معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

الأرواح لا تكتفي بما يكفي

حجم الخط

متابعة: د. جمال جبارة

(الإعلامي والكاتب المصري)

بقلم: د. غادة / مصر

كان الغيابُ يتسلّلُ إلى حياته بكياسةٍ مُفرطة، لم يقرع الطبول ولم يكسر الأواني، بل ذاب في تفاصيل الأيام كشيءٍ يلفظ أنفاسه في هدوءٍ مطبق. بيتهُ لا يزالُ هناك؛ جدرانهُ دافئة، سُقفهُ متماسك، وقواربُ استقراره راسيةٌ بوقارٍ على ضفةٍ أليفة. وزوجتهُ تمارسُ طقس “الاستمرار” ببراعةٍ مذهلة، تعرفُ هندسة الأشياء ومواقيتها، تبتسمُ في اللحظة المناسبة، وتديرُ عجلة الحياة بيدٍ خبيرة تمنع الاهتزاز، لكنها لا تمنع الرتابة.

ثمّ انبثقت الضفةُ الأخرى..

لم تأتِ كإعصارٍ يقتلعُ الجذور، بل انسكبت في مداه كغديرٍ صافٍ، أبصر فيه وجهه لأول مرة بلا رتوش. معها، اكتشف ملامح لم يَعرفها في مرآته القديمة؛ وجهاً أكثر ليونة، وأصدق دمعاً، وأقل حذراً. الكلماتُ بينهما لم تكن تُبنى طوبةً فوق أخرى لتُقنع، بل كانت تنبتُ كالعشب، تلقائية، متطابقة، كأنّ روحين تاهتا في أزمنةٍ سحيقة، وحين تلامستا، أطلقتا تنهيدة التعرّف الطويلة.

حين عاد إلى قاربه القديم، شَعَر فجأةً بثقله. كان كل شيءٍ صالحاً للبقاء، لكنه يفتقرُ إلى البوصلة. الأيامُ تمضي كعقارب ساعةٍ سويسرية، دقيقةً لكنها باردة، منضبطةً لكنها لا تدهش أحداً. أما معها، فقد تمدد الزمن حتى صار أفقاً، وتنفّس العالمُ برئةٍ واسعة، حتى الصمتُ معها كان له رنينٌ عذب. لم يكن اقترابه منها طلباً لامتلاك، بل كان اعترافاً خفيضاً بأنّ بعض الأرواح لا يشبعها “المكفي”، بل تبحثُ عن “المعنى”.

لم تقتحم حياته، بل انسلّت إليها كضوءِ فجرٍ يداعبُ نافذةً منسية. فجأةً، تبدلت جغرافيا الأشياء؛ الممراتُ باتت أرحب، الصمتُ صار ريشةً خفيفة، والقلبُ الذي كان خاوياً امتلأ بضجيجٍ ناعم. تعلم معها أنّ الحياة لا تُعاش بقوة الإرادة وحدها، بل بحلمٍ سريّ يُخبأ في ثنايا الروح، لا يُعلن عنه، لكنه يعملُ كطوق نجاةٍ غير مرئي.

وفي الضفة الأولى، ظلت زوجتهُ هي القطب؛ ثابتة، حاضرة، تمسكُ بتلابيب التفاصيل بيدٍ لا ترتجف. لم يسحب منها حضوره، ولم يغدق عليها وعوداً كاذبة، لكنه صار أهدأ غضباً، وأكثر صبراً، وكأنّ نوراً سماوياً سقط على ظلاله الثقيلة فخفف حدّتها.

تلك الحبيبة لم تطلب مكاناً، ولم تدخل سباقاً للمنافسة. كانت موجودة كفكرةٍ بهية؛ لا تُلمس باليد، لكنها تُغير كيمياء الوجود. حين يضيقُ به البيت، يجدُ في ذكراها متسعاً، وحين يخنقه التكرار، يتذكر أنّ هناك سراً ينتظره خلف الأفق.

لم تكن “بديلاً”، بل كانت “الامتداد”. لم تهدم ما بناه من سنين، بل سكنت في شقوق الجدران كالدعامة الخفية. كانت هي الماء الذي تغلغل في مسام الحجر، فجعله أقل قسوة، وأكثر قدرةً على احتمال عواصف الحياة.

وعندما يسدلُ المساءُ ستائره، ويهدأ ضجيجُ العالم، يظلُّ القاربُ راسياً في مكانه، لكنّ قلبهُ الذي تعلّم فنّ العبور بين الضفتين، لم يعد يعرفُ السكون القديم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *