معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

إشارات المرور الحديثة

حجم الخط

د. جمال جباره

 

خارجةً من غواية النوم المتأخر، ارتدت ثيابها في سباقٍ محموم مع الزمن، يطاردها شبح تأنيب مديرها. انطلقت بسيارتها كالسهم، لكنّ رتابة الطريق خانتها حين تجمدت الحركة أمام ضوء إشارة المرور الأحمر، الذي استحال سداً منيعاً ومزعجاً.

في تلك الوقفة القسرية، طوعت “مرآة” السيارة لتكون شاهدةً على فتنتها؛ فبدأت تنظم فوضى خصلات شعرها الفاحم السواد المنسدل كشلال ليلٍ على ظهرها. وبأنامل رقيقة، أخرجت قلم شفاهٍ أسود، رسمته فوق ثغرها الكرزي في محاولةٍ لسرقة الألق من ذلك الشعاع الأحمر القابع أمامها، وكأنها تضفي كبرياءها الخاص على مشهد الإنتظار الممل.

وبغتةً، انشق صمت المقصورة عن رنين هاتفها بنغمته المعهودة، ليختلط الأمر عليها بين نداء الهاتف وصياحِ منبهات السيارات خلفها، وذاك الصوت الجهوري الذي ارتطم بزجاج نافذتها محرضاً إياها على الانعتاق من سجن الإشارة.

بين حيرة الرد وضغط الزحام، استسلمت لنداء الهاتف، فقبضت بيمينها على المقود ومدت يسراها لتجيب. وفي تلك اللحظة الفاصلة، انخطف بصرها بوميضٍ خاطف، شعاعٌ “برقيٌّ” انبعث من كاميرا تعمل بغباءً إصطناعي لا يعرف الرحمة؛ ومضةٌ واحدة كانت كفيلةً بإعلان ثلاث مخالفاتٍ صريحة. حينها فقط، أدركت أن يومها قد صُبغ فعلاً بلون شفتيها وشعرها وتنورتها …

سوادٌ حالك لا يشوبه ضوء .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *