معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

خارج حدود الوصفة الطبية

حجم الخط

بقلم: د. جمال جبارة

اعتدتُ زيارة تلك الصيدلية يومياً؛ أشتري دواءً لم أحتجه يوماً، بل سكنت هي قلبي. كنتُ أكتفي بمراقبة تلك الطبيبة القابعة خلف مكتبها كأيقونةٍ صاغتها يدُ القدر بإتقان، جعلت القمر يغار من نورها. في البداية واجهتني ببرودٍ مهني، ثم تلاشت المسافات بابتسامةٍ خافتة، حتى بات جمالها الصارخ بالنسبة لي هو “الوصفة الطبية” الوحيدة التي أطلبها.

اليوم، عقدتُ العزم على أن أضع حداً لهذا التخفّي. انتظرتُها خارجاً، وفي قلبي كلماتٌ تشتعلُ رغبةً في طرق باب أهلها. انفتح الباب، فخرجتْ.. لكنها لم تكن تمشي! كانت تجلس على كرسيٍّ متحرك، يدفعه عامل الصيدلية بهدوء.

تسمّرتُ في مكاني، لا صدمةً من عجزها، بل ذهولاً من هيبتها ودلالها وجمالها الذي ازداد في عيني وقاراً. شعرتُ حينها أن عجزها الجسدي قد منح إرادتي قوةً مضاعفة. اقتربتُ منها، التقت نظراتنا، ورأت في عيني بريقاً لم تعهده من قبل. تراجعتُ خطوةً للوراء لأفسح طريقاً لها، ثم تقدمتُ خطوةً للأمام…

ابتسمتْ هي بوقار، وهمست بكلمةٍ واحدة قبل أن تتحرك لسيارتها. بقيتُ مكاني أراقب أثر عجلاتها على الرصيف، أتساءل: هل كانت تلك الكلمة مفتاحاً؟ أدرتُ محرك سيارتي منطلقاً وراءها كالسهم قاصداً منزلها وأنا أردد: “لن أتخلى عنكِ”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *