معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الاقتصاد العراقي في خطر

حجم الخط

“لا خير في أمة تأكل أكثر مما تنتج”

أ .د. محمد طاقة

تعرض العراق منذ عام (٢٠٠٣) الى احتلال عسكري مباشر من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها، جرى في اطاره تنفيذ مخطط مسبق استهدف تفكيك الدولة العراقية وضرب ركائزها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد تمثلت الخطوات الأولى لهذا المخطط بحل الجيش العراقي وقوى الامن، وتفكيك عدد كبير من الوزارات والمؤسسات الحكومية، وحل الحزب الحاكم والعمل على اجتثاثه، الامر الذي أدى الى انهيار منظومة الدولة بوصفها اطاراً ناظماً للاقتصاد والمجتمع.

رافق ذلك تدمير واسع للبنية التحتية الاقتصادية، اذ تشير التقديرات الى ما يقارب ٨٠٪ من هذه البنية قد تعرض للتدمير أو التعطيل، بما في ذلك المصانع والمنشآت الإنتاجية بمختلف احجامها، فضلا عن نهبها أو إخراجها من الخدمة. كما شمل التدمير المؤسسات التعليمية من جامعات وكليات ومعاهد ومدارس، وسرقة مستلزمات ادامة العملية التعليمية، بما يعني استهدافاً مباشراً لمقومات التنمية البشرية.

إن تدمير هذه القطاعات لم يكن حدثاً عرضياً، بل أدى عملياً الى القضاء على متطلبات التنمية الاقتصادية وفي مقدمتها قطاع الكهرباء الذي يعد شرطاً أساسياً لأي نشاط صناعي وزارعي أو خدمي، ونتيجة لذلك تعطلت ما تبقى من الصناعات الوطنية، وتراجعت الزراعة وشُل قطاع الخدمات، ولا سيما في مجالي الصحة والتعليم.

 

وبذلك دخل العراق مرحلة من الجمود التنموي، حيث تحول من بلد يمتلك قاعدة إنتاجية – وإن كانت محدودة – الى اقتصاد عاجز عن توليد القيمة المضافة، يعتمد بشكل شبه كامل على مورد واحد هو النفط..

بعد انسحاب القوات الامريكية عام (٢٠١١)، لم يستعيد العراق سيادته الفعلية، بل انتقلت السيطرة تدريجياً الى الميليشيات المرتبطة بايران، التي تمكنت من الهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي، وأصبح الاقتصاد العراقي مرتهناً وملحقاً بالاقتصاد الإيراني، سواء من خلال هيمنة هذه الميلشيات على مفاصل الدولة، أو عبر اختلال الميزان التجاري بين البلدين لمصلحة ايران، حيث تشير التقديرات الى فائض تجاري لصالحها يقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

ونتيجة غياب الإنتاج الوطني الصناعي والزراعي والخدمي، أصبح العراق يستورد معظم احتياجاته الأساسية من الخارج، وتأتي نسبة كبيرة من هذه الواردات من ايران، هكذا تحول العراق الى بلد مستهلك غير منتج، في مخالفة صريحة لأي مفهوم من مفاهيم السيادة الاقتصادية، أو لم يعد قادراً على تلبية احتياجاته الأساسية من موارده الذاتية

يزداد هذا الواقع خطورة بسبب الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، حيث تعتمد الدولة على الإيرادات النفطية بنسبة تتراوح بين (٨٠٪ و٩٢٪ ) من اجمالي اراداتها العامة.

وهذا الاعتماد المفرط جعل الاقتصاد العراقي اقتصاداً أحادي الجانب، شديد الحساسية لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.. فأي انخفاض في الأسعار يؤدي مباشرة الى عجز في الموازنة العامة، ويضع الدولة امام أزمات مالية متكررة.

