معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

التحولات الكبرى  (( صراع القوى العظمى ومآلات المستقبل )) 

حجم الخط

شهد العالم تحولات كبرى على مدار التاريخ ، لكن مانعيشه اليوم قد يكون الأكثر تعقيداً وتأثيراً على مصير البشرية . فالصراع بين الأقطاب العالمية الكبرى ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية والصين ، لم يعد مقتصراً على المنافسة الاقتصادية والتجارية، بل اصبح صراعاً وجودياً يهدف إلى تحديد شكل النظام الدولي الجديد . هذا الصراع يحتدم في ظل ثورة تكنولوجية غير مسبوقة ،

فرضت على البشرية أنماطاً جديدة من العمل والإنتاج والعلاقات الاقتصادية ، وجعلت من الضروري اعادة النظر في البنية الاقتصادية العالمية .

يشهد العالم اليوم تصاعداً خطيراً في التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ، حيث تسعى كل منهما إلى بسط نفوذها الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي. مع ان التنافس بين القوى العظمى ليس جديداً ، إلا ان طبيعته تغيرت في ظل العولمة والثورة الرقمية .

اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوات عدائية تجاه الصين ، من خلال فرض ضرائب جمركية على وارداتها وشن حرب تجارية تهدف إلى الحد من صعودها كقوة اقتصادية عالمية ،لكن المواجهة لم تقتصر على التجارة بل أمتدت إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة

مثل الذكاء الاصطناعي ، وشبكات الجيل الخامس ، حيث فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على شركات صينية كبرى مثل ( هواوي) في محاولة لعرقلة تقدمها .

في المقابل ، تواصل الصين تعزيز مكانتها الاقتصادية عبر مشاريع ضخمة مثل ( مبادرة الحزام والطريق ) التي تهدف إلى اعادة تشكيل التجارة العالمية وفق مصالحها .

ان السياسات الاقتصادية والتجارية التي تبناها

ترامب ، خاصة الحروب التجارية وفرض الرسوم الجمركية ، لن تستهدف الصين فقط ، بل اثرت على دول حليفة مثل الاتحاد الاوروبي وكندا ، هذه السياسات دفعت بعض الدول إلى البحث عن بدائل وتقوية لتكتلات اقتصادية جديدة لموازنة الهيمنة الامريكية، مثل تعزيز التعاون بين الصين وروسيا ودول البريكس . ان هذه السياسات ستؤدي إلى ظهور تكتلات تعمل ضدها ، حتى داخل المنظومة الرأسمالية نفسها ، وبنفس الوقت ستؤدي إلى تعاظم التوترات السياسية وقد تطال العسكرية منها .

اما التوترات السياسية فقد زادت نتيجة هذه السياسات ، حيث أدت إلى تصعيد المواجهات الاقتصادية التي تحولت إلى صراعات جيوسياسية ، مثل التوتر في بحر الصين الجنوبي وازمة تايوان . وفي بعض الحالات كما في الشرق الأوسط واوربا الشرقية ، كان لهذه السياسات انعكاسات عسكرية غير مباشرة عبر صفقات الأسلحة وتغير التوازنات الاستراتيجية. هذا الصراع يطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل النظام العالمي . هل ستتمكن الصين من كسر الهيمنة الامريكية ، أم أن الولايات المتحدة الأمريكية ستنجح في احتواء صعودها ؟

والاهم من ذلك هل سيتطور هذا التنافس إلى صراع عسكري شامل ؟

بعد الحرب العالمية الثانية ، شهد العالم تطوراً تكنولوجياً مذهلاً يعادل ما أنجزته البشرية طوال تاريخها ، لكن التسارع التكنولوجي خلال العقود الاخيرة فاق كل التوقعات ، حيث دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي ، والروبوتات ، وإنترنت الأشياء ، والطباعة الثلاثية الأبعاد ، والهندسة الوراثية .

لم تقتصر هذه الثورة على المجالات الصناعية والعلمية ، بل امتدّت إلى جميع جوانب الحياة ، فغيرت أنماط الانتاج والعمل والتواصل الاجتماعي .

اليوم تعتمد الاقتصادات الكبرى على البيانات والمعلومات ، اكثر من اعتمادها على المواد الخام والعمالة البشرية ، هذا التحول العميق في قوى الانتاج يفرض تحديات كبرى على علاقات الانتاج التقليدية ، التي لم تتطور بنفس الوتيرة ، مما يولد أزمات اقتصادية واجتماعية ،تهدد استقرار النظام العالمي .

في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة ، اصبح واضحاً ان علاقات الانتاج التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية ، لم تعد قادرة على استيعاب التغيرات الهائلة التي حدثت على قوى الانتاج . فالنظام الرأسمالى ، الذي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والسعي نحو الربح ، يجد نفسه عاجزاً عن التكيف مع واقع جديد تهيمن عليه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي .

◦ تتجلى هذه الأزمة من عدة مظاهر ، منها تصاعد معدلات البطالة بسبب احلال الروبوتات محل العمال ، واتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء ، واحتكار الشركات التكنولوجية الكبرى للمعرفة والموارد . هذه الاختلالات تدفع باتجاه ضرورة تغيير علاقات الانتاج ، لكن السؤال هو : هل سيتم هذا التغيير بشكل سلمي ام من خلال صراعات عنيفة ؟ ان ما نشهده اليوم من صراعات سياسية واقتصادية بين الأقطاب الكبرى ليس مجرد تنافس تقليدي ، بل هو معركة لتشكيل نظام عالمي جديد . فالنظام القائم لم يعد قادراً على استيعاب التحولات الكبرى ، مما يفرض اعادة هيكلية شاملة لعلاقات الانتاج , وهل سيكون هذا التحول سلمياً أم اننا على اعتاب حرب عالمية ثالثة . التاريخ يخبرنا بأنّ الأزمات الاقتصادية العميقة غالباً ما تؤدي إلى حروب ، عندما قادت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية . واليوم مع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى وظهور أزمات اقتصادية واجتماعية مستعصية الحل ، يصبح احتمال اندلاع نزاع عالمي أمراً وارداً ، خاصة في ظل سباق التسلح المتسارع ، والتوترات الجيوسياسية في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي واوكرانيا والشرق الأوسط . لكن رغم المخاطر، لا زال هنالك امل من ان تدرك القوى الكبرى ان الحرب لم تعد خياراً ممكناً في عصر الأسلحة النووية ، وان السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمات هو التفاهم والتعاون الدولي لاعادة تشكيل النظام العالمي بما يتناسب مع واقع الثورة التكنولوجية الجديدة .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *