أ. د. محمد طاقة
إن ما نعيشه اليوم هو حياة بلا رؤية ، كل شيء فيها غير واضح ، نسير نحو المجهول ، بل نسير نحو نهايتنا . عالمٌ فقد قيمه وأخلاقه ، عالم مجّرد من الإنسانية ، عالم متوحش بشكل غير مسبوق ، نقتلُ بعضنا بعضا ، ولا قيمة للإنسان ، حتى الأطفال والنساء لم يعودو ا في مأمن .
اصبحت البشرية مشروع قتل ، وانتهاك للحقوق المشروعة . اكثر من ثلثي البشرية يعيشون في فقر مدقع ، بلا دخل ، بلا عمل ، بلا مأوى ، ونحن جميعاً نعيش في عالم مجنون ، بلا رحمة ، بلا حب ، وقد تجردنا من إنسانيتنا .
عالم فقد توازنه ، وتغلّب فيه الجانب المادي على الجانب المعنوي ،خاصة بعد هيمنة الأوليغارشية المؤسساتية على راس المال ، والإعلام ، والقوة العسكرية ، وفرضت هذه المنظومة نفسها على العالم ، مستغلة على ما تمتلكه من قوة اقتصادية وعسكرية وإعلامية وتكنولوجية هائلة، لتفرض ما تشاء على شعوب العالم ودولهم .
هذه المنظومة تعمل بوعي على إفقار الشعوب من خلال تحكمها بالاقتصاد ومساراته عبر الشركات العملاقة والمتعددة الجنسيات ، بحيث تجعل الشعوب عاجزة عن التمرد والعصيان ، ورفض الواقع المزري الذي تعيشه . وبهذا يصبح من السهل قيادتها وإخضاعها للأمر الواقع .
إن ما نعيشه اليوم أقسى بكثير مما عاشه الإنسان في العصور الوسطى ، بسبب التطور التكنولوجي الهائل الذي تحتكره هذه الأوليغارشية وتوجهه لمصلحتها ، من اجل تعظيم راس مالها وتوسيع سيطرتها وهيمنتها عل العالم .
عالمنا اليوم عالم القوة المفرطة ، عالم يفرض فيه القوي سلطته على الضعيف ، ويتحكم به ، ويستغل ثرواته ، ويحدد سلوكه ، وطريقة تفكيره وكل حياته ، وفي الوقت نفسه ، يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان . أي عالم هذا الذي نعيش فيه ؟ حريتنا مسلوبة وكرامتنا منتهكة ، ولا نتمكن من التحرر ، لاننا مكبلون ، فاقدوا الإرادة ، بفعل الجهل والفقر والتخلف ، وكلها اوضاع فرضت علينا قسراً .
انه عالم يستغل فيه الإنسان اخاه الانسان ، ويستغل فيه قوة العمل ابشع استغلال من اجل تحقيق المزيد من الارباح .
إن المنظومة الرأسمالية هي السبب في هذه المأساة التي تعيشها البشرية ، فهي سبب الفقر والجوع والتخلف والاضطهاد ، هي التي تنشر الجهل وتخلق الفتن ، وتشجع على الاقتتال ، وتدفع نحو الحروب ، وتستنزف قدرات الامم وإمكاناتها المادية والبشرية ، وتهيمن على الموارد بكل اشكالها واينما وجدت . وهي التي تضلل وتخدع وتكذب مستخدمة الاعلام ، وهي التي تقضي على كل من يناهضها ويقف ضد سياساتها وأهدافها .
ولكن مهما طال صبر الشعوب وتحملها غير المسبوق ، ومهما سكتت على معاناتها ، ومأساتها ، سيأتي اليوم الذي تنفجر فيه الشعوب في وجه هذه العبودية المعاصرة . ومهما بلغت هذه المنظومة من قوة وجبروت ، فإن الشعوب في النهاية ستنتصر ،
وسينهار هذا النظام الفاسد الظالم ، الفاقد للإنسانية ، نظام العولمة الرأسمالية المقيتة .

