان ربط المجال السياسي بالمقدس ، ينعكس بصورة مباشرة على التعليم والثقافة والإعلام ، حيث تضعف مناهج التفكير النقدي ، ويهمش البحث العلمي ، ومع مرور الزمن ، لا ينتج عن ذلك فقط تخلف تنموي ، بل تتكرس أنماط من الامية المركبة ، أمية معرفية تعيق الإبداع ، وأميّة سياسية تعطل المشاركة
الواعية ، وأميّة رقمية تُبعد المجتمعات عن ركب التطور العالمي .
ان النهضة لا يمكن ان تتحقق إلا حين يمنح العقل حريته الكاملة ، وحين تُفصل السلطة عن القداسة ، ويعاد الاعتبار للتعليم .
فالمشكلة ليست وجود جيل قديم او جيل جديد ، بل في اي عقل نختار ان يقود المستقبل ، عقل يخشى السؤال ، ام عقل يجعل من السؤال طريقاً للتقدم .
في المقابل برز جيل جديد يمكن وصفه ب ((جيل التكنلوجيا)) جيل نشأ في بيئة الانترنيت والهواتف الذكية ، ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي ، هذا الجيل اكثر انفتاحاً على العالم واكثر إدراكاً لحقوقه
وأشد تطلعاً إلى التغيير والمشاركة في صنع القرار . غير ان التحدي لايكمن في الصراع بين جيلين بقدر ما يكمن في كيفية تحويل الصراع إلى حوار بناء ، فليس كل من ينتمي إلى الجيل القديم رافضاً للتغيير ، فهناك علماء ومفكرون واساتذة جامعات ومثقفون يؤمنون بضرورة الاصلاح والتغيير ، لا كنهم قد لا يمتلكون مواقع التأثير ، كما ان الجيل الجديد نفسه يحتاج إلى خبرة وتجربة من سبقوه ، حتى لا يقع في اخطاء الاندفاع غير المدروس .
ان تجاوز ((صراع العقول)) يتطلب ، ارساء دولة المواطنة القائمة على المساواة امام القانون بعيداً عن الطائفية والعشائرية، واعتماد مبدأ الكفاءة والاستحقاق في تولي المناصب العامة . والعمل على تجديد الحياة الحزبية والسياسية عبر تداول القيادة وفتح المجال امام الشباب ، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي باعتبارهما حجر اساس لاي نهضة حقيقية والعمل على تعزيز ثقافة الحوار بين الأجيال بدلاً من منطق الإقصاء .
ان ما نعيشه ليس مجرد صراع بين أعمار مختلفة ، بل بين نمطين من التفكير ، عقل يخشى التغيير ( بل يقف ضده ويحاربه ) ويتمسك بالماضي باعتباره ملاذاً آمناً ، وعقل يسعى إلى التحديث والانخراط في عالم سريع التحول ، غير ان النهضة لا تتحقق بإلغاء احد الطرفين ، بل بخلق توازن واعٍ. بين الأصالة والمعاصرة ، بين الجذور والانفتاح بين الخبرة والتجديد . فمتى ادركت المجتمعات العربية ان التغيير سنةٌ كونية لا مفر منها وان بقاءها مرهون بقدرتها على التجديد ، عندها فقط يمكن ان يتحول صراع العقول إلى شراكة عقول تمهد لنهضة حقيقية مستدامة .
عمان
1/3/2026

