الاحد 6 ابريل 2025 - 05h11 مساءً.

معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الشرق الأوسط بين مشرع برنارد لويس وإحياء المشروع القومي العربي

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

منطقة الشرق الأوسط تتميز بموقعها الجيو سياسي بالإضافة إلى ما تمتلكه من ثروات وممرات مائية عظيمة، تعتبر من اهم الدول التي تمتلك مصادر الطاقة (النفط والغاز والطاقة المتجددة)، مما يجعلها محل اهتمام الدول الاستعمارية والإمبريالية العالمية وعلى وجه الخصوص أمريكا التي تعتبر الهيمنة على هذه المنطقة تمكنها من تحقيق اهدافها في صراعها مع الصين والهيمنة على العالم.

تمثل الامة العربية حوالي (72%) من مساحة الشرق الأوسط، اما من حيث عدد السكان، فان العرب يشكلون حوالي (60-65%) من اجمالي سكان الشرق الأوسط حيث يقدر عدد

سكان الدول العربية باكثر من (450) مليون نسمة، حين يبلغ اجمالي سكان المنطقة نحو

(600-700) مليون نسمة يشمل الأتراك والإيرانيين وغيرهم من الأقليات، وهذا يدل على ان العرب هم الأغلبية الجغرافية والديمغرافية في المنطقة، كما ان حجم الاحتياطي النفطي في منطقة الشرق الأوسط يقدر بحوالي (800) مليار من الاحتياطيات المؤكدة، وتشكل الدول العربية ما يقارب

(650 – 700) مليار برميل اي نحو (80-85%) من اجمالي الاحتياطي في الشرق الاوسط، وتصدر المنطقة بنحو (30-32) مليون برميل يومياً، وتصدر الدول العربية منها بنحو (28-29) مليون برميل. وان الاحتياطيات الغازية في المنطقة تقدر بحوالي (3000) ترليون قدم مكعب، وتشكل الدول العربية حوالي (80-85%) من اجمالي الاحتياطيات اي ما يقارب (2،400- 2،550) ترليون متر مكعب وتتراوح تقديرات الانتاج اليومي للغاز الطبيعي في المنطقة بين (50-70) مليار قدم مكعب يومياً والدول العربية تنتج ما بين (40-60) مليار قدم مكعب. ولهذه الاسباب يتم استهداف الامة العربية ومنع وحدتها، كون العرب يمثلون الأغلبية الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية والطاقة بأنواعها في المنطقة مما يمنحهم ثقلاً استراتيجياً كبيراً، لكنه لم يترجم بعد إلى قوة سياسية موحدة بسبب الانقسامات والتحديات التي تواجه الامة العربية. ان ما يجري في المنطقة يتطابق بشكل كبير مع مشروع برنارد لويس الذي يهدف إلى تفتيت الدول العربية والاسلامية إلى كيانات أصغر على أسس طائفية وعرقية

لضمان عدم قيام اي قوة إقليمية قادرة على تهديد المصالح الغربية وخاصة الأمريكية والصهيونية.

إذا نظرنا إلى الأحداث منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، نجد ان المنطقة شهدت سلسلة من الحروب والفتن الداخلية التي أدت إلى تقسيم فعلي لبعض الدول، مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، حيث اصبحت هذه الدول ضعيفة او شبه منهارة، وتتحكم فيها مليشيات او قوى خارجية. المشروع القومي العربي الذي كان يحمل رايته العراق ابان الحكم الوطني، كان العراق العقبة الكبرى امام مخطط برنارد لويس، لذلك تم استهدافه من خلال اسقاط الانظمة القومية كما حدث في العراق عام (2003) وليبيا عام (2011) واضعاف سوريا واثارة الفتن الطائفية والمذهبية كما حصل في العراق ولبنان واليمن، مما أدى إلى خلق صراعات داخلية دائمة. كذلك تمكين إسرائيل كقوة مهيمنة في المنطقة ذلك عبر اضعاف الجيوش العربية وإشغال الدول العربية بحروب داخلية، من خلال دعم النفوذ الإيراني

كأداة لتفكيك المنطقة ثم لاحقاً العمل على تحجيمه بعد ان ادى دوره في تفتيت العراق وسوريا واليمن ولبنان.

اليوم نحن نرى ان مشروع التفتيت ما زال مستمراً، لكن الامة العربية لم تنهار بالكامل، بل هناك بوادر لوعي جديد يدرك خطورة هذا المخطط، مما قد يفتح المجال امام استعادة الهوية القومية والنهضة من جديد. ان كل محاولة لإضعاف الامة العربية تقابل برد فعل شعبي متزايد يعزز الوعي والتمسك بالهوية القومية ومن أبرز المؤشرات على ذلك، تصاعد الوعي لدى الشباب، رغم محاولات التجهيل ونشر الإحباط. إلا ان جيل الشباب العربي أصبح أكثر وعياً بمخططات التفتيت، واصبحت هناك محاولات جدية لفهم الواقع والعمل على تغييره، فضلاً عن التقدم العلمي والثقافي، حيث هناك نهضة علمية وتقنية في بعض الدول العربية، وهذا يعزز إمكانية الاستقلال عن الهيمنة الخارجية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، ومن البديهي ايضاً ان لكل فعل رد فعل معاكس، والهجمة الشرسة على الامة العربية ايقضت الشعور القومي من جديد، ما قد يؤدي إلى نهوض حركة قومية عربية جديدة اكثر وعياً وتنظيماً.

كما ان تغيير موازين القوى عالمياً، بعد صعود قوى مثل الصين وروسيا لخلق حالة التوازن، مما قد يفتح المجال امام العرب لإعادة ترتيب أوراقهم واستغلال التغيرات لصالحهم. علماً ان رغم كل المحاولات لم تحقق المخططات الاستعمارية نجاحاً كاملاً. مثلاً رغم تفتيت العراق وسوريا، لازالت هذه الدول قائمة، وهناك مقاومة قوية لأي مشروع تقسيمي دائم.

هذا ما يؤكد ان الامة العربية لم تهزم نهائياً، بل تمر بمرحلة صعبة ومعقدة ولكنها ليست مستحيلة، والتحدي الان هو كيفية تحويل هذا الوعي إلى حركة فعلية تنهض بالأمة من جديد. ان جوهر الحل الحقيقي يكمن بالتوجه نحو توحيد الجهود العربية والجهود الحزبية وتوحيد القوى الوطنية من خلال وضع رؤية واضحة واستراتيجية لتوحيد الجهود. فالأمة العربية لن تتمكن من مواجهة التحديات إلا عبر توحيد الجهود الوطنية والحزبية ضمن رؤية واضحة واستراتيجية شاملة وهذا يتطلب:

1- خلق مشروع سياسي عربي موحد، ويجب ان تكون هناك رؤية قومية تستند إلى المصالح المشتركة بدلاً من الانقسامات القطرية والطائفية التي تم استغلالها لتفتيت الامة.

2- توحيد القوى الوطنية، لأنه لا يمكن لأي دولة عربية ان تواجه المخططات الكبرى بمفردها، بل يجب ان تكون هناك تنسيق سياسي واقتصادي وأمني بين القوى الوطنية في مختلف الدول العربية.

3-اعادة بناء الاحزاب القومية، الاحزاب التي كانت تقود المشروع العربي سابقاً، تحتاج إلى اعادة هيكلة لتواكب التحديات الحالية، ويجب ان تتجاوز الخلافات الداخلية لتصبح قوة مؤثرة في الشارع العربي.

4- أعلام عربي مستقل وهادف، اصبح من الضروري ان يكون هناك إعلام قومي يعمل على نشر الوعي والتصدي للدعاية المغرضة التي تهدف إلى احباط العرب وزرع الفرقة بينهم.

5- استراتيجية اقتصادية مشتركة، يجب استثمار الموارد العربية الهائلة ((النفط والغاز، الثروات الطبيعية والقدرات البشرية)) لبناء قوة اقتصادية مستقلة عن الهيمنة الغربية.

6- تفعيل دور الشباب، الشباب هم القوة الحقيقية لأي نهضة، لذلك يجب ان يكون لهم دور محوري في صناعة القرار، وقيادة المشروع القومي الجديد.

ان وحدة القوى القومية هي الخطوة الاولى لاي نهضة عربية حقيقية، عندما تدرك هذه القوى ان التشرذم هو سبب الضعف، وان الحل الوحيد هو التكاتف، فإن الطريق سيكون ممهداً لوضع خطة عمل واقعية وقابلة للتنفيذ. كيف يمكن تحقيق هذه الوحدة؟ ذلك من خلال عقد لقاءات وحوارات جدية بين التيارات القومية والمختلفة للوصول إلى قواسم مشتركة

بعيداً عن الخلافات الجانبية. والعمل على ايجاد قيادة موحدة أو هيئة تنسيقية تعمل حجم على توجيه العمل القومي وفق رؤية موحدة والعمل على تحديد الأوليات لعملها وتفعيل دور الجماهير عبر نشر الوعي بأهمية الوحدة. وكشف المخططات التي تستهدف الامة، والعمل على الاستفادة من التغيرات الدولية.

وعلى الجميع ان يدركوا ان التوحد ضرورة وليست خياراً، كون وحدة القوى العربية يمثل التحدي الأكبر، وتواجه من قبل اعداء الامة

من خلال التدخلات الخارجية وعملائها الذين يعرقلون اي جهد وحدوي، فالقوى الاستعمارية تدرك جيداً ان وحدة العرب ستجعل منهم قوة يصعب السيطرة عليها. ولهذا تستخدم عدة وسائل لتعطيل المشروع القومي، من خلال زرع الفتن، والانقسامات، ودعم الأنظمة التابعة للغرب والتي تلعب دوراً

في اجهاض اي محاولة للوحدة. وتعمل على اختراق الاحزاب القومية عبر زرع عناصر موالية للقوى الخارجية داخل الاحزاب لإفشالها من الداخل وتعطيل دورها، واستخدام الحرب الإعلامية والتقنية ونشر الاحباط بين الجماهير والترويج لفكرة ان الوحدة مستحيلة وان المشرع القومي فشل. على الاحزاب القومية ان تعيد النظر في وسائل عملها وتحديث أساليب عملها وبما يتماشى مع التطورات الحديثة، اي بمعنى العمل على تحديث الأساليب والآليات التنظيمية وتعزيز الفكر النقدي والابتكار والشفافية والمصداقية بعملها والتأكيد على الشراكة مع المثقفين والعلماء والتركيز على الشباب. هذه الخطوات ستكون بمثابة انطلاقة حقيقية نحو نهضة قومية تعكس قدرات الامة وتطلعاتها، مما يجعل الاحزاب القومية شريكا رئيسياً في اعادة رسم ملامح المستقبل العربي.

عمان

1/4/2025

 

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *