معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

تسعة وتسعون دقيقة 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

لم تكن الحرب على العراق ، منذ اكثر من ربع قرن ، حرباً عسكرية فقط ، بل كانت مشروعاً متكاملاً لاعادة تشكيل الانسان العراقي نفسه .

مشروع أستُخدمت فيه كل الأدوات ، الإعلام ، المال ، السياسة ، وحتى الدين .

ومع ذلك كان الهدف واحداً لا يتغير ، كسر الهوية الوطنية العراقية ، وتحويل شعبٍ عريق إلى كتل متناحرة فاقدة الانتماء .

لقد جرى وبشكل ممنهج ، ضخّ مليارات الدولارات لإنشاء منظومات إعلامية ضخمة ، قنوات فضائية وإذاعات ومنصات رقمية ، تعمل ليل نهار على اعادة صياغة وعي العراقيين ، ولم يكن الخطاب عفوياً بل مدروساً بدقة ، يضرب في العمق ، الطائفية بدل الوطن ، العشيرة بدل الدولة ، والانتماء الخارجي بدل السيادة الوطنية .

وفي موازاة ذلك ، تم تفريغ الدولة من مضمونها . التعليم جرى تشويهه، والمناهج اعيدت صياغتها بما يخدم تغييب الهوية التاريخية للعراق . الصحة والخدمات تركت لتنهار . الفساد لم يكن عرضاً جانبياً ، بل اداة مقصودة لاضعاف الدولة وإفقاد المواطن ثقته بكل شيء . أما الشباب ، فقد كانوا الهدف الأخطر ، بطالة ، فقر ، انسداد الأفق ، وترويج منظم للانحلال والتفاهة ، في محاولة لكسر ارادتهم وتجريدهم من اي طموح أو وعي .

ثم جاء توظيف الدين والطائفية، عبر منابر موجهة ، لتحويل الانقسام إلى حالة دائمة، تدار وتستمر سياسياً .

ربع قرن من هذا المشروع ، ومع ذلك ، لم تنجح كل هذه الجهود في اقتلاع العراق من قلوب أبنائه . ثم جاءت التي لم يحسب لها أحد حساباً .

تسعة وتسعون دقيقة فقط . مباراة كرة قدم ، لكنها لم تكن مجرد مباراة كانت لحظة اختبار حقيقي لمن تبقى من وجدان العراقيين ..

دخل (( اسود الرافدين )) الملعب فقاتلوا بروح لا تقاس بالمهارة فقط بل بالإرادة والانتماء ، لكنها في الحقيقة كانت مواجهة بين مشروعين ، مشروع التفكيك ومشروع الهوية . ومع صافرة النهاية ، لم يكن الفوز مجرد نتيجة رياضية ، بل كان حدثاً وطنياً هزّ الوجدان الجمعي ، دخلوا الملعب وحملوا معهم شيئاً اكبر ، ذاكرة شعب ، وكرامة وطن .

فجأةً خرج شعب العراق الحقيقي إلى الشوارع ، لا طوائف ، لا انقسامات ، لا ولاءات خارجية ، صوت واحد فقط يعلو (( بالروح بالدم نفديك يا عراق )) . هذا المشهد كان صفعة سياسية قبل ان يكون احتفالاً شعبياً ، صفعة لكل من راهن على تفكيك هذا الشعب وإعلان واضح بأن الهوية الوطنية ، رغم محاولات الطمس لاتزال حية .

الاكثر دلالة ، ان هذا الانفجار الوطني لم يقتصر على الداخل فقط ، بل ملايين العراقيين في الخارج خرجوا يحملون العلم ذاته ، ويرددون الهتاف ذاته . حتى أولئك الذين ولدوا بعيداً عن العراق ، ولم يعيشوا فيه يوماً ، اثبتوا ان الانتماء ليس جغرافياً فقط

بل وعي متوارث وذاكرة جمعية حية ، خرج بدوره ليعبر عن انتمائه، وكأن هذه الهوية تسري في دمه ، انها ليست صدفة ، انها أصالة متجذرة تنتقل عبر الأجيال ، تغذيها تربية الآباء والأمهات وتحفظها ذاكرة التاريخ ، هذا الشعب الذي يمتد تاريخه آلاف السنين ، قد يرهقه الغبار ، لكنه لا يفقد جوهره ، وحين تأتي اللحظة المناسبة يظهر معدنه الحقيقي.

هنا تتكشف الحقيقة التي حاولوا إنكارها طويلاً ، يمكنك اضعاف الدولة ، لكنك لاتستطيع قتل الشعب ، يمكنك تشويه الواقع ، لكنك لاتستطيع محو تاريخ .

تسعة وتسعون دقيقة ، وأحد عشر لاعباً ، نسفوا وهماً استمر اكثر من ربع قرن ، أعادوا تعريف المعركة ، واثبتوا ان العراق رغم كل شيء ، لم يهزم .

ما حدث لم يكن مجرد مباراة .. بل لحظة تاريخية سياسية كاشفة ، أكدت ان مشروع التفكيك لم ينجح ، وان الوعي الجمعي العراقي بدءَ يستعيد نفسه ، وهذا هو الخطر الحقيقي بالنسبة لكل من راهن على ضعف العراق ، وان الامل بالمستقبل ليس وهماً ، بل جديد ، يتكون جيل يحمل ذاكرة الألم ، لكنه ايضاً يحمل إرادة التغيير ، وربما من بين تلك الهتافات ووسط الرايات المرفوعة ، ولدت بداية استعادة العراق لمكانته التي يستحقها.

عمان

2/4/2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *