تتسم الأميبيا ، هذا الكائن الدقيق ، بقدرتها على التكاثر عبر الانشطار الثنائي ، إذ تتحول الخلية الواحدة إلى خليتين ثم أربعة فثمانية بلا توقف ، في دورة مستمرة لاتُعرف الاستقرار .
هذا التشبيه البيولوجي يبدو اليوم الأكثر تعبيراً عن واقع العرب ، اذ لم يعد الانقسام فعلاً طارئاً أو ظرفياً ، بل أصبح سلوكاً متجذراً في الشخصية العربية المعاصرة ، حتى غدا
الانشطار سِمَة جمعية تتكرر في الأسرة والمجتمع والسياسة والفكر والدولة .
إنّ الواقع العربي اليوم ينقسم بسرعة تفوق سرعة إنشطار الأميبيا نفسها ، فالجزء يتشظى إلى أجزاء ثم تتفتّت تلك الأجزاء إلى أجزاء أصغر في سلسلة لاتنتهي من التفكّك . هذا الانشطار العميق لم ينتج سوى مزيدٍ من الجهل والتخلف والأمية وانسداد الأفق الحضاري ، فالخلاف عند العرب لايفضي إلى وفاق والحوار لا ينتج حلول، والاجتماع لا يولد وحدة ، بل غالباً ما ينتهي إلى اختلاف أشد .
حتى الجلسة الصغيرة التي تضم خمسة أشخاص للبحث في مشكلة عربية واحدة ، تنتهي غالباً إلى إنقسامهم بدل إتفاقهم .
وهذا النموذج المصغر هو نسخة طبق الأصل عن واقع القوى السياسية والأحزاب الوطنية والحكام العرب وفصائل المقاومة ، وجميع القوى القومية التي انقسمت على نفسها حتى فقدت القدرة على قيادة الأمة أو تحقيق الوحدة داخل صفوفها .
لقد عرف العرب في الجاهلية الأولى حالة مماثلة من التشظي ، قبائل تغزو قبائل ، وصراعات لا تهدأ ، ثم جاء الإسلام برسالة جمعت شملهم ، وجعلت منهم قوة عظمى ،مؤمناً بوحدة السماء والأرض (( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا .. )) آل عمران / ١٠٣
ولكن بالرغم من وجود الإسلام ذاته اليوم ، إلاّ أنّ العرب عادوا إلى حالة الانقسام الأولى ، ونحن (( ندّعي الإسلام )) ولكن لا نطبِّق جوهره ، خصوصاً ما يتعلق بالوحدة والتكافل والعدالة
بالتأكيد هنالك العديد من العوامل أثّرت على ذلك منها داخلية وخارجية ، إنّ من أهم العوامل الداخلية التي أدّت إلى الانشطار العربي هي :
أولاً : الجهل والتخلف وغياب التنمية
أحد أهم أسباب هذا الانشطار هو انتشار الأمية والانهيار التعليمي ، وتخلف المنظومات الصحية ، وفشل الحكومات العربية في بناء تنمية حقيقية مستدامة ، فقد تحوّل الإنسان العربي من صانع حَضارة إلى ضحية فساد مستمر ، وبطالة واسعة ، وتفاوت طبقي مهين وفقدان لفرص العمل وانعدام العدالة الاجتماعية .
ثانياً : العادات والتقاليد الاجتماعية والطائفية
ماتزال المجتمعات العربية أسيرة منظومات قبلية وعشائرية وطائفية تتناقض جذرياً مع تطورات العالم هذه البنى التقليدية جعلت التوحد أمراً شبه مستحيل ، إذ تقدّم الولاء للطائفة والقبيلة على الولاء للأمة .
ثالثاً : الحكام العرب والارتهان للخارج
ساهمت الأنظمة العربية ، التي جاءت غالباً بدعم خارجي في تكريس الانقسام من أجل الحفاظ على بقائها ، فالوحدة تهدِّد سلطتها ، والوعي يُخيفها ، والتكامل بين العرب يَحِدّ من نفوذ القوى الكبرى التي جاءت بها لذلك عمل كثير من الحكام على إضعاف شعوبهم ، وتهميش التعليم وتغذية الانقسامات الداخلية .
رابعاً : عقدة الزعامة
العربي اليوم أسيرٌ لعقدة الزعامة والقيادة الفردية ، كلّ حزب يريد القيادة ، وكلّ حركة تريد المركز ، وكلّ دولة تريد الريادة على الآخَرين ، هذا التنافس المَرَضي جعل من الوحدة العربية مشروعاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى .
أمّا من أهم العوامل الخارجية التي تُغذِّي الانقسام هي :
اولاً : الصهيونية العالمية
تحمل الصهيونية حقداً عميقاً تجاه العرب والمسلمين ، وقد عملت تاريخياً على إضعافهم وتمزيق صفوفهم ، وبذلت كلّ جهد لاستغلال نِقاط ضعفهم ، مدركة أنّ أمة مفكّّكة أسهل على الاستهداف من أمة موحدة .
ثانياً : استغلال التناقضات المذهبية
عملت القوى الغربية على توظيف الخلافات
(( السنية – الشيعية )) لتشويه صورة الإسلام وإضعافه أمام العالم ، وتقديمه دين عنف وإرهاب ، وقد تمّ تكليف إيران عملياً بإثارة الفتن في المنطقة ، وقد نجحت إيران في تحويل لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى ساحات صراع ودمار وانقسام .
ثالثاً : زرع إسرائيل في قلب الأمة
أُنشئت إسرائيل لتكون أداة تفجير دائم للمنطقة ، قوة متفوقة عسكرياً ومالياً وتقنياً ، هدفها منع أيّة نهضة عربية ، وقد خاضت كلّ حرب مطلوبة لتدمير أيّة تجربة قومية أو وحدوية بدءاً من تجربة المرحوم عبد الناصر وصولاً إلى تجربة العراق بقيادة حزب البعث
وكلّ مشروع رفع شعار التحرر والوحدة .
ّ
منذ الأربعينات ، حاولت القوى القومية العربية معالجة الواقع العربي ، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي من أبرز القوى التي تبنّت مشروعاً فكرياً ونضاليا نهضويا لإنقاذ الأمة ، وقد منح الحزب هدف الوحدة العربية أولوية قصوى ، إيماناً منه بأنّ وحدة الأمة
هي السبيل الوحيد للخلاص من التخلف والتبعية والاستعمار ، ولكن هذه المشاريع القومية واجهت عداء الخارج وخيانة الداخل والأنظمة العربية المعادية للوحدة والضربات العسكرية التي استهدفت كلّ تجربة وحدوية حقيقية .
إنّ ما تواجهه الأمة العربية اليوم من مخاطر جسيمة ، فهي بحاجة إلى وقف الانشطار والتشظي تماماً ، كما تعالج الأميبيا عبر إيقاف انشطارها ، فإنّ علاج الواقع العربي يبدأ من وقف الانقسام الذي ينخر بالأمة .
فالوحدة لا تتحقق من دون وعي جماعي وإرادة سياسية مستقلة ومشروع نهضوي ومؤسسات قوية وتحرر من التبعية وإيمان مطلق بأنّ ما يجمع العرب أكثر ممّا يفرقهم .
إنّ العرب اليوم وأحزابهم القومية والوطنية أمام مفترق طرق أمّا الاستمرار في الانشطار حتى التلاشي أو استعادة مشروع الوحدة الذي وحده يُعيد للأمة قوتها ومكانتها ودورها الحَضاري .
عمان
22/11/2025