وقد أدى هذا النمط من الإدارة الاقتصادية الى تراكم المديونية العامة، حيث لجأت الحكومات المتعاقبة منذ عام (٢٠٠٣) الى الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية العجز، دون اتخاذ خطوات جدية لتنويع مصادر الدخل أو إعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وبلغت المديونية العامة مستويات خطيرة، في ظل غياب استراتيجية واضحة للنهوض بالصناعة أو تطوير الزراعة أو إعادة تأهيل البنية التحتية.

ويضاف الى ذلك عامل سياسي بالغ الخطورة، يتمثل في ان عائدات النفط العراقي تودع في حسابات خارجية تخضع لرقابة الولايات المتحدة.. وفي حال اتخاذ قرار سياسي بعدم تحويل هذه الإيرادات الى العراق لأي سبب كان، فإن الدولة ستواجه شللاً مالياً كاملاً، قد يصل الى حد العجز عن دفع رواتب الموظفين أو تمويل الحد الأدنى من الإنفاق العام، وتزداد احتمالات هذا السيناريو في ظل التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وايران، وما قد يرافقها من ضغوط متبادلة.

لكل ما سبق، يمكن القول ان الاقتصاد العراقي يقف اليوم أمام وضع بالغ الخطورة، نتج عن تدمير ممنهج لمقومات الدولة وارتهان القرار الاقتصادي للخارج، واعتماد مفرط على النفط، وغياب رؤية تنموية حقيقية، وهو وضع يجعل خطر الانهيار الاقتصادي ليس احتمالاً نظرياً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التفكيك والتبعية وسوء الإدارة.

يعتمد هذا التحليل على الجداول الرقمية من (١-٧) الواردة في أدناه بوصفها الأساس الكمي لتشخيص الواقع الاقتصادي والاجتماعي في العراق خلال المدة (٢٠٢٣ – ٢٠٢٥). فيما يأتي الجداول الرقمية الأساسية:

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم (١) النفط العراقي

 

٢٠٢٥ تقديري ٢٠٢٤ ٢٠٢٣ البيان

١٫٢٤ ١٫٢٥ ١٫٢٨ الإنتاج السنوي

(مليار برميل)

١٫١٨ ١٫١٩ ١٫٢١ الصادرات السنوية

(مليار برميل)

٨٨ ٩٢ ١٠٠ الإيرادات النفطية

(مليار دولار)

 

جدول رقم (٢) الموازنة العامة والعجز

 

القيمة مليار دولار البيان

من ١١٠ – ١٢٠ حجم الموازنة السنوية

التقديري

من ١٥ – ٢٠ العجز السنوي

التقديري

 

 

 

 

جدول رقم (٣) الدين العام

 

القيمة مليار دولار نوع الدين

٧٠ الداخلي

٤٥ الخارجي

١١٥ الاجمالي

 

 

جدول رقم (٤) السكان وسوق العمل

 

مليون شخص البيان

٤٦ عدد السكان

١٦ – ١٧ قوة العمل

٢٫٤ – ٢٫٧ عدد العاطلين

 

 

جدول رقم (٥) الفقر في العراق

 

العدد البيان

٨ – ١٠ مليون شخص عدد الفقراء (دخل)

نحو ٥ مليون شخص الفقر متعدد الأبعاد

 

 

 

 

جدول رقم (٦) التعليم

 

العدد / مليون البيان

١١ مليون عدد الطلبة (قبل الجامعي)

٢٢ ألف مدرسة عدد المدارس

٢ مليون عدد المتسربين

٧ مليون

(١٥٪ من عدد السكان) عدد الأميين

جدول رقم (٧) الصحة

 

العدد البيان

٢٨٠ – ٣٠٠ مستشفى عدد المستشفيات الحكومية

٤٥ ألف سرير عدد الأسرة الطبية

٣٨ – ٤٠ ألف طبيب عدد الأطباء

١٠ الاف إنسان كل ١٤ سرير لــ

ألف نسمة بمعنى كل سرير لـ

١٠ آلاف نسمة وكل ٨ أطباء لـ

= ١٫٣٨ سرير الأسّرة الطبية لكل ١٠٠٠ نسمة

= ٠٫٨٤ طبيب الأطباء لكل ١٠٠٠ نسمة

 

وهي نسب أقل من المتوسط الإقليمي للدول ذات الخدمات الصحية المتقدمة.

يظهر الجدول رقم (١) الخاص بالنفط ان العراق ينتج سنوياً اكثر من مليار برميل نفط، وتحقق هذه الكميات إيرادات تتراوح بين (٨٨ و ١٠٠) مليار دولار سنوياَ، إلا أن هذه الإيرادات رغم ضخامتها، لا تسهم في بناء قاعدة إنتاجية وطنية مستدامة، بل توجه في الغالب لتغطية الإنفاق الجاري وسد العجز المالي.

ويبين الجدول رقم (٢) ان الموازنة العامة تعاني من عجز سنوي كبير يتراوح بين (١٥ – ٢٠ مليار) دولار، وهو ما يفسر لجوء الدولة المستمر الىالصعبةالاقتراض، ويؤكد ذلك الجدول رقم (٣) الذي يظهر بلوغ الدين العام نحو (١١٥) مليار دولار موزعاً بين دين داخلي وخارجي.

فعلى الرغم من أن البيانات الرقمية الواردة في الجدول رقم (١) تظهر مجموع الإيرادات النفطية التي دخلت العراق خلال المدة (٢٠٢٣ – ٢٠٢٥) بلغ نحو (٢٨٠) مليار دولار، وهو مبلغ يفترض (من الناحية الاقتصادية) أن يضع البلاد في موقع مالي آمن، إلا أن الواقع يُظهر ارتفاعاً مستمراً في المديونية العامة، الداخلية والخارجية، كما هو موضع في جدول رقم (٣) الدين العام. ولا يعود هذا التناقض الظاهري الى ضعف الإيرادات النفطية، بل الى طبيعة الاقتصاد العراقي الريعية والاستهلاكية وآلية إنفاق الإيرادات.. إذ تذهب الحصة الأكبر من الموارد النفطية الى الإنفاق الجاري غير المنتج، ولا سيما الرواتب والأجور والنفقات التشغيلية، دون أن تتحول الى استثمارات حقيقية قادرة على توليد قيمة مضافة أو عوائد مستقبلية، كما ان غياب الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي والخدمي دفع العراق الى الاعتماد الشبه كامل على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية، ما أدى الى تسرب جزء كبير من الايرادات النفطية الى الخارج دون أن تعود الى الدورة الاقتصادية الوطنية.. ويضاف الى ذلك الأثر العميق للفساد المالي والإداري الذي استنزف مليارات الدولارات عبر عقود وهمية وتضخيم في الكلف وسوء إدارة، فضلاً عن استمرار الدولة في الاقتراض لتغطية العجز وتمويل الانفاق الجاري وخدمة الدين نفسه.

وعليه فإن ارتفاع المديونية في العراق لا يعكس نقصاً في الموارد، بل يُجسد فشل السياسات الاقتصادية والمالية في توظيف الإيرادات النفطية توظيفاً تنموياً، الأمر الذي يجعل الاقتصاد عرضة للاهتزاز عند أي تراجع في أسعار النفط أو ضغوط سياسية ومالية خارجية.

إذن المشكلة ليست في حجم الإيرادات، المشكلة في كيف وأين ولمصلحة من ينفق هذا الايراد.. بمعنى أين تذهب هذه الـ ٢٨٠ مليار دولار؟

تذهب الى رواتب وأجور (إنفاق جاري غير منتج). في العراق اليوم يوجد اكثر من (٤) ملايين موظف ومتقاعد، فالرواتب تلتهم أكثر من نصف الموازنة سنوياً، هذه الأموال لا تخلق انتاجاً ولا تولد عائداً، تصرف ثم تختفي من الدورة الاقتصادية.

كما ان العراق يستورد استيراداً شاملاً لكل شيء وذلك بسبب تدمير الصناعة، والزراعة، وقطاع الخدمات.. فإن العراق يستورد الغذاء والدواء والكهرباء والوقود ومواد البناء حتى أبسط السلع، النتيجة مليارات الدولارات تخرج من العراق سنوياً ولا تعود.. لا سيما أن أكثرها باتجاه ايران والباقي الى تركيا والصين ودول الخليج، وهذا استنزاف صافٍ للعملة الصعبة.

والفساد أساساً عدو التنمية، فهو يمثل نزيفاً صامتاً لكنه هائل، ووفق تقارير دولية فإن العراق من أكثر الدول فساداً بعد عام (٢٠٠٣)، عشرات المليارات ضاعت بين عمولات وعقود وهمية وتهريب وتضخيم كلف وغيرها، وعليه فإن الفساد هنا ليس ظاهرة جانبية، بل جزء من آلية إدارة الدولة نفسها، ولا بد من ذكر وجود إيرادات من الوزارات والمؤسسات والضرائب والرسوم الجمركية وايرادات المنافذ الحدودية، لا أحد يعلم أين تذهب ومن يستفيد منها، بالإضافة الى خدمة الدين نفسه فعندما يكون لديك دين عليك أن تدفع الفوائد وتسديد الاقساط ونحن داخلين بما يسمى بدوامة الدين.

والخطير في الموضوع ان الجزء الأكبر من الإيرادات لم يستثمر، لا مصانع استراتيجية ولا زراعة حديثة ولا طاقة بديلة ولا بنى تحتية مكتملة.

إذن ان الأموال لم تتحول الى أصول بل الى نفقات استهلاكية مؤقتة.

كل ذلك يجعل الاقتصاد العراقي في وضع خطير جداً، فلماذا ترتفع المديونية رغم الإيرادات الضخمة؟، لأن العراق يعيش اقتصاداً ريعياً استهلاكياً تابعاً، لا اقتصاد دولة منتجة.. إيرادات كبيرة لكن النفقات الجارية أكبر وأسرع، كما ان الإيرادات غير مستقرة ولا يوجد احتياطي سيادي حقيقي ولا انتاج يعوض النقص، ولذلك فعند أول انخفاض في سعر النفط أو تأخير تحويلات إيرادات أو أي ضغط سياسي تلجأ الدولة فوراً الى الاقتراض، فخلاصة الكلام:

“إن ارتفاع المديونية في العراق لا يعود الى ضعف الإيرادات النفطية، بل الى طبيعة انفاقها الريعي والاستهلاكي، وغياب الاستثمار الإنتاجي، واستنزاف الموارد عبر الاستيراد والفساد، ما يجعل الدولة تقترض رغم امتلاكها موارد مالية ضخمة”.

أما على المستوى الاجتماعي، فتوضح الجداول (٤) و(٥) ان هذا النموذج الاقتصادي لم ينجح في توفير فرص العمل أو تقليص الفقر، إذ يضم العراق ملايين العاطلين عن العمل وملايين أخرى تحت خط الفقر، رغم الموارد المالية الكبيرة المتأتية من النفط.

ومن المعروف ان هناك علاقة بين البطالة وزيادة مستويات الفقر، كون البطالة تؤدي الى الفقر، بسبب فقدان الانسان عمله بمعنى فقدان دخله الذي يعتمد عليه في معيشته وسد حاجاته الأساسية، هذا إذا علمنا ان الطبقة السياسية لا تمتلك سياسة واضحة للتشغيل وليس لديها أي تصور عن ذلك، وانما تعاملت مع فرص التشغيل والتوظيف كمكاسب حزبية ضيقة لتوسيع قاعدتها الجماهيرية

من اجل استغلالها للانتخابات، وان شباب العراق يدفعون ثمن متاجرة وفساد القوى السياسية بالموارد العامة للبلاد.

و في قطاعي التعليم والصحة، تكشف الجداول (٦) و (٧) عن اختلال بنيوي واضح يتمثل في عدم التناسب بين عدد السكان والطلبة من جهة وعدد المدارس والمستشفيات والاسرة الطبية والأطباء من جهة أخرى، وهو ما يعكس ضعف قدر ة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.. بالإضافة الى ذلك وجود أكثر من ٧ مليون شخص أُمي في العراق.

إن القراءة المترابطة لهذه الجداول الرقمية السبعة تُظهر أن الأزمة الاقتصادية في العراق ليست ظرفية، بل هي نتيجة مباشرة لاقتصاد ريعي أحادي، وارتهان القرار الاقتصادي، وغياب استراتيجية تنموية شاملة، الأمر الذي يجعل خطر الانهيار الاقتصادي نتيجة منطقية لمسار قائم.

كل هذه المؤشرات وهناك عشرات منها التي لا مجال لذكرها، فإن الاقتصاد العراقي وتدريجياً سيتم استيعابه واحتوائه من قبل ايران، وتمكنت ايران من الهيمنة عليه، وذلك من خلال الدور الذي تلعبه الميليشيات الموالية لإيران وعملائها في السلطة والبرلمان وذلك من خلال:

 

١ – تشكيل منظومة اقتصادية متشعبة وبالأخص بعد عام ٢٠١٤ وهذه المنظومة هي التي ساعدت ايران على التغلغل في معظم مفاصل الدولة.

 

٢ – السيطرة على رئيس الوزراء ومكتبه.

٣ – تمكنت المليشيات من بناء قوة عقارية كبيرة جداً وتمكن حزب الله في لبنان من الحصول على عقود وهمية لتمويل نفسه.

٤- سيطرة رجال الاعمال المرتبطين بايران على اربعة بنوك خاصة تستغل مزاد بيع العملة للبنك المركزي والذي يعرض يومياً من ٢٠٠ – ٢٥٠ مليون دولار وتقوم هذه البنوك بشرائها وتعمل على تأمين العملة الصعبة الى ايران.

٥ – سيطرة المليشيات على عدد من حقول النفط وفي مناطق محددة (الكيارة وعلاس ونجمة) مما يدر عليهم واردات ضخمة من خلال بيعه وتهريبه الى ايران، كما تقوم هذه المليشيات على توفير غطاء لتهريب النفط الإيراني الخاضع للعقوبات الامريكية عبر الحدود مع العراق .

٦ – تمكنت المليشيات من اختراق نظام (الكي كارت) المخصص لدفع الرواتب الحكومية عبر زج اسماء موظفين وهميين في النظام الالكتروني للحصول على اموال تبلغ عشرات الملايين شهريا .

٧ – تقوم المليشيات بنهب وسرقة المساعدات الامريكية والدولية والموارد العراقية وتهريبها وتحويلها الى ايران .

ان هذه المليشيات تتدخل وبشكل مباشر او غير مباشر في جميع النشاطات الاقتصادية التي تحدث في العراق وبالأخص بالعقود الكبيرة والصغيرة ولديها نسبة تحصل عليها، وان كل ما تحصل عليه تحول الى ایران وتقوم ایران بتمويل اذرعها في المنطقة.. وبعد كل هذا، هل يوجد اقتصاد في العراق؟ وعن أي اقتصاد نتحدث وعن أي مستقبل نتحدث، وقد رهنوا ثرواتنا الى عشرات السنين وغرقونا بالديون وفوائد الديون ليحرموا أجيالنا من العيش بسعادة وأمان.

هذا هو وضع الاقتصاد العراقي، وبإمكاني ان أصفه بالاقتصاد المنهوب وهو على وشك الانهيار.

لكي يخرج العراق من هذه الدوامة التي يعيشها الشعب العراقي والتي فرضت عليه بسبب الاحتلال والغزو الأمريكي وحكوماته المتعاقبة، ومن أجل العمل على حل المشاكل الاقتصادية التي لن يمر بها الاقتصاد العراقي.

