معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

صراع العقول (( بين جمود الماضي وتحديات الحداثة ))

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

عبر التاريخ لم يخلُ مجتمع من صراع بين الأجيال ، صراع يمكن تسميته ب( صراع العقول ) ، انه صراع بين عقل تشكل في سياق اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف ، وعقل جديد ولد في زمن التحولات المتسارعة ، يسعى إلى تجاوز أنماط التفكير التقليدية ، وبناء رؤية اكثر انسجاماً مع روح العصر .

الجيل القديم ، في كثير من الاحيان ، يميل إلى التمسك ، بما نشأ عليه من قيم وعادات وتقاليد ، ويرى فيها حقائق ثابتة لا تقبل المراجعة ، غير ان العالم من حوله لا يتوقف عن التغيير ، فالتطور التكنولوجي في العقود الأخيرة فاق كل تصور ، واعاد تشكيل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية ، بل وأثر على أنماط السلوك والتفكير ذاتها .

وفي زمن الثورة الرقمية ، حيث باتت المعرفة متاحة بضغطة زر ، لم يعُد بالامكان ادارة المجتمعات بعقليات جامدة لا تعترف بسنّة

التغيير ، ان الإشكالية لاتكمن في احترام التراث بل في تحويله إلى قيد يمنع التفاعل الخلاق مع متغيرات الواقع .

لا يزال جزء من النخب التقليدية في عدد من البلدان العربية ، يتأثر بالبنى العشائرية والطائفية والمناطقية، بحيث تصبح هذه الانتماءات معياراً لاتخاذ القرار وتولي المناصب ، ويؤدي هذا المنهج إلى تغليب روابط القربى والانتماء الضيق على معايير الكفاءة والاستحقاق ، ما يفضي إلى إقصاء العقول العلمية والمفكرين واصحاب الخبرة عن مواقع القيادة . ان استمرار هذه الممارسات في مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية ينعكس سلباً على مسار التنمية ، اذ يدار الشأن العام بمنطق الولاء لا منطق الكفاءة ، وبمنطق المحاصصة لا منطق الدولة الحديثة ، وهكذا تتكرس أنماط التخلف ، وتتعثر محاولات اللحاق بركب الامم المتقدمة .

يرى بعض المفكرين ان حالة التراجع في العالم العربي لا ترتبط بالعوامل الداخلية فحسب ، بل تتداخل معها اعتبارات دولية وصراعات جيوسياسية معقدة ، فالنظام الدولي تحكمه مصالح القوى الكبرى ، التي قد لا تنظر بعين الرضا ، إلى مشاريع تنموية مستقلة في المنطقة العربية إذا تعارضت مع مصالحها الاستراتيجية. وقد شهدت المنطقة العربية تجارب تاريخية تعرضت لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية ، كما حدث في العراق وتجربته التنموية الوطنية ، وتجربة مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، فضلاً عما تعانيه دول عربية مثل لبنان وليبيا وسوريا واليمن والسودان من أزمات وصراعات ممتدة . غير ان اختزال اسباب الإخفاق في العامل الخارجي وحده قد يغفل مسؤولية الداخل ، اذ ان ضعف البنية المؤسسية واستشراء الفساد وغياب المواطنة ، عوامل لا تقل تاثيراً في تكريس التخلف

تُعد تجربة العراق مثالاً معبراً عن تعقيد المشهد ، فقد ادى الحكم الثيوقراطي في العراق والمدعوم من قبل الحكم الثيوقراطي في ايران ، إلى جانب صراعات السلطة والطائفية السياسية إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد فضلاً عن تفشي الفساد المالي والإداري ، وأسهمت هيمنة الانتماءات الضيقة على القرار السياسي والانقسام المجتمعي ، واضعاف مشروع الدولة الوطنية الجامعة .

غير ان معالجة هذه الأزمة تكون بإعادة بناء الدولة على اسس المواطنة والعدالة وسيادة القانون ، وتغليب الكفاءة على الانتماء ، والعلم على العصبية . وفي هذا السياق ، يبرز دور أنماط الحكم ذات الطابع الثيوقراطي التي تمزج بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية ، بحيث يصبح الاختلاف الفكري او السياسي محملاً بدلالات عقدية ، عندما

تُقدّم السلطة بوصفها امتداداً للمقدس ، تتراجع مساحة النقد ، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ضمن اطار احادي يضيق بالتنوع .

وهنا يتعمق صراع العقول ، لان العقل الجديد الذي يسعى إلى الحرية الفكرية يجد نفسه في مواجهة منظومة تعتبر كل خروج عن خطابها خروجاً على الثوابت .

ان ربط المجال السياسي بالمقدس ، ينعكس بصورة مباشرة على التعليم والثقافة والإعلام ، حيث تضعف مناهج التفكير النقدي ، ويهمش البحث العلمي ، ومع مرور الزمن ، لا ينتج عن ذلك فقط تخلف تنموي ، بل تتكرس أنماط من الامية المركبة ، أمية معرفية تعيق الإبداع ، وأميّة سياسية تعطل المشاركة

الواعية ، وأميّة رقمية تُبعد المجتمعات عن ركب التطور العالمي .

ان النهضة لا يمكن ان تتحقق إلا حين يمنح العقل حريته الكاملة ، وحين تُفصل السلطة عن القداسة ، ويعاد الاعتبار للتعليم .

فالمشكلة ليست وجود جيل قديم او جيل جديد ، بل في اي عقل نختار ان يقود المستقبل ، عقل يخشى السؤال ، ام عقل يجعل من السؤال طريقاً للتقدم .

في المقابل برز جيل جديد يمكن وصفه ب ((جيل التكنلوجيا)) جيل نشأ في بيئة الانترنيت والهواتف الذكية ، ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي ، هذا الجيل اكثر انفتاحاً على العالم واكثر إدراكاً لحقوقه

وأشد تطلعاً إلى التغيير والمشاركة في صنع القرار . غير ان التحدي لايكمن في الصراع بين جيلين بقدر ما يكمن في كيفية تحويل الصراع إلى حوار بناء ، فليس كل من ينتمي إلى الجيل القديم رافضاً للتغيير ، فهناك علماء ومفكرون واساتذة جامعات ومثقفون يؤمنون بضرورة الاصلاح والتغيير ، لا كنهم قد لا يمتلكون مواقع التأثير ، كما ان الجيل الجديد نفسه يحتاج إلى خبرة وتجربة من سبقوه ، حتى لا يقع في اخطاء الاندفاع غير المدروس .

ان تجاوز ((صراع العقول)) يتطلب ، ارساء دولة المواطنة القائمة على المساواة امام القانون بعيداً عن الطائفية والعشائرية، واعتماد مبدأ الكفاءة والاستحقاق في تولي المناصب العامة . والعمل على تجديد الحياة الحزبية والسياسية عبر تداول القيادة وفتح المجال امام الشباب ، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي باعتبارهما حجر اساس لاي نهضة حقيقية والعمل على تعزيز ثقافة الحوار بين الأجيال بدلاً من منطق الإقصاء .

ان ما نعيشه ليس مجرد صراع بين أعمار مختلفة ، بل بين نمطين من التفكير ، عقل يخشى التغيير ( بل يقف ضده ويحاربه ) ويتمسك بالماضي باعتباره ملاذاً آمناً ، وعقل يسعى إلى التحديث والانخراط في عالم سريع التحول ، غير ان النهضة لا تتحقق بإلغاء احد الطرفين ، بل بخلق توازن واعٍ. بين الأصالة والمعاصرة ، بين الجذور والانفتاح بين الخبرة والتجديد . فمتى ادركت المجتمعات العربية ان التغيير سنةٌ كونية لا مفر منها وان بقاءها مرهون بقدرتها على التجديد ، عندها فقط يمكن ان يتحول صراع العقول إلى شراكة عقول تمهد لنهضة حقيقية مستدامة .

 

عمان

1/3/2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *