في بلدٍ يطفو على بحر من النفط وتخترقه الأنهار، يبدو من غير المعقول أنْ تتحوّل الكهرباء والماء إلى هاجسٍ يومي يسرق راحة الناس وكرامتهم ، لكن هذا هو واقع المواطن العراقي اليوم حياة تُدار على توقيت الانقطاع ،
الكهرباء، التي يُفترض أنْ تكون حقاً أساسياً ، أصبحت ضيفاً ثقيلاً يأتي لساعات ويغيب لأيام ، خصوصاً في الصيف ، ومع كل انقطاع، يُدفَع المواطن قسراً نحو المولدات الأهلية ، حيث الضجيج والتلوث والأسعار التي لا تراعي بطالةً ولا دخلاً محدوداً . السؤال البسيط الذي لا يجد جواباً أين تذهب المليارات التي صُرفت؟ ولماذا ما زال المواطن رهينة حلّ مؤقت صار دائماً ؟
في كثير من المناطق لا تُقرأ العدّادات فعلياً ، فيتم تقدير الاستهلاك عشوائياً ، فتأتي الفاتورة أعلى من الاستخدام الحقيقي ، إذ تعاني شريحة واسعة من الشعب من ارتفاع فواتير الماء والكهرباء في وقتٍ تتزايد فيه نسب البطالة وترتفع تكاليف المعيشة (الغذاء ، الإيجارات ، النقل)، ما يجعل هذه الفواتير عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات على التحمل .
والمشكلة ضعف الدخل وأُسر بِلا عمل ثابت مطالبة بدفع مبالغ شهرية لا تتناسب مع دخلها ولا جود مراعاة لمحدودي الدخل والعاطلين وانقطاعات متكررة تدفع للاعتماد على مصادر بديلة مكلفة ، وهذا يسبِّب تراكم الديون وتهديد الاستقرار الأسري.
أمّا الماء ، فقصته لا تقلّ قسوة شحّ في الكمية ، ورداءة في النوعية ، وانقطاعات متكررة ، وكأنّ الوصول إلى ماء صالح للشُّرْب ترفٌ لا حق ، بين التغير المناخي، وسوء الإدارة، وتهالك الشبكات، يدفع المواطن الثمن صحياً واقتصادياً ، بينما تُرمى المسؤولية من جهة إلى أخرى .
اللاّفت أنّ الفواتير لا تنقطع مثل الخدمة تأتي منتظمة ، مرتفعة ، لا تُراعي واقع الفقر والبطالة ، يدفع المواطن ثمن خدمة لم يَحْصُل عليها أصلاً ، وكأنّ المعادلة مقلوبة : الالتزام مطلوب من المواطن فقط .
في المقابل، يعاني المواطن من شحّ المياه وتراجع ، نوعيتها ، إلى جانب انقطاعات متكررة، وكأنّ الحصول على ماء صالح للشُّرْب أصبح تحدياً لا حقاً أساسياً وبين ضعف البنى التحتية وسوء الإدارة، يدفع المواطن الثمن صحياً واقتصادياً .
المفارقة أنّ الفواتير لا تنقطع كما تنقطع الخدمة، بل ترتفع دون مراعاة البطالة وغلاء المعيشة وهنا يبرز السؤال المشروع : لماذا يُطالَب المواطن بالالتزام الكامل ، بينما تغيب المحاسبة عن الجهات المسؤولة ؟
لا يُمْكِن فصل هذه الأزمة عن الإدارة .. فالمشكلة ليست نقص موارد ، بل نقص تخطيط ومحاسبة الجهات المعنية ، مطالبة اليوم بأكثر من بيانات ووعود موسمية المطلوب شفافية حقيقية، أرقام واضحة، وجدول زمني يُحاسَب عليه المقصِّر قبل أنْ يُكافأ .
الحل ليس مستحيلًا : تحديث الشبكات ، استثمار الطاقة الشمسية ، استغلال الغاز المصاحب بدل حرقه ، إدارة عادلة للمياه ، وتعرفة تُراعي الفقراء قبل أنْ تُملأ الخزينة ، لكن قبل كلّ ذلك ، نحتاج إلى قرارٍ يعتبر الماء والكهرباء كرامة إنسان لا ملفاً مؤجلاً .
وحقّين أساسيين لا ُيمْكِن تأجيلهما ، لأنّ كرامة المواطن لا تحتمل الانقطاع
أمّا في دول الخليج يوجد دعم حكومي قوي يجعل الفاتورة . منخفضة جداً او رمزية أو تتحملها الدولة …
وبهذا نطالب ونناشد دولة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بإطفاء فواتير المياه والكهرباء …
الكاتب / فراس فؤاد الجبوري

