ميمونة أعكي – المغرب
الجو ممطر، والسماء كأنها تبكي فوق المدينة، وأنا قرب النافذة أحتسي كوب الشاي الساخن، أراقب قطرات المطر وهي تتسابق على الزجاج، والمدفأة تلتهم الحطب لتدفئة المنزل. عجيب أمر هذه المدفأة، تضحي بالخشب لتمنح الإنسان دفئًا، وكأنها تعلم أن البقاء لا يكون إلا بالتضحية.
نظرت في أرجاء المنزل فلم أتذكر شيئًا، كل شيء بدا غريبًا كأنني أعيش في بيت لا أعرفه. وبينما كنت ساهٍ في النظر إلى الشارع، رن هاتفي فجأة، فمددت يدي إلى الطاولة الصغيرة بجانبي، رفعت الهاتف دون أن أرى اسم المتصل، بقيت عيناي مسمرتين على المطر، وأجبت بصوت خافت: “ألو”.
جاءني صوت الدكتور أحمد: “أهلاً بك يا أشرف، كيف حالك اليوم؟”
أجبته وأنا أتحرك نحو الكرسي الخشبي أمام المدفأة لأجلس: “الحمد لله، كما العادة، لا شيء يتغير.”
قال بنبرة فيها شيء من العتاب: “لماذا لم تأتِ لحصة اليوم؟”
أجبته وأنا أنظر إلى النار المتراقصة: “لم أعد أريدها، لأنني لن أتذكر أي شيء. سأعيش حياتي من جديد، لا داعي للذاكرة القديمة.”
صمت قليلًا ثم قال: “افعل ما تريد، لكن إن غيّرت رأيك فنحن رهن إشارتك.”
شكرته وأغلقت الخط، وعدت إلى المدفأة والشاي.
لكن عندما رفعت عيني، وقعت على رف مكتبتي، حيث تراصّت كتب التنمية البشرية. لأول مرة منذ عودتي إلى المنزل قبل أسبوعين، اقتربت منها لأتصفحها. تمنيت لو أنني لم أفعل، لو أنني أبقيت نظري على النار، لأن تلك الكتب أيقظت شيئًا لم أكن أظن أن الذاكرة ستعيده. فجأة، عاد المشهد الأول، أول يوم لقائنا يا وردة.
تذكرت ذلك اليوم أمام رفوف أكبر مكتبة في المدينة، كنتِ تبحثين عن كتب التاريخ لتخصصك في الجامعة، وكنتُ أبحث عن كتب التنمية البشرية لتخصصي أيضًا. لم يكن أحد منا يظن أن تلك الكتب ستكون معجزة تجمعنا. سألتك عن الرف الخاص بكتب التنمية البشرية، لكنني غرقت في جمالك، فلم أعد أريد الكتب، بل أصبحت أسير حضورك.
تطورت علاقتنا، وأصبحنا نلتقي كل يوم في مقهى الجامعة، نختلس من الزمان ساعاته لنقرأ معًا في المكتبة. كنتِ تحبين كل شيء أكتبه لك، سواء رسائل أو أشعار، وكنتُ مولعًا بك، وكنتِ مولعة بي. لكن ذلك لم يدم طويلًا.
أتذكرين ذلك اليوم الذي تعرضت فيه لحادث السير؟ حين اتصلوا بك لتأتي إلى المستشفى؟ ذلك اليوم الذي انتهى فيه كل شيء، عندما أخبرك الطبيب أنني فقدت الذاكرة ولن أستطيع أن أتذكر شيئًا. دخلتِ عليّ الغرفة، وعندما رأيتك سألتك ببراءة: “من أنت؟” فأجبتِني بصوت مكسور: “أنا عابرة سبيل.”
اليوم، وبعد أن قال الدكتور إنني لن أتذكر، تذكرت كل شيء. لكنني كنت أتمنى ألا أتذكر، لأن ذكراك جرحتني كثيرًا. عدت للكتابة من أجلك، لأفهم لماذا قلتِ إنك عابرة سبيل، ولم تكوني ذراعي لأتذكر؟
لن أروي لك كيف عشت وأنا بلا ذاكرة، لأن ذلك سيؤلمك، وأنا لا أريد أن أحزن من كان عبير سبيل في حياتي. لكنني أقول لك الآن: إن كنتِ ممن يقرأ هذه القصة، ستجدينني في نفس المكان، أمام النافذة، قرب المدفأة، لكنني بذاكرتي هذه المرة.
يا ليتني لم أتذكر، لأبقى عالقًا في النسيان، وتبقين عابرة سبيل، لا صاحبة العيون التي تشبه عود الكبريت، تلك العيون التي أشعلتني يومًا وأحرقتني اليوم.

