معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الذكاء الاصطناعي – بين التحول الاقتصادي وتشويش الوعي الاجتماعي 

حجم الخط

أ. د. محمد طاقة

 

يعد الذكاء الاصطناعي أحد ابرز التطورات التكنولوجية في العصر الحديث . وهو فرع من فروع علم الحاسوب ، يُعنى بتطوير أنظمة قادرة على محاكاة الذكاء البشري ، وتنفيذ مهام تتطلب تفكيراً وتحليلاً واتخاذ قرار .

ويعتمد هذا المجال على تقنيات متقدمة ، أبرزها التعليم الآلي والشبكات العصبية الاصطناعية ، التي تمكن الأنظمة من تحسين ادائها ذاتياً اعتماداً على البيانات التي تجمعها بمرور الوقت .

لا شك ان الذكاء الاصطناعي يعد من اهم الابتكارات التكنولوجية المعاصرة . لما يحمله من وعود كبيرة في تحسين الانتاجية ورفع كفاءة الأداء في مختلف القطاعات . غير ان هذه التقنية شأنها شأن اي اختراع تكنلوجي كبير ، لا تحمل فقط فوائد وإيجابيات ، بل ترافقها ايضاً مجموعة واسعة من التحديات والمخاطر الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية .

اقتصادياً ، من المتوقع ان يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في بنية الاقتصاد العالمي ، فمن جهة ، يمكن ان يسهم في إنعاش الاقتصاد عبر زيادة الانتاجية ، وتقليل التكاليف وتسريع عمليات التصنيع والخدمات ، وتحسين كفاءة الأداء في المؤسسات العامة والخاصة . كما يتوقع ان يحدث نقلة نوعية في قطاعات (مثل الصناعة ، والطب ، التعليم ، النقل ، والتجارة الإلكترونية ). لكن في المقابل ، يطرح الذكاء الاصطناعي مخاطر اقتصادية جسيمة ، أبرزها خطر البطالة ، اذ بدأت الروبوتات والأنظمة الذكية تحل محل الإنسان في عدد متزايد من الوظائف، خاصة تلك التي تعتمد على العمل الروتيني أو المتكرر . وهذا التحول قد يؤدي إلى تفكيك هيكل سوق العمل التقليدي ، وخلق فجوة طبقية أوسع بين من يمتلكون التكنولوجيا ومن يُقصون بسببها .

كما ان ارتفاع كلفة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي يُعد من عيوبه الأساسية ، اذ تتطلب هذه الأنظمة استثمارات مالية ضخمة لا تستطيع تحملها إلا الدول الكبرى والشركات العملاقة ، مما يعزز الاحتكار التكنلوجي وتعمق التبعية الاقتصادية للدول الضعيفة .

اما بالنسبة للجانب الاجتماعي للذكاء الاصطناعي ، يُعد من اخطر جوانبه ، خاصة عندما يستخدم بشكل منحرف أو غير اخلاقي ،

فقد اصبح الذكاء الاصطناعي اداة فعالة في تشويش العقول وتضليل الوعي الجمعي ، بحيث لم يعد الانسان العادي ، غير المتخصص ، قادراً على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُنتج أو مًًًُزوّر بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

نشهد اليوم انتشاراً واسعاً لمقاطع وصور وأصوات مفبركة تستخدم لتشويه السمعة أو الإساءة للأشخاص او التأثير على الرأي العام ، ويستهدف هذا التشويش شخصيات ، (سياسية وفنية ورياضية وعلمية وأدبية )، ما يجعل الحقيقة عرضة للضياع ، ويفقد المجتمع ثقته بالمعلومة والصورة والخبر .

إن أخطر ما في هذا الاستخدام هو تضليل عقول الناس ودفعهم إلى الشك بكل ما يعرض عليهم ، الأمر الذي يؤدي إلى إرباك التفكير الإنساني ، وتفكيك الوعي ، وانعدام القدرة على الحكم الموضوعي على الاحداث ، وفي هذه الحالة، لا تضيع الحقيقة فحسب ، بل ينحرف الإنسان عن مساره الفكري والاخلاقي ، وتُفتح الأبواب امام التلاعب بالعقول على نطاق واسع .

أصبح الذكاء الاصطناعي اداة محورية في مجال الاعلام وصناعة الرأي العام العالمي ، حيث يستخدم لتوجيه المحتوى ، وصياغة السرديات ، والتحكم بما يصل إلى الجمهور ، بما يخدم مصالح الجهات التي تمتلك هذه التكنولوجيا . والخطورة هنا لا تكمن في التقنية ذاتها ، (بل في الجهات المسيطرة عليها ) وكيفية توظيفها لخدمة اهداف سياسية واقتصادية وتجارية ضيقة .

عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي للتشويش الإعلامي أو الدعاية المضللة ، أو الحرب النفسية ، فإنه يتحول إلى سلاح ناعم لكنه بالغ التأثير ، قادر على اعادة تشكيل وعي المجتمعات دون ان تدرك ذلك .

تكمن احدى اخطر الإشكاليات في أن تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه يتركز بيد عدد محدود من الدول والشركات العملاقة ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث تتركز كبريات شركات التكنولوجيا العالمية .

تشير التقديرات إلى ان حجم الاستثمارات في هذا المجال بحلول عام (2025) قد يصل إلى نحو (118) مليار دولار ، ما يعكس حجم التنافس العالمي ، خاصة صعود الصين كقوة تكنولوجية منافسة .

ان هذا الاحتكار التكنولوجي يعكس طبيعة المنظومة الرأسمالية العالمية، التي تسعى للهيمنة الاقتصادية والمعرفية ، وتوظيف الذكاء الاصطناعي كاداة للسيطرة ، لا لخدمة الإنسانية جمعاء .وهذا ما يثير القلق من استخدام هذه التكنولوجيا لتحقيق مصالح ذاتية ، بدلاً من توظيفها في خدمة المجتمعات الإنسانية وتحقيق العدالة والتقدم .

في المحصلة لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شراً مطلقاً أو خيراً مطلقاً ، بل هو اداة تعتمد نتائجها على من يمتلكها وكيف يوظفها . فإذا استخدمت لخدمة الانسان ، يمكن ان تكون رافعة للتقدم والتنمية ، أما إذا احتكرتها قوى تسعى للهيمنة والتضليل ، فان آثارها الاقتصادية والاجتماعية ستكون خطيرة ، وقد تقود إلى تشويه الوعي الإنساني وتدمير الحقيقة ، وتعميق الفجوة بين الشعوب .

والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تطوير الذكاء الاصطناعي ، بل في وضع ضوابط اخلاقية وقانونية تحمي الانسان ، وتصون الحقيقة ، وتمنع تحويل هذه التكنولوجيا إلى اداة للسيطرة على العقول بدل تحريرها .

 

عمان

1/1/2026

اعتمدت المقالة على كتاب ( العالم إلى أين – الذكاء الاصطناعي وآثاره الاقتصادية ) للدكتور محمد طاقة الصادر عن دار آمنة للنشر والتوزيع( 2024 ).

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *