معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

هجرة المرأة إلى المسرح: قراءة سوسيولوجية وجمالية

حجم الخط

بقلم

محمد بن كريم – تونس

 

شهد المسرح التونسي خلال العقود الأخيرة، ولا سيما منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، حضورا نسويا لافتا ونقلة نوعية في الوعي الفكري والجمالي للمرأة، تجلت في أعمال مسرحية عكست قضاياها الوجودية والاجتماعية، ولامست بجرأة عديد التحديات التي ظلت لعقود طويلة مسكوتا عنها. وقد مثّلت هذه الطفرة المسرحية النسوية نتاجا لتراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية مهّدت لانخراط المرأة في الفعل الإبداعي المسرحي بوصفه فضاء للتعبير والتحرر

انخرطت المرأة التونسية في المسرح منذ بدايات القرن العشرين، وبرزت أسماء رائدة مثل عائشة الصغيرة وفضيلة الختيمي التي تعد أول امرأة تؤسس فرقة مسرحية سنة 1928 كما شهدت الأربعينات تأسيس فرقة «الكوكب التمثيلي» التي ضمّت مبدعات من طينة شافية رشدي. ورغم هذه البدايات الريادية، ظل حضور المرأة في المسرح محدودًا ولا يعكس طاقتها الإبداعية الحقيقية. وعلى الرغم من تكريس الدولة الوطنية بعد الاستقلال مبدأ المساواة بين الجنسين، وسعيها إلى تحرير المرأة وإدماجها في الحقل الفني، خاصة مع تأسيس «المسرح الحديث» سنة 1959 على يد المنصف شرف الدين، فإن الإقبال النسوي ظل ضعيفًا، وذلك بفعل هيمنة الثقافة الذكورية، وطبيعة المجتمع المحافظ الذي كان ينظر بعين الريبة إلى اشتغال المرأة بالفن، فضلا عن ارتفاع نسب الأمية آنذاك.

عرف المسرح النسوي خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي انتعاشه نسبية بظهور أسماء بارزة مثل جليلة بكار وناجية الورغي ومنى نور الدين، غير أن هذا الحضور ظل محصورا داخل فرق مسرحية بعينها وفي فضاءات جغرافية محدودة، دون امتداد فعلي إلى الجهات الداخلية أو الفضاءات المدرسية والجامعية. ولم تتحقق النقلة النوعية إلا مع مطلع الألفية الثالثة، سواء عبر الفرق المسرحية أو من خلال الفضاءات التكوينية المستقلة وتواصل هذا المد النسوي وبلغ ذروته بعد سنة 2011 فلم تعد هذه الهجرة مجرد رغبة عابرة، بل تحولت إلى واقع مؤسساتي حيث شهدنا تغيير في خطاب المرأة إذ أن جيل الثمانينات كان يركز غالبا على القضايا الاجتماعية و السياسية العامة في حين أن الجيل الحالي اتجه نحو القضايا الذاتية المتعلقة بالجسد والتحرر الفردي حيث ارتفع عدد النساء المنخرطات في المسرح، تترجمه لغة الأرقام حيث تشير إحصائيات التوجيه الجامعي بوزارة التعليم العالي 2024 إلى أن نسبة الإناث الملتحقات بالمعهد العالي للفن المسرحي باتت تتراوح بين 60% و65% من إجمالي الطلبة، مما يؤكد أن مستقبل صناعة المسرح في تونس يتشكل اليوم بأياد نسوية

إن من أحد أهم أسباب هجرة المرأة للمسرح في تونس هو تقارب لغة الأنثى مع لغة الفن الرابع ففي سيكولوجية المرأة خاصة في تعاملها مع الرجل داخل الأسرة إذ أنها تتعامل مع مشاكلها اليومية بالكلام والتفسير عبر الحاجة السيكولوجية للتفريغ الانفعالي و البحث عن مساحات للتعبير عن المسكوت عنه فهي على عكس الرجل تماما تحتاج دوما إلى شخص لكي تعبر و تتكلم بحرية عن ما يجول بخاطرها، فهي قد لا تتحدث عن مشكلة آنية ولكن حاجتها للتعبير ملحة دائما أكثر من إيجاد الحلول فتشعر بعد ذلك بالراحة فعجز القوالب التعبيرية التقليدية عن استيعاب قضايا المرأة المعاصرة أدى إلى التراكم القمعي الذي ولد حاجة للبوح الفني وهنا نعني بالمسرح و هو في الأصل أداء عبر الكلام والحركة والرقص بهدف التعبير عن المشاعر والأفكار، وتحقيق متعة فكرية وجمالية فيصبح المتنفس الوحيد لها لإبلاغ مشاكلها وقضاياها وطموحاتها المقبورة حيث يقول الدكتور طارق كمال النعيمي في كتابه سيكولوجية المرأة والرجل “يفكر الرجل بصمت وتفكر المرأة بصوت مسموع”

إن المرأة حين تتعمد الشكوى واللوم المتواصل فهي صفة خاصة في سيكولوجية المرأة لتحقق الراحة فعند الصد الذكوري تلجأ للمسرح كفضاء تعبيري حر ليعطيها مجالا واسعا لكي تعبر عن كل هواجسها وتطلعاتها، وهو ما يفسر هذا الاندفاع نحو أب الفنون ويظهر بجلاء في الفضاءات المستقلة التي منحت المرأة هامشا أكبر من الحرية إذ تسجل نوادي المسرح في فضاءات كـ “التيا ترو” و”مدار” نسب إقبال نسوية مذهلة تصل إلى 80% في ورشات الهواة، وهي أرقام تعكس بوضوح كيف تحول الركح إلى ملاذ آمن تتفوق فيه الرغبة في التعبير النسوي على الحضور الرجالي الذي بات يشهد تراجعا ملحوظا في هذه الفضاءات

شكلت سطوة العائلة والسلطة الأبوية والزوجية لسنوات طويلة عائقا أمام انفتاح المرأة على المسرح غير أن التحولات الحداثية، وارتفاع مستوى تعليم المرأة، واستقلالها الاقتصادي، مكنتها من كسر القيود التقليدية واتخاذ المسرح ملاذا آمنا من القمع الرمزي والاجتماعي.

لا يقتصر هذا الحضور على الكم فقط، بل يمتد إلى جودة المنجز الفني فقد تنوعت التجارب المسرحية خاصة في المونودرام والذي كان حكرا على الذكور في فترة معينة شهدت منصات التتويج في “أيام قرطاج المسرحية” دورة 2025 هيمنة نسوية مطلقة، حيث حصدت الأعمال التي تقودها النساء إخراجا ونصا أكثر من 70% من الجوائز الكبرى، وعلى رأسها مسرحية “الهاربات” للمخرجة ليلى طوبال التي توجت بالتانيت الذهبي في آخر دورة من أيام قرطاج المسرحية، إلى جانب فوز لبنى نعمان بجائزتي أفضل ممثلة وأفضل نص في ذات العمل، مما يثبت أن هجرة المرأة للمسرح كانت هجرة نحو القمة والإبداع.

في المقابل شهدنا تراجعا ملحوظا في إقبال الرجال على المسرح في المسارات الأكاديمية أو الهاوية، حيث أصبحت الفضاءات التكوينية شبه محتكرة من قبل العنصر النسوي. كما تغيرت نظرة العائلات إلى مشاركة المرأة في المسرح، وارتفع الوعي بأهميته في بناء شخصية متوازنة وقادرة على الاندماج الفاعل في المجتمع

ورغم هذا الازدهار النسوي اللافت، لا يزال المسرح النسائي في تونس يعاني من إشكاليات عدة، أبرزها معالجة القضايا الأنثوية من منظور ذكوري، بحكم أن التراث المسرحي العالمي تراث ذكوري بامتياز في جوهره، منذ المسرح الإغريقي الذي أقصى المرأة وجرّدها حتى من حق المشاهدة فوجب العمل على دراسة كيفية إعادة صياغة القضايا الأنثوية بعيدا عن المنظور الذكوري وتطوير لغة مسرحية تتناغم مع السيكولوجية الخاصة للمرأة.

أصبحنا نرى حضورا مميزا وكبيرا للعنصر النسوي في جل الأعمال والعروض المسرحية، ومن جميع الفئات العمرية، نذكر وجيهة الجندوبي في عملها المسرحي “البيق بوسا” الذي استطاعت من خلاله وبطابع ساخر أن تعري الواقع السياسي، وتتناول مسائل اجتماعية من بينها الفرق الشاسع بين الطبقات الاجتماعية في تونس والبيروقراطية، إضافةً إلى طرح قضية الجسد الأنثوي في المجتمع

كما تضاف إلى ذلك هيمنة الرجال على وسائل الإنتاج، وغياب استراتيجية ثقافية واضحة لدعم المسرح النسوي حيث ساهمت سياسة المركزية الثقافية في جعله محاصرة بجغرافيا المدن الكبرى إذ تكشف تقارير وزارة الشؤون الثقافية 2024 عن فجوة جغرافية عميقة بين العاصمة والجهات الداخلية، حيث تنخفض نسبة مشاركة المرأة في النوادي المسرحية بدور الثقافة بالداخل إلى أقل من 30%. وهو ما يضعنا أمام استحقاق وطني لتعديل كفة الديمقراطية الثقافية لتقليص الفجوة بين المركز والجهات الداخلية وذلك بتوفير صناديق تمويل إبداعية خاصة بهم وتخصيص منح إنتاجية للأعمال التي تقودها النساء وخلق حاضنة للأعمال الفنية عبر توفير استشارات قانونية ومالية للخريجات الجدد لمساعدتهن على تأسيس شركات إنتاج مستقلة ضمان وصول فعل التحرر المسرحي لكل نساء تونس ونتجنب اختلال بنية المسرح الوطني النسوي.

يمثل تصاعد الحضور النسوي في المسرح التونسي إعادة لتشكيل لغة الركح بوصفها فضاء للبوح والتحرر من الرقابة الاجتماعية ورغم الهيمنة الكمية والنوعية للمبدعات في المحافل الأكاديمية والجوائز الكبرى، إلا أن تحديات المركزية الثقافية والفجوة الجغرافية لا تزال تعيق شمولية هذا التأثير فاستدامة هذا المنجز رهينة بابتكار استراتيجيات تدعم الإنتاج النسوي وتفكك الموروث الذكوري في الفضاءات الإبداعية وبذلك، يظل المسرح الملاذ الأكثر قدرة على استيعاب تطلعات المرأة التونسية وصياغة مستقبل فني يتسم بالتوازن والديمقراطية الثقافية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *