معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمضيق هرمز

حجم الخط

أ.د محمد طاقة

 

المقدمة

في عالم تحكمه شبكات الطاقة وسلاسل الإمداد العابرة للقارات، لم تعد الجغرافيا مجرد إطار طبيعي للأحداث، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل موازين القوة الدولية. وتبرز المضايق البحرية بوصفها نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وتعيد رسم معادلات النفوذ بين الدول الكبرى.

ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه النقاط، باعتباره أهم ممر بحري للطاقة في العالم، وأخطر نقطة اختناق في النظام الاقتصادي الدولي.. فهو يربط بين الخليج العربي – الذي يعد أكبر خزان نفطي عالمي – وبين الأسواق الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا، عبر خليج عمان والمحيط الهندي.

إن أهمية هذا المضيق لا تنبع من موقعه الجغرافي فحسب، بل من حجم التدفقات النفطية والغازية التي تعبره يومياً، ومن درجة الاعتماد العالمي عليه، ومن كونه ساحة تداخل مباشر بين المصالح الإقليمية والدولية. فالجغرافيا تنتج اقتصاداً، والاقتصاد يولد سياسة، والسياسة تعيد عسكرة الجغرافيا وانطلاقاً من ذلك تتناول هذه الدراسة بعدين متكاملين:

الأول: الأهمية الجغرافية للمضيق.

الثاني: الأهمية الاقتصادية وأثرها في أمن الطاقة العالمي.

 

أولاً: الأهمية الجغرافية لمضيق هرمز

تعد المضائق المائية شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبرها نسب كبيرة من حركة التجارة الدولية ونقل الطاقة، مما يجعلها عناصر حاكمة في منظومة الاقتصاد العالمي.. ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث اختصار الزمن وتقليل تكاليف النقل والتأمين.

وفي هذا السياق، يصنف مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل الأهم في مجال نقل النفط والغاز الطبيعي، متقدماً من حيث الأهمية الاستراتيجية للطاقة على مضائق كمضيق (ملقا، ومضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب، والقناة الإنكليزية) نظراً لحجم تدفقات الطاقة التي تعبره يومياً.

يقع مضيق هرمز في الجزء الشرقي من الخليج العربي، ويمثل حلقة الوصل بين مياه الخليج من جهة ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى. ويحده من الشمال والشرق (الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، فيما تحده من الجنوب سلطنة عُمان، وتحديداً محافظة مسندم التي تشرف جغرافياً على جزء مهم من حركة الملاحة فيه، حيث تمر قنوات العبور ضمن نطاق المياه الإقليمية العُمانية.

 

يبلغ طول المضيق نحو (167) كم تقريباً ويتراوح عرضه بين (33 – 95) كم بينما يصل عرضه في أضيق نقطه إلى نحو (33) كم فقط. أما عمقه فيتراوح بين (60 – 100) متر، ما يجعله صالحاً لعبور ناقلات النفط العملاقة وسفن الحاويات الكبرى، وتُقسم حركة الملاحة فيه عبر ممرين متوازنين للدخول والخروج، عرض كل منهما يقارب ميلين بحريين، يفصل بينهما نطاق أمني، وهو ما يعكس حساسية الممر وضيق هامش المناورة فيه.

عُرف مضيق هرمز تاريخياً باسم (فك الأسد) في إشارة إلى موقعه المفصلي في رسم شبكة الطرق التجارية والبحرية، فهو المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي نحو المحيط الهندي والأسواق العالمية، وبالتالي يشكل بوابة المدخلات والمخرجات الاقتصادية لدول المنطقة وممراً حيوياً لحركة الطاقة في غرب آسيا والشرق الأدنى.

ويضم المضيق عدداً من الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، بعضها يتبع لإيران مثل جزر قشم وهرمز ولارك وهنجام، فيما تقع جزر أخرى تحت الإدارة العُمانية مثل مجموعة جزر سلامة وبناتها وجزيرة الغنم، إضافة إلى شبه جزيرة مسندم.

 

كما تتحكم بمدخل المضيق الشمالي أربع جزر رئيسية هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى والفارور، وقد سيطرت ايران على الجزر الثلاث الأولى عام (1971) ولا تزال هذه الجزر موضع نزاع مع دولة الإمارات العربية المتحدة، لما تمثله من نقاط مراقبة استراتيجية قادرة على التأثير في حركة الملاحة والسيطرة النسبية على المجال البحري.

تتجلى الأهمية الجغرافية لمضيق هرمز في كونه الممر الإجباري لصادرات النفط والغاز من دول الخليج العربي (السعودية، العراق، الكويت، الإمارات، قطر والبحرين) إضافة إلى إيران نفسها، وتشير التقديرات الحديثة إلى أن ما بين (20 – 21) مليون برميل نفط يومياً تمر عبر المضيق، أي ما يقارب خمس الاستهلاك النفطي العالمي، فضلاً عن مرور نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصاً الصادرات القطرية المتجهة إلى آسيا وأوروبا.

وبهذا المعنى فأن أي اضطراب في الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية، وأسواق المال وسلاسل الإمداد ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، ما يمنحه وزناً يتجاوز نطاقه الجغرافي الضيق إلى تأثيرات اقتصادية عالمية واسعة.

 

 

وبسبب موقعه الاستراتيجي، كان مضيق هرمز مسرحاً لتوترات وصراعات متكررة، خلال الحرب (العراقية – الإيرانية) عام (١٩٨٠ – ١٩٨٨) شهد ما عُرف بـ “حرب الناقلات”، كما وقع اشتباك مباشر بين البحرية الأمريكية والبحرية الإيرانية عام (١٩٨٨) في إطار عملية عسكرية أمريكية واسعة ضد أهداف إيرانية. وفي عامي (٢٠٠٧ – ٢٠٠٨) سُجلت مناوشات بحرية بين الولايات المتحدة وإيران في مياه المضيق.

وفي السنوات الأخيرة، عاد المضيق إلى واجهة التوترات الإقليمية، في ظل الصراع المستمر بين إيران من جهة، وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى، حيث لوّحت إيران مراراً بإغلاق المضيق في حال تعرضها لهجوم عسكري، وهو ما ترفضه القوى الصناعية الكبرى (أمريكا، والاتحاد الأوروبي، اليابان، الصين) لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة عبره.

وتشير العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أن إيران تمتلك قدرات عسكرية بحرية وصاروخية تمكنها من تهديد الملاحة في المضيق، سواء عبر الألغام البحرية أو الزوارق السريعة أو الصواريخ الساحلية، في المقابل تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري مكثف في المنطقة، من خلال الأسطول الخامس المتمركز في البحرين، إلى جانب حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات النووية، في إطار سياسة ردع تهدف إلى ضمان حرية الملاحة ومنع إغلاق المضيق.

أن الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي كحلقة وصل بحرية، بل من كونه نقطة اختناق (choke point)، في النظام الطاقوي العالمي، حيث تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد والأمن العسكري، فهو ممر بحري ضيق نسبياً، لكنه يحمل على عاتقه نسبة ضخمة من تدفقات الطاقة العالمية، مما يجعله عنصراً مركزياً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وهو المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي، وهو أيضاً يمثل نقطة اختناق استراتيجية في شبكة الطاقة العالمية، وموقعه والمحيط الهندي يسمح بالتحكم النسبي بحركة الملاحة عبر الانتشار العسكري، والجزر المشرفة عليه وعقدة وصل بين غرب آسيا والمحيط الهندي.

ويُعد فهم هذه الأهمية الجغرافية مدخلاً أساسياً للانتقال إلى دراسة البعد الاقتصادي للمضيق بوصفه محوراً رئيسياً في تسعير الطاقة، واستقرار الأسواق، والتوازنات الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر.

 

ثانياً: الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز

ازدادت الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز بشكل جذري مع اكتشاف النفط في إيران وشبه الجزيرة العربية مطلع القرن العشرين، فمنذ ذلك الحين تحول المضيق من ممر بحري إقليمي إلى أهم نقطة اختناق (choke point) في منظومة الطاقة العالمية.

واليوم ينظر إليه بوصفه العنق الرئيسي لتجارة النفط في العالم وأهم ممر بحري للطاقة في العالم وأكثر نقطة حساسة في توازن أسعار النفط.

تشير التقديرات الحديثة إلى أن ما بين (١٧ – ٢٠) مليون برميل نفط يومياً يمر عبر المضيق، وهو ما يعادل تقريباً (٢٠٪ – ٣٠٪) من تجارة النفط المنقولة بحراً وقرابة (خمس) الاستهلاك العالمي اليومي، كما يمر عبره ما بين (٢٠٪ – ٣٠٪) من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، خصوصاً صادرات قطر التي تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم.

والجدول رقم (١) يبين متوسط الحركة اليومية:

 

 

المؤشر التقدير التقريبي

النفط المار يومياً (١٧ – ٢٠) مليون برميل

عدد ناقلات النفط (٢٠ – ٣٠) ناقلة تقريباً

معدل عبور ناقلة كل ٦ – ١١ دقيقة

نسبة الغاز المسال (٢٥٪ – ٣٠٪) من التجارة العالمية

 

ولهذا يوصف المضيق بأنه (عنق الزجاجة) في الاقتصاد العالمي، يمثل المضيق المنفذ البحري الرئيسي لصادرات دول الخليج والعراق وإيران.

والجدول رقم (٢) يبين نسبة اعتماد دول الخليج والعراق وإيران على المضيق:

 

الدولة نسبة الصادرات المارة عبر المضيق

السعودية ٧٠٪ – ٨٨٪ (مع وجود خط شرق – غرب كبديل جزئي)

العراق ٩٥٪ – ٩٨٪

الإمارات ٩٠٪ – ٩٩٪ (مع وجود خط حبشان – الفجيرة)

الكويت ١٠٠٪

قطر قرابة ١٠٠٪ ـ٠خاصة الغاز)

ايران نحو ٨٥٪ – ٩٠٪

 

يتضح من ذلك أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي إلى شلل شبه كامل لصادرات بعض الدول مع تفاوت القدرة على استخدام بدائل برية أو أنابيب.

كما أن اعتماد الدول المستوردة (الأسواق الآسيوية والأوروبية) حيث يتجه أكثر من (٨٠٪) من تدفقات الطاقة عبر المضيق إلى آسيا.

 

والجدول رقم (٣) يبين مدى اعتماد الدول الآسيوية على النفط الذي يمر عبر المضيق.

 

 

الدولة نسبة الاعتماد التقريبي على نفط يمر عبر المضيق

الصين (٤٠٪ – ٥٠٪) من وارداتها النفطية

الهند نحو (٥٠٪) من واردات النفط

نحو (٦٠٪) من الغاز

اليابان (٧٠٪ – ٩٠٪) من وارداتها النفطية

كوريا الجنوبية (٦٠٪) تقريباً

 

أما أوروبا فقد ازدادت أهمية نفط الخليج بعد حرب عام (٢٠٢٢) بين روسيا وأوكرانيا، إذ سعت الدول الأوروبية إلى تقليل الاعتماد على روسيا.

والجدول رقم (٤) يبين واردات بعض الدول الأوروبية من النفط الإيراني (تقريبية):

إجمالي الصادرات الإيرانية نحو (٢,٧) مليون برميل يومياً، وإن إجمالي ما كان يذهب لأوروبا نحو (٤٥٠) ألف برميل توزيع تقريبي.

 

الدولة واردات تقريبية يومياً

إيطاليا ١٥٠ – ١٨٠ ألف برميل

إسبانيا ١٠٠ – ١٤٠ ألف برميل

اليونان ٨٠ – ١١٠ ألف برميل

(هذه الأرقام تختلف حسب العقوبات وفترات السماح).

 

لا تقتصر أهمية المضيق على النفط والغاز فقط، بل يمر عبره نحو ٢٢٪ من تجارة بعض السلع الأولية (حبوب، خام الحديد، اسمنت) وعشرات ملايين الحاويات سنوياً في الموانئ المجاورة مثل “ميناء جبل علي”. وتقدر قيمة التجارة المارة عبره بما يقارب ترليون دولار سنوياً.

ولهذا فإن أي توتر أمني والتهديد بإغلاق المضيق سوف يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وزيادة أسعار الشحن واضطراب سلاسل الإمداد، وبالأخير سيؤدي إلى قفزات فورية في أسعار النفط قد تتجاوز (١٠٠) دولار للبرميل في حالات التصعيد.

وبسبب هذه المعطيات يمثل المضيق أداة تأثير غير مباشر في تسعير النفط وأي تهديد بإغلاقه يؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسواق الآجلة. والمضيق يربط أكبر مستودع للطاقة في العالم (الخليج العربي) بأكبر أسواق الاستهلاك (آسيا وأوروبا).

وقد زادت أهميته بعد حرب (٢٠٢٢) الروسية – الأوكرانية، حيث توجهت الدول الصناعية إلى الخليج العربي لتعويض الإمدادات الروسية.. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى احتمال ارتفاع الطلب العالمي إلى نحو (١٢١) مليون برميل يومياً بحلول عام (٢٠٣٠)، ما يعني استمرار مركزية المضيق في معادلة الطاقة.

 

رغم استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية، فإن إغلاقه سيؤدي إلى ارتفاع عالمي حاد في الأسعار واضطراب اقتصادي في آسيا أولاً، وتأثير مباشر باقتصادات الخليج العربي، وخسائر كبيرة لإيران نفسها لاعتمادها على تصدير النفط عبره.. وبالتالي فإن خيار الإغلاق يمثل سلاح ذو حدين.

وفيما يلي بعض المقترحات للتعامل مع المخاطر المستقبلية:

• علينا العمل على تنويع مسارات التصدير من خلال تعزيز خطوط الأنابيب البرية.

• العمل على تطوير الموانئ التي تقع خارج المضيق وإنشاء خطوط إقليمية مشتركة.

• العمل على بناء احتياطيات استراتيجية من خلال تعزيز مخزونات النفط في آسيا وأوروبا وتنسيق مخزونات الطوارئ عبر وكالة الطاقة الدولية.

• بالإضافة للعمل على وضع ترتيبات أمنية إقليمية.

• العمل على التحول الطاقي التدريجي وتقليل الاعتماد المفرط على نقطة اختناق واحدة وتسريع الاستثمار في الطاقة البديلة.

وعلى هذا الأساس، يتكامل البعد الجغرافي والاقتصادي لمضيق هرمز في تشكيل معادلة واحدة؛ كون الجغرافيا تمنح الموقع، والاقتصاد يمنح الوزن، والسياسة تمنح الحساسية. فهو ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة مركزية في شبكة الطاقة العالمية، وورقة ضغط استراتيجية، ومحدد رئيسي لاستقرار الاقتصاد الدولي.

 

الخاتمة

تظهر الدراسة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق في الخريطة، بل هو عقدة مركزية في بنية النظام الاقتصادي العالمي. فموقعه الجغرافي جعله بوابة الخليج إلى العالم، لكن حجم الطاقة المارة عبره هو ما منحه وزنه الاستراتيجي الحقيقي.

لقد أثبت التحليل أن المضيق يمثل أهم نقطة اختناق في تجارة النفط العالمية، وممراً حيوياً لنحو خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة، وركيزة أساسية لأمن الطاقة في آسيا وأوروبا، وورقة ضغط سياسية وعسكرية في التوازنات الإقليمية.

وفي ظل التوترات المتكررة في المنطقة، يتضح أن أي اضطراب في المضيق لا يبقى حدثاً محلياً، بل يتحول فوراً إلى أزمة عالمية تنعكس على أسعار النفط، والتضخم، وسلاسل الإمداد، والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية والنامية على حد سواء.

وعليه، فإن استقرار مضيق هرمز لا يمثل مصلحة إقليمية فحسب، بل ضرورة دولية لضمان توازن الاقتصاد العالمي.

وعليه فإن مستقبل المضيق يرتبط بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الانتقال من منطق التهديد المتبادل إلى منطق إدارة المصالح المشتركة، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل صدمات متكررة في أهم عنق زجاجة للطاقة في العالم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *