أ. د. محمد طاقة
لم يعُد العالم يُدار بالقانون ، ولاتحكمه القيم
التي طالما بشرت بها الشعوب تحت عناوين براقة كالديموقراطية، وحقوق الإنسان وحرية السوق .
ما يحكم النظام الدولي اليوم هو شكلٌ معاصر
من دكتاتورية القوة ، قوة عسكرية واقتصادية وإعلامية ومعرفية، تتجاوز حدود الدول ، وتعلو على إرادة الشعوب ، وتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصاد وفق مصالح ضيقة لقلة مهيمنة .
لهذا لم تعد الهيمنة فعلاً استثنائياً، بل تحولت إلى نظام عالمي مُؤسس، تقوده شركات عملاقة وتدعمه مُؤسسات مالية دولية ، وتحرسه استراتيجيات عسكرية ، ويُسوق له بخطاب إعلامي قادر على قلب الضحية إلى متهم ، والنهب إلى استثمار ، والاحتلال إلى تحرير .
ونحن نحاول فهم هذا العالم لا كما يقدم لنا ، بل كما هو في بنيته العميقة . وغير منطلقين من ردود فعل عاطفية ، بل من قراءة نقدية للاقتصاد السياسي الدولي ، ولعلاقات القوة غير المتكافئة التي أنتجت فقراً معولماً ، وتبعية مزمنة ، واختلالاً بنيوياً
فيي ميزان العدالة الدولية ، ومن الهيمنة العالمية ، تنتقل هذه القراءة إلى العالم العربي ، بوصفه احد اكثر الفضاءات استهدافاً
في هذا النظام ، فالذي جرى ويجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين ولبنان ، ليس حوادث منفصلة ، ولا أزمات داخلية معزولة ، بل حلقات في مسار تفكيكي طويل ، استهدف الدولة ، والبنى التحتية ، والمجتمع ، والوعي وصولاً إلى اضعاف الإنسان ذاته وتجريده من مقومات الصمود .
ان تفكك العالم العربي لم يكن قدراً ، بل نتيجة تفاعل مُعقد بين ضغط خارجي منظم ، وعجز داخلي ، وانظمة فقدت دورها التاريخي
ونخب ساهمت ( بوعي او بدونه) في اعادة انتاج التبعية وتبرير الانهيار .
وفي قلب هذا المشهد ، يظهر العراق كنموذج صارخ لدولة أُنهكت بالحصار ، ثم الغزو ثم الفساد ، حتى باتت تعيش احدى أضعف لحظاتها التاريخية رغم ما تمتلكه من ثروات وامكانيات بشرية .
وهنا نتوقف عند تحولات العصر الراهن من الذكاء الاصطناعي إلى الإعلام الجديد لا بوصفهما ادوات تقدم محايدة ، بل كوسائل
مزدوجة ، تحمل فرصاً اقتصادية ، لكنها في الوقت نفسه تُستخدم لتشويش الوعي ، واعادة هندسة الرأي العام ، وتكريس سرديات تخدم دكتاتورية القوة ذاتها .
ونحن هنا لا ندعي امتلاك الحقيقة المطلقة
لكننا نطرح تساؤلات مشروعة في زمن تُقمع فيه الاسئلة ويعاد فيه انتاج الإجابات الجاهزة
وهو دعوةًالى اعادة التفكير ، والى كسر المسلمات ، والى فهم ان ما نعيشه ليس ازمة
عابرة ، بل مرحلة تاريخية تتطلب وعياً نقدياً ،
وشجاعة فكرية ، وادارة تحرر حقيقية ، ففي
عالم تحكمه القوة ، يصبح الوعي اول أشكال المقاومة
عمان
1/2/2026

