معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الزمن… الحكاية التي نعيشها ولا نرويها

حجم الخط

بقلم : آداما موسى جالوا

في كل صباح نستيقظ على إيقاع الزمن، نعدّ الساعات، نلاحق المواعيد، ونركض خلف الأيام وكأننا في سباق لا نهاية له. لكن، هل تساءلنا يومًا: هل نحن من نعيش الزمن، أم أن الزمن هو الذي يعيش فينا؟ هذا السؤال البسيط يخفي وراءه حقيقة عميقة، وهي أن الزمن ليس مجرد إطار خارجي نتحرك داخله، بل تجربة داخلية تعكس حقيقتنا، وتكشف ملامح ذواتنا.

نحن لا نرى الزمن، ولا نلمسه، ومع ذلك نشعر بثقله أحيانًا، وبخفته أحيانًا أخرى. تمرّ لحظات الانتظار ببطء شديد، بينما تتلاشى لحظات الفرح بسرعة لا تكاد تُدرك. هنا ندرك أن الزمن ليس واحدًا في كل الحالات، بل يتشكل وفق حالتنا النفسية ووعينا الداخلي. ما يعني أن الزمن، في جانب كبير منه، هو انعكاس لما نشعر به، لا لما يحدث حولنا فقط.

الماضي هو أول تجلّيات هذا الزمن في حياتنا. إنه ليس مجرد سجلّ للأحداث التي انتهت، بل هو مخزون حيّ من التجارب والمشاعر. كل ما عشناه يظل حاضرًا فينا بشكل أو بآخر. ذكريات الطفولة، نجاحات الدراسة، خيبات الأمل، العلاقات التي مرّت في حياتنا… كلها تشكل نسيجًا داخليًا يحدد كيف نفكر، وكيف نتصرف، وكيف نرى العالم.

لكن المشكلة ليست في الماضي ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. هناك من يعيش أسيرًا لذكرياته، لا يستطيع أن يتجاوزها، فيبقى عالقًا في زمن انتهى. وهناك من يتعامل مع الماضي كدرس، يتعلم منه، ثم يتركه في مكانه الطبيعي. الفرق بين الاثنين ليس في حجم التجارب، بل في الوعي بها.

أما الحاضر، فهو أكثر لحظة يُساء فهمها. كثير منا يعيش الحاضر وكأنه مجرد جسر بين ما مضى وما سيأتي، فنفقد قيمته الحقيقية. ننشغل بما حدث بالأمس، أو نقلق بشأن الغد، فنغفل عن اللحظة التي بين أيدينا. والحقيقة أن الحاضر هو اللحظة الوحيدة التي نملك فيها القدرة على الفعل والتغيير.

في الحاضر نقرر، نختار، ونصنع مسار حياتنا. قد تبدو بعض القرارات صغيرة أو غير مؤثرة، لكنها في الواقع تشكل مع الوقت ملامح حياتنا بالكامل. اختيار كلمة، اتخاذ موقف، أو حتى التراجع عن فعل، كلها تفاصيل تصنع الفارق. الحاضر ليس لحظة عابرة، بل هو مساحة حقيقية لبناء الذات.

ثم يأتي المستقبل، ذلك الامتداد الغامض الذي يثير فينا مزيجًا من الخوف والأمل. البعض ينظر إليه باعتباره قدرًا لا يمكن تغييره، والبعض الآخر يراه صفحة بيضاء يمكن أن يُكتب فيها أي شيء. لكن الحقيقة تقع بين هذين التصورين. فالمستقبل ليس مفصولًا عن الحاضر، بل هو نتيجة مباشرة له.

ما نزرعه اليوم، نحصد نتائجه غدًا. وما نؤجله الآن، قد يتحول إلى عبء لاحقًا. لهذا، فإن التعامل الواعي مع الحاضر هو الطريق الوحيد لصناعة مستقبل أفضل. لا يتعلق الأمر بالتخطيط فقط، بل بالقدرة على الالتزام، والاستمرار، وتحمل مسؤولية الاختيارات.

عندما ننظر إلى الزمن بهذه الرؤية، ندرك أنه ليس مجرد مرور للأيام، بل هو رحلة مستمرة لاكتشاف الذات. كل مرحلة من حياتنا تكشف جانبًا جديدًا منا، وكل تجربة تضيف طبقة جديدة من الفهم. نحن لا نبقى كما نحن، بل نتغير باستمرار، والزمن هو الشاهد على هذا التغير.

لكن، في خضم هذا كله، يظل السؤال الأهم: كيف نعيش الزمن؟ هل نعيشه بوعي وانتباه، أم نتركه يمرّ دون أن نشعر به؟ كثير من الناس يكتشفون بعد سنوات أنهم لم يعيشوا حياتهم كما أرادوا، بل كما فرضت عليهم الظروف. لم يكن ذلك بسبب قلة الوقت، بل بسبب غياب الوعي به.

الوعي بالزمن لا يعني القلق منه، بل يعني تقديره. أن ندرك قيمة اللحظة، وأن نعيشها بكل ما فيها. أن نعطي لكل مرحلة حقها، دون أن نظلم أنفسنا بالندم على الماضي أو الخوف من المستقبل. فالحياة، في جوهرها، ليست سوى مجموعة من اللحظات، وإذا لم نعشها بصدق، فلن يبقى منها شيء.

الزمن لا يتوقف، ولا ينتظر أحدًا. لكنه في المقابل يمنحنا دائمًا فرصة جديدة. كل يوم هو بداية محتملة، وكل لحظة يمكن أن تكون نقطة تحول. المسألة ليست في عدد السنوات التي نعيشها، بل في الكيفية التي نعيش بها هذه السنوات.

في النهاية، ربما لا نستطيع تغيير الزمن، لكننا نستطيع تغيير أنفسنا داخله. نستطيع أن نكون أكثر وعيًا، أكثر حضورًا، وأكثر صدقًا مع ذواتنا. وعندما نفعل ذلك، يتحول الزمن من مجرد عبور سريع إلى تجربة عميقة مليئة بالمعنى.

الزمن، في حقيقته، ليس شيئًا نملكه… بل هو الحكاية التي نكتبها كل يوم، سواء انتبهنا لذلك أم لم ننتبه. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل نكتب هذه الحكاية بوعي، أم نتركها تُكتب عنا؟

 

Adama Moussa Diallo

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *