بقلم: محمد بن كريم
في ليلة مسرحية رمضانية كان مسرح مدينة الثقافة على وقع عرض مسرحية “بابا نوال” للممثل المسرحي صابر الوسلاتي وفي تجربة له هي الأولى من نوعها في المونودرام عبر مسرح “وان مان شو” كانت من كتابته وإخراجه كذلك راهن من خلالها على قوة الكلمة وطاقة الجسد فنجح العرض في جذب الجمهور وأخذه في رحلة فنية درامية تواصلت لمدة ساعة وخمسون دقيقة من الأداء المنفرد والمكثف على الركح طارحا عديد القضايا الملهمة محاولا استيفاء آليات جذرية لإصلاحها
يستهل العرض بطرح شخصية بابا نوال الدخيلة على المجتمع التونسي والتي تجوب العالم لتوزع الفرحة على الناس فيستقر الأمر لها بزيارة تونس من خلال رحلة استكشاف تبدأ عبر بوابة مطارها وصولا لأهم معالمها الدينية والتاريخية ، مجسد من خلالها عديد الشخصيات المختلفة متنقلا بينها بمرونة مذهلة في حركات الجسد وطبقات الصوت مما أوهم المشاهد أنه ليس أمام شخص واحد فقط ، مستخدما لغة الجسد ومستغلا الفضاء الركحي من خلال زوايا النظر لإقناع الجمهور بوجود شخصيات أخرى معه في الفضاء فيحاكي الفراغ بتركيز عال يجعل الجمهور يستحضر الشخصية الغائبة. وحافظ الممثل على نفس وتيرة الإيقاع طيلة ردهات العرض مما منع تسرب الملل للجمهور
لم يكن صابر الوسلاتي مجرد مؤد أو ناقل لنص السيناريو بل كان جوقة كاملة من الشخصيات حيث انتقل بحرفية سيميائية بين حالات نفسية مركبة ومتناقضة وقد تخلل هذه المحطات التي مرت بها شخصية بابا نوال حوارات وأحداث هزلية تعري الواقع الاجتماعي والسياسي بأسلوب ساخر معتمدا على الكوميديا السوداء كبناء درامي للنص المسرحي
اتسم العرض بجرأة نقدية جعلته يخترق حاجز الكوميديا والإضحاك البسيط بالتركيز على سيكولوجية التونسي بالتطرق إلى الصراع النفسي الذي يعيشه عبر آلية المونولوغ الدرامي والاغتراب محدثا تساؤلات جوهرية حول طريقة تفكير وعقلية لم تتغير حالت دون رقي المجتمع. كما وظف صابر الوسلاتي الكوميديا للكشف عن جملة من التناقضات التي تعيشها البلاد متمثلة في مواطنين وفنانين وسياسيين وجزء من هياكل دولتها مبينا الانفصام الذي تشهده منذ سنوات طويلة عبر طرح عديد المسائل الحارقة كالهوية والواقع الاجتماعي والثقافي بأسلوب نقدي ساخر أمتع الجمهور لساعات.
نجح الممثل بالتعاون مع فريق تقني متخصص في كسر القوالب الكلاسيكية للسينوغرافيا خلال التوظيف الذكي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تم خلق شخصيات افتراضية تفاعلية على الركح شاركت البطل حواره وتطوراته النفسية، مدعومة بتصميم إضاءة وموسيقى تصويرية دقيقة حددت ملامح الزمان والمكان ليخط بذلك فصلا جديدا في السينوغرافيا المسرحية الحديثة من خلال الثورة على التقنيات المألوفة والمتعارف عليها.
اتسم الأداء بالتميز عموما عبر الابتكار في النص وحسن توظيفه عبر الذكاء الاصطناعي مما زاد من قيمة الفعل المسرحي ولئن اتسم العرض بالتنوع في الإيقاع وبالوحدة العضوية أي تماسك وترابط محكم لمختلف لوحاته المسرحية إلا أنه لم يكسر الجدار الرابع بالقدر الكافي فاللحظات التي توجه فيها للجمهور مباشرة لم تكن كثيرة مما ضعف أحيانا توريط المتفرج دراميا
نجح العرض إلى حد كبير في إيصال فكرته الأساسية رغم أنها تمثل التجربة الأولى لصابر الوسلاتي في المونودرام فالتناغم في النص والأداء والتوظيف الرائع للمؤثرات زاد من قيمة المسرحية وهذا يظهر جليا من خلال ردود أفعال الجمهور والنقاد الذين اعتبروا التجربة نقلة نوعية في مسيرة الممثل خاصة أنه أول من استخدم الذكاء الاصطناعي في عرض مسرحي منفرد وهو ما ساهم في إثراء الكوميديا السوداء على أمل أن تتطور تجربته

