بقلم محمد بن كريم
مر المسرح التونسي بمراحل مزدهرة خاصة بعد فترة التأسيس الوطني إلا أن إشعاعه وبريقه خفت محليا وخارجيا وشهد ركود فنيا وإنتاجيا غير مسبوق منذ عقود لأسباب عديدة منها فكرية ومرجعية وأخرى تقنية وهيكلية فندرت الجودة الفنية وسط عزوف جماهيري و تهاون السلطة الثقافية عن الإصلاح الراديكالي لأبو الفنون الذي يعيش حالة من التناقضات ومحاولة السطو الإمبريالي على جوهره العميق
منذ نشأة المسرح التونسي إبان الإستقلال بعد دعم الدولة الوطنية للمسرح ومراهنتها عليه في المساهمة في نشر الوعي الثقافي ويأتي وذلك في إطار تحديث أجهزة الدولة خاصة بعد الخطاب الشهير للزعيم بورقيبة سنة 1962 والذي تطرق إلى كل هواجس المسرحيين وتطلعاتهم في ذلك الوقت كما شدد على أن الفن الرابع هو وسيلة لتثقيف الشعب وهو مظهر من مظاهر تقدم الأمة وتمدنها إذ يقول عبد الحليم المسعودي” أن بورقيبة قد عشق المسرح وهو لا يزال تلميذا في المدرسة الصادقية وفي بعض خطبه السياسية كان يتحدث عن عشقه وغرامه بالمسرح في باريس التي استقر فيها من عام1927- 1924″ فحرص على دعمه فقد أنشأت الفرق المسرحية مثل الفرقة الجهوية للمسرح بصفاقس والفرقة القارة للمسرح بالكاف وبعثت النوادي المسرحية بالمعاهد الثانوية أجريت المسابقات وتم بعث جامعات متخصصة في الفن المسرحي ولئن إقتصر كل هذا على بعض الجهات دون عمق في المناطق الداخلية إلا أنه كرس ثقافة المسرح القاعدي وتوجت بتأسيس المسرح الوطني سنة 1983 والذي كان مؤسسة عامة ذو طابع فني وثقافي ويتمتع بإستقلالية مالية و إزدهرت الأعمال المسرحية خاصة على المستوى المدرسي والجامعي
فقد شهد بعدها المسرح أعمال فنية خالدة ذات سيط وطني وإقليمي وتجلت نجاحاته من خلال تأصله في غالب الأعمال المسرحية التراجيدية منها بالمسرح الغربي الذي يدعي تأصله بالمسرح الإغريقي العريق ويجعل منه مرجعية فلسفية و حضارية وثقافية وهذا ما أدى إلى ركود كبير في الإنتاج الفني وإقتباس للأعمال الغربية كالمسرح الشكسبيري بإستثناء بعض المسارح الكوميدية والإجتماعية التي تبنت مرجعيتها من موروث الفن الشعبي والتاريخي فولد هذا تكرار كبيرا على عديد الأشكال المسرحية السائدة إلا في بعض الإستثناءات فالقدامى كرروا طريقة طرحهم لهواجسهم المسرحية والوافدون الجدد لم يغادروا عباءة القدامى في حين أنه كان من الضروري خلق مرجعية مسرحية متنوعة الثقافات فالمسرح الإفريقي مثلا الذي لم يحضى بإهتمام كبير من مسرحينا فهو يعتبر من أكثر المسارح العالمية ثراء و تنوع ثقافي وعمق فكريا لا يستهان به والذي بدوره وقع السطو عليه خاصة في الحقبة الإستعمارية المريرة فالتحرر من المسرح الغربي بات أكثر المطالب من النقاد والخبراء المسرحيين والإنفتاح على مسارح أخرى ذات مرجعية ثرية لا مرجعية مستهلكة و مكررة ثم أتت بعد ذلك فترة التسعينات المتزامنة مع بداية مد العولمة في العالم تراجعت النوادي المسرحية في المؤسسات التربوية و الأكاديمية وعاش حالة من الموت السريري خاصة بعد تنقيح النظام التعليم التربوي سنة 1991 حيث تخلت دواوين وزارة التعليم العالي عن المسرح الجامعي فأتاح الفرص أمام الشركات الخاصة لسد الفراغ الحاصل فبرز جيل لا يكاد يعلم شيء عن المسرح تقريبا وهذا ما ولد مع الوقت عزوف الجماهير عن قاعات العروض لأن الثقافة المسرحية عند الشباب أصبحت معدومة وذلك بضرب التربية المسرحية والتكوين القاعدي مما عمق الأزمة وحتى بعد 2011 لم تتجرأ الحكومات المتعاقبة على إيجاد حل جذري لأزمة المسرح الراهنة و إقتصروا على الحلول الوقتية فقط
تحول الفن الرابع منذ عقود من أداة تأثير فكري وأخلاقي وبناء ثقافي في المجتمع إلى أداة تحكم من قبل الأنظمة الكولونيالية التي حولته إلى مسرح تجاري من خلال توظيفه لخدمة مصالح شخصية ضيقة ونزع غطائه الثوري الناقد للسلطة والمجمع لكافة الأطياف فأصبح يقبع تحت وطأة الأنظمة القمعية وإنخرط في التجاذبات الحزبية خاصة بعد 2011 فتحول إلى مسرح سياسي مبتذل يتصف بالعقم في معالجة أهم القضايا الحارقة في المجتمع فمثلا موضوع الإرهاب تتم معالجته في المسرح الراهن على أساس أنه ظاهرة حينية وليس فكر متأصل وذو مرجعية تأويلية متطرفة وكذلك لاحظنا إهمالا واضحا لعديد القضايا الإجتماعية كالإدمان على المخدرات وإنتشاره في المحيط المدرسي
المسرح الحر لا ينبغي أن ينضوي تحت أجنحة السلطة أو اللوبيات الحزبية بل يجب أن يطور من طريقة طرحه للمواضيع بعمق فلسفي وثقافي والالتزام بالموضوعية والحيادية إزاء قضايا الأمة وفتح قنوات حوار وطني شامل حول الأليات الحديثة لتطوير المسرح في معالجة أعقد القضايا الاجتماعية
كما شهد الإنتاج المسرحي تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة وذلك لأسباب عديدة منها تضائل دعم المالي للدولة و غياب إستراتيجية واضحة مما أدى إلى فتح الباب على مصراعيه لبارونات الإنتاج الخاصة للسيطرة على وسائل الإنتاج وتوظيفها للنص لغاياتها الضيقة و توقف عديد المسرحيين الكبار عن تقديم الأعمال المسرحية و الإنتاج لأسباب مختلفة على غرار عبد القادر مقداد وسليم الصنهاجي مما ولد فراغ مسرحيا كبيرا فتح الباب أمام المتطفلين والدخلاء وفيما يتعلل البعض على نقص الإنتاج المسرحي إلى قلة النصوص المسرحية لكن الحقيقة تكمن في ضعف الأدوات التقنية المتعلقة بالإنتاج والإخراج و قلة الموارد المسرحية فالكتاب المسرحيون الموهوبون كثيرون وأقلامهم لا يجف حبرها أبدا عن إبداع وروعة فنية والإقبال المكثف على مسابقات الكتابة المسرحية الدورات التكوينية في الكتابة الدرامية أبرز دليل على ذلك
كل هذا التهميش أثر بشكل من الأشكال على الطفرة المسرحية وأخفتت إشعاعها خاصة في مرحلة التأسيس التي كانت ذو إشعاع كبير في العالم العربي للترويج للثقافة التونسية
يحتاج المسرح التونسي بث نفس ثوري و تجديدي يقطع مع الإملاءات والتكرار من خلال إصلاح هيكلي قائم على مراجعة التشريعات المنوطة به حتى يستعيد روحه الإبداعية وجماله المفقود.