 

منذ العشرات بل المئات من السنين، لا بد من طرح حلول علمية وطنية واضحة المعالم، واضعين نصب أعيننا المصلحة الوطنية أولاً، والتي يجب أن يتفق عليها ويعمل على تحقيقها جميع العراقيين الوطنيين الشرفاء من أجل النهوض بالاقتصاد العراقي وعلى النحو الذي يخدم المجتمع برمته وهذه الحلول تتمثل بضرورة إنجاز ما يأتي:

١ – بادئ ذي بدء، لقد قدم عديد من الاقتصاديين العراقيين مقترحات ومعالجات علمية وعملية للوضع الاقتصادي في العراق، وجميع هذه المعالجات والمقترحات، حتى التي جاءت بها ورقتنا البحثية، إذا ما نفذت ستنقذ الاقتصاد العراقي من الانهيار، ولكن..!! على شرط أن يتم تغيير المنظومة السياسية الفاسدة والمرتبطة بأجندات خارجية وقلعها من جذورها، وما عدا ذلك ستكون جميع ما قدمناه من مقترحات ومعالجات حبر على ورق.

٢ – العمل بكل جدية وإخلاص على هيكلة الدولة العراقية بمؤسساتها كافة بوصفها وسيلة وهدف لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور، كون الدولة العراقية تمتلك من الإمكانات المادية والبشرية والخبرات المتراكمة ما يؤهلها لإنجاز هذه المهمة، وبدون ذلك سيبقى الاقتصاد العراقي غير معافى وستكون موارد البلد عرضة للنهب والسلب والابتزاز والتبديد.

٣ – اعادة البناء المؤسسي للدولة العراقية بتشكيلاتها كافة المدنية منها والعسكرية، سيساهم بشكل فعال في امتصاص البطالة المتفاقمة في العراق .

٤ – العمل وبكل الوسائل، القضاء على الفساد المالي والاداري المستشري في البلاد وفي مرافق الدولة ، ومحاربته واجتثاثه عمودياً وافقياً، كون الفساد المالي والاداري عدو التنمية، وبدون ذلك سوف لن يتمكن كائن من يكون من معالجة الاوضاع المزرية والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها البلد

٥ – العمل على متابعة الاموال المسروقة والاملاك العامة والخاصة والمهربة خارج العراق والاشخاص الذين قاموا بذلك، وارجاعها الى العراق، كونها اموال الشعب العراقي وله الحق باعادتها ، ومحاسبة السراق ومعاقبتهم باشد العقوبات .

٦ – العمل على زيادة حجم الانفاق الاستثماري من قبل الدولة على المشاريع الانتاجية وبشكل خاص تخصيص حجم مناسب من الاستثمارات والاموال المطلوبة لاعادة تشغيل تلك المشاريع الانتاجية التي تعطلت فيها الطاقات الانتاجية بسبب ما اصابها من دمار خلال ظروف الاحتلال، علماً ان تفعيل النشاط الاستثماري من قبل الدولة في هذه المشاريع واستغلال طاقاتها الانتاجية المعطلة .

٧- العمل على تعزيز دور القطاع الخاص، وفق آليات وسياسات محددة لابراز دوره في عملية النهوض الاقتصادي وتنفيذ المشاريع الانتاجية والخدمية التي بامكانها ان تساهم في الحد من الاختناقات الاقتصادية، وينبغي هنا الوقوف بحزم ضد خصخصة القطاعات والانشطة الاقتصادية للدولة خاصة الاستراتيجية منها، كون العراق بأمس الحاجة في هذه الظروف الى دور الدولة القوي كي يعيد بناء هيكلية الاقتصاد وخلق الموازنات المطلوبة.

٨- العمل على تشجيع الاستثمار الوطني بالدرجة الاولى والاستثمار العربي، وذلك لفسح المجال امام الاستثمارات كي تلعب دورا في تنشيط حركة النمو الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات الاجنبية وفق شروط وتعليمات وقوانين تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني ومعالجة مشاكله الاساسية، بحيث لا تتقاطع مع السيادة الوطنية.

٩- من اجل تحقيق مبدأ النمو الاقتصادي المتوازن، ينبغي التوزيع العادل للاستثمارات والثروات الوطنية على مناطق القطر كافة مع التركيز على المناطق الاكثر تضررا ودمارا في ظروف الاحتلال وحكوماته المتعاقبة.

١٠- العمل على وضع سياسات مالية ونقدية فعالة، للحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار العراقي، والحد من ظاهرة التضخم وارتفاع الاسعار، واعتماد سياسات اجرية متوازنة على مستوى القطاعات الاقتصادية، واستخدام. الضريبة ليس فقط كاداة لزيادة الايرادات وانما كوسيلة لتحقيق اهداف اجتماعية كاعادة توزيع الدخل بين الافراد.

١١ – اعطاء قطاع الخدمات الاولوية في عملية الاستثمار ، لعلاقة هذا القطاع المباشرة والوثيقة بحياة ومستقبل الفرد العراقي وكذلك تطوير الانشطة الانتاجية المختلفة وعليه عند اعادة اعمار مشاريع هذا القطاع ينبغي تحقيق ما يأتي :

أ – ضرورة توفير الطاقة الكهربائية وزيادة القدرات التوليدية والعمل على صيانة وتصليح الشبكة الوطنية والمحطات المتضررة واعتماد آلية واضحة ومستقرة لبرمجة وتوزيع الطاقة الكهربائية على مستوى القطاعات المستخدمة لها سواء المنزلية منها والانتاجية حيث لاستمرار انقطاع التيار الكهربائي انعكاساته على المواطن العراقي من الناحية النفسية والاجتماعية والانتاجية .

ب- العمل على تنمية وتطوير المشاريع الصحية المختلفة ورفد المستشفيات بالكوادر الطبية والتخصصات صحية المطلوبة وتوفير المستلزمات الضرورية من الادوية والاجهزة الطبية المختلفة التي اصبح المواطن العراقي بأمس الحاجة لها في ظل ظروف الاحتلال .

ج – العمل على استكمال اعادة اعمار وتصليح المدارس والمؤسسات التعليمية التي تضررت جراء الحرب وسد الملاكات والشواغر الضرورية لاستمرار العملية التربوية فيها .

د- استمرار العمل في نظام الرعاية الاجتماعية وتطوير مؤسساته المختلفة وذلك دعماً للأسر العراقية الفقيرة التي فقدت مصادر دخلها الرئيسي جراء الحرب وظروف الاحتلال القاسية عليها .

هـ – ضرورة إيجاد آلية محددة من قبل الدولة لتنظيم عملية دخول السيارات الحديثة إلى القطر آخذة بنظر الاعتبار ظروف البلد الأمنية من جهة وحجم وطبيعة شبكة الطرق المحدودة في العاصمة والمحافظات من جهة ثانية حيث إن استمرار دخول هذا الكم الهائل من السيارات ووسائط النقل المختلفة من دون وضع خطة واضحة ومحددة لها خلق وسيخلق اختناقات مرورية كبيرة تعيق عملية وصول المواطن إلى عمله بالوقت المحدد والحد من حركته داخل المدن .

12- ضمن إطار معالجة مشكلة البطالة والاستخدام الأمثل للقوى العاملة ينبغي اعتماد برامج لتدريب وتأهل وتطوير قدرات الأطر البشرية لإكسابهم المعارف والخبرات والمهارات المطلوبة بمختلف الاختصاصات وفي هذا المجال ينبغي التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة والجامعات والكليات المتخصصة.

13- العمل على تشجيع القطاع الزراعي ودعمه بشكل كبير وإيجاد الوسائل والسبل اللازمة لتنمية وتطوير هذا القطاع بوصفه الركيزة الأساسية التي تضمن تحقيق الأمن الغذائي للشعب العراقي وفي هذا المجال ينبغي تحقيق الآتي :

أ – قيام الدولة بالاشراف المباشر على الاستثمار في البناء التحتي للقطاع الزراعي حيث ان هذا النشاط ينبغي ان يكون من مهمة الدولة وذلك لان القطاع الخاص لا يمكن القيام به.

ب- ايجاد آلية منسقة ومنظمة للتوزيع العادل للمياه على المستوى المحلي وتوزيع الطاقة الكهربائية حيث ان برمجة توزيع هذين المصدرين يؤثران على معدلات الانتاجية المتحققة في هذا القطاع .

ج – تطوير الوسائل والاجراءات التي من شأنها تحقيق زيادة من الانتاجية الزراعية للنشاط الزراعي الخاص من خلال التدريب والارشاد في مراكز تدريبية خاصة او من خلال المساهمة في البحوث الزراعية .

د – مساهمة الدولة في حل المشاكل التي يعاني منها المزارع العراقي وخاصة في مجال التمويل وزيادة مساهمة المؤسسات المصرفية في منح القروض الزراعية او دعم الدولة ومساهمتها في تسويق منتجاته الزراعية .

١٤ – في مجال السياسة التجارية المتبعة من قبل الدولة حاليا وضمن اطار حرية دخول وخروج البضائع والسلع والخدمات التجارية ينبغي اعتماد آلية محددة وواضحة في هذا المجال بالشكل الذي لا يؤثر سلبا على الانتاج الوطني ويعيق الانتاج المحلي وضمن هذا المجال ايضا ينبغي على الدولة ان تعزز من نظام البطاقة التموينية وتدعمها بفقرات اضافية بغية زيادة مستوى الدخل الحقيقي للفرد العراقي ورفع مستواه المعيشي في ظل ظروف الاحتلال القاهرة .

١٥ – في مجال القطاع النفطي على الدولة ان تتبع سياسة نفطية واضحة من حيث الانتاج والتصدير وسد حاجة المواطن العراقي من هذه المادة الرئيسية بما ينسجم مع وضع السوق النفطي الدولي وقرارات منظمة الاوبك في تحديد سقف الانتاج وكميات التصدير والعمل على تحقيق سعر متوازن للبرميل الواحد مما يخدم ذلك تحقيق المصلحة الوطنية والقومية والانسانية والحفاظ على قرار التأميم الخالد بوصفه قرارا وطنيا خالصا.

١٦ – ان عملية البناء والاعمار وتنشيط الاقتصاد العراقي وحل مشاكله الرئيسية سواء على مستوى قطاعاته الانتاجية او الخدمية المختلفة لا يمكن ان يتحقق ذلك الا في ظل تبني سياسة تنموية مستقلة تتظافر فهيا كل الامكانات الوطنية المادية والبشرية وتعبئتها واستخدامها بشكل امثل وهذا كله مرتبط بانهاء حالة الاحتلال وضرورة تحقيق الاستقرار الامني الكامل داخل العراق والمنطقة وهذا لا يمكن ان يتم الا في ظل وجود حكومة وطنية مستقلة باتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية وبعكس ذلك سيبقى الاقتصاد العراقي يعاني من التبعية الاقتصادية والسياسية مما يعرقل مسيرة النهوض والتنمية في هذا البلد.

 

ملاحظة:

ان جميع البيانات الواردة في هذه الدراسة هي ذات طابع تقديري وتحليلي، وتعكس الاتجاهات العامة ولا تمثل قيماً رقمياً نهائية.

اعتمدت الدراسة على كتاب “الاقتصاد العراقي على وشك الإنهيار” الصادر عن دار آمنة للنشر والتوزيع عام ٢٠٢٢ للأستاذ الدكتور محمد طاقة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *