معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الشرق الأوسط بين المشروع الصهيوني والمشروع الفارسي (( بعد انهيار الجبهة الشرقية للامة العربية )) 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة حالة من الاضطراب والصراعات المتشابكة التي لم تعد مجرد نزاعات عسكرية تقليدية ، بل اصبحت تعبيراً عن صراع استراتيجي عميق على النفوذ والموارد ومصير المنطقة . وفي خضم هذه التحولات يتابع العالم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى ، وسط سيل من التحليلات والتفسيرات التي تحاول فهم أبعادها الحقيقية .

غير ان قراءة هذا الصراع من منظور اوسع تكشف انه ليس مجرد مواجهة بين قوى متصارعة ، بل هو صراع يدور بين اطراف تُعد في جوهرها اعداء للامة العربية ، اختلفت مصالحهم اليوم بعد ان كانوا قد التقوا سابقاً على هدف واحد تمثل في اضعاف النظام الوطني في العراق ، الذي كان يُنظر اليه بوصفه حامي البوابة الشرقية للامة العربية .

كان العراق قبل عام (2003) يمتلك إمكانيات مادية وعسكرية كبيرة تؤهله للعب دور محوري في موازين القوى الاقليمية، فضلاً عن موقعه الجيوسياسي المهم في حماية العمق العربي من التهديدات الخارجية . ولهذا السبب كان يمثل عقبة حقيقية امام المشاريع

التي تستهدف اعادة تشكيل المنطقة .

إلا أن الدعم الامريكي والأوروبي للمشروعين المعاديين ( المشروع الصهيوني المدعوم امريكياً – والمشروع الفارسي المغطى بغطاء ديني ) مهد الطريق لاضعاف المشروع القومي العربي الذي كان النظام الوطني في العراق احد ابرز تعبيراته . فجاء الغزو الأمريكي للعراق عام (2003)مدعوماً بتحالف دولي واسع وبمساعدة بعض الأنظمة العربية وعلى رأسها بعض دول الخليج العربي . والمفارقة ان هذه الدول نفسها اصبحت اليوم هدفاً للهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة ، وتشير المعطيات إلا ان عدد الهجمات الإيرانية التي نفذت بالصواريخ والمسيرات منذ بداية الحرب وحتى الان بلغت نحو ( 3916) هجوماً كان (86‎%‎) منها موجهاً نحو دول الخليج العربي ، في حين لم تتجاوز الهجمات التي استهدفت إسرائيل (14‎%‎) فقط ، كما تشير البيانات إلى ان الإمارات العربية المتحدة كانت الأكثر استهدافاً بنسبة تقارب (44‎%‎) من محموع تلك الهجمات ، تليها الكويت (24‎%‎) ، ويعطي هذا التوزيع مؤشراً واضحاً على طبيعة المشروع الإيراني الذي لايخفي عداءه للعرب حتى في فترات التعاون او التقاطع السياسي ، كما يكشف بوضوح ان البنى التحتية للدول العربية كانت هدفا رئيساً لهذه الهجمات في اطار سياسة تهدف إلى إنهاك الدول واضعاف قدراتها .

ان ما يجري اليوم لايمكن فهمه إلا من خلال تحليل يجمع بين المستوى الحزئي والمستوى الكلي ، فعلى المستوى الكلي ، نجد ان فكرة السيطرة على الشرق الأوسط ليست وليدة اللحظة ، بل تعود إلى مشاريع استراتيجية طرحت منذ عقود ، ومن بينها المشروع الذي تحدث عنه ( شمعون بيريز ) ، والذي يقوم على فرض هيمنة إسرائيلية – غربية على المنطقة . ان اهمية الشرق الأوسط لا تعود فقط لموقعه الجيوسياسي الفريد ، بل إلى ما يمتلكه من ثروات طاقة هائلة ، اذ تضم ما يقارب (50‎%‎) من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط و (40‎%‎) من احتياطيات الغاز الطبيعي ، ولذلك فان السيطرة على هذه المنطقة تعني عملياً القدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي امتلاك نفوذ كبير على الاقتصاد الدولي وصناعة القرار السياسي في العديد من دول العالم .

كما ان الدول العربية تشكل ما يزيد على (70‎%‎) من مساحة المنطقة وسكانها ، الأمر الذي يجعل السيطرة على هذه المنطقة عاملاً حاسماً في موازين القوة العالمية .

ومن هنا يمكن فهم البعد الاستراتيجي للمنافسة الدولية على الشرق الأوسط، اذ ان السيطرة عليه تمنح امريكا القدرة على التحكم في تدفقات الطاقة العالمية ، بما في ذلك نفط ايران والعراق ودول الخليج إضافة إلى نفط فنزويلا ، الأمر الذي يمنحها نفوذاً واسعاً على الاقتصاد العالمي ويعزز قدرتها على مواجهة صعود قوى كبرى مثل الصين .

ولهذه الاسباب تتخذ الصراعات في المنطقة طابعاً مركباً يتجاوز البعد العسكري المباشر ، ليصبح جزءاً من صراع اقتصادي واستراتيجي عالمي اوسع .

ومن اجل تحقيق هذه الاهداف ، تقوم الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة على اضعاف دول المنطقة وإدخالها في دوامات من الصراعات الداخلية والأزمات الاقتصادية والسياسية ، بما يحد من قدرتها على النهوض او لعب دور إقليمي مستقل .

واذا كانت اتفاقية سايكس – بيكو قد قسمت الامة العربية جغرافياً في بداية القرن العشرين ، فان الاستراتيجية الجديدة تسعى إلى مرحلة اكثر تعقيداً تقوم على تقسيم المنطقة وظيفياً ، بحيث تبقى الدول قائمة شكلياً ضمن حدودها الإدارية ، لكنها تتحول عملياً إلى كيانات ضعيفة تعتمد في بقائها على القوى الخارجية .

وفي هذا السياق ، يمكن ملاحظة ان البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول العربية اصبحت هدفاً مباشراً للصراعات الاقليمية والدولية ، فقد تعرض العراق لتدمير واسع في مؤسساته وبناه التحتية بعد عام (2003)، كما شهدت دول عربية اخرى مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان ولبنان صراعات مدمرة أدت إلى إنهائها وإضعافها .كما توسع النفوذ الإيراني في عدد من هذه الدول عبر ادوات مختلفة ، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والنظام السوري في دمشق والحشد الشعبي في العراق ، الأمر الذي عمق حالة الانقسام والصراع داخل المنطقة .

وفي الوقت نفسه أسهمت المواجهات العسكرية مع إسرائيل في تعميق الأزمات الانسانية والاقتصادية ، كما حدث في غزة بعد الاحداث التي شهدها شهر اكتوبر ، والتي انتهت بتدمير واسع للبنية التحتية للقطاع وتصاعد المخاطر التي تهدد مستقبل القضية الفلسطينية .

ان المشهد العام يشير إلى ان المنطقة اصبحت ساحة صراع بين مشاريع متنافسة على قيادة الشرق الاوسط بعد تراجع المشروع القومي العربي ، فالصراع اليوم يدور بين المشروع الصهيوني المدعوم امريكياً والمشروع الإيراني الذي يستند إلى خطاب ديني متطرف ويعمل على توسيع نفوذه الإقليمي .غير ان موازين القوة تشير بوضوح إلى تفوق التحالف الأمريكي – الاسرائيلي

عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً ، في المقابل ايران تعاني ضغوطاً داخلية وازمات اقتصادية وسياسية متعددة . ولهذا فان نتائج الصراع الدائر قد تقود إلى تحولات هيكلية عميقة في المنطقة ، قد تعيد تشكيل توازناتها السياسية والاقتصادية لعقود قادمة .

ان ما وصلت اليه الامة العربية اليوم لم يكن نتيجة عامل واحد ، بل هو حصيلة تراكم طويل من الاخطاء السياسية والانقسامات الداخلية ، وضعف الرؤية الاستراتيجية لدى العديد من الأنظمة . لقد ادى انهيار الجبهة الشرقية للامة العربية إلى اختلال كبير في موازين القوى الاقليمية ، وفتح الباب امام تدخلات خارجية متزايدة ساهمت في اضعاف المنطقة وإدخالها في دوامات من الصراعات .

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة للسياسات العربية ، تقوم على ادراك طبيعة التحديات التي تواجه الامن القومي العربي ، والعمل على بناء قدر اكبر من التنسيق والتكامل بين الدول العربية .

(( اصحوا يا عرب ))

فالتاريخ يثبت ان الامم التي تنقسم على نفسها تصبح اكثر عرضة للتدخلات الخارجية ، بينما تمثل الوحدة والتعاون اساس القوة والاستقرار ، ولهذا يبقى السؤال المطروح امام العرب اليوم ، هل يستمر مسلسل الاخطاء والانقسامات ام ان اللحظة التاريخية الراهنة ستدفع نحو مراجعة حقيقية تعيد للامة قدرتها على حماية نفسها وصياغة مستقبلها بنفسها ؟

عمان

14/3/2026

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *