معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1853

أنطولوجيا الزيف: الجمال بين الواقع الفائق وأخلاقيات التناهي

حجم الخط

هشام أباخو – المغرب

في مستهل القرن الحادي والعشرين، وتحديداً ونحن نعبر عام 2026، لم يعد الجمال مجرد “تمثل ذهني” أو حكم ذوقي كما رآه إيمانويل كانط في كتابه “نقد ملكة الحكم”، بل استحال إلى عملية تقنية محكومة بخوارزميات “التنميط البصري”. إننا نعيش في عصر انتقل فيه الجمال من حيز “السمو” (Sublime) الذي يثير الرهبة والدهشة، إلى حيز “الاستهلاك البصري” المفرط، مما يفرض علينا إعادة فحص كينونة الصورة في مواجهة الحقيقة، والبحث عن مخارج فلسفية تعيد للاكتشاف البشري دهشته الأولى.

تبدأ الأزمة الوجودية للجمال المعاصر مما أسماه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في أطروحته “المصطنع والاصطناع” بـ “الواقع الفائق” (Hyperreality). في هذا الفضاء، لم تعد الصورة الرقمية (الفلتر) تمثيلاً للواقع أو تحسيناً له، بل أصبحت هي “الواقع الجديد” الذي يسبق الأصل ويُلغيه. إن “الفلتر” في جوهره ليس مجرد أداة تجميلية، بل هو “إعدام أنطولوجي” للملامح البشرية الفريدة لصالح “نموذج كوني مثالي” لا وجود له إلا في عالم البكسل. وهنا يتجلى قلق مارتن هايدغر الذي طرحه في مقالته “السؤال عن التقنية”، حين حذر من تحويل العالم والإنسان إلى مجرد “رصيد احتياطي” (Standing-reserve)؛ فالوجه البشري اليوم يُعامل كمادة خام قابلة للتعديل والقياس، مما يسلبه ما أسماه والتر بنيامين بـ “الهالة” (Aura)، تلك الروحانية التي تلتصق بالعمل الفني والجسد البشري نتيجة فرادتهما وارتباطهما بالزمن والمكان.

هذا التحول البصري أدى إلى ظهور ما يسميه الفيلسوف المعاصر بيونغ شول هان في كتابه “خلاص الجمال” بـ “الجمال الأملس” (The Smooth). وهو جمال يفتقر إلى “المقاومة”، جمال لا يخدش الحواس ولا يثير التساؤل، بل ينساب بنعومة خلف شاشات اللمس ليحقق “الإعجاب” الفوري. إن هذا الجمال الأملس هو الابن الشرعي لـ “مجتمع الاستعراض” الذي تنبأ به غاي ديبور، حيث “كل ما كان يُعاش مباشرة، تحول الآن إلى تمثيل”. في هذا المجتمع، يصبح الجمال وظيفة أدائية (Performance)؛ فنحن لا نكون جميلين لأنفسنا، بل لنكون “قابلين للاستهلاك” من قبل الخوارزمية، مما يسقطنا في فخ “الخداع الذاتي” (Bad Faith) بتعبير جان بول سارتر، حيث نتنكر لحقيقتنا المتغيرة من أجل صورة ثابتة ومزيفة.

وسط هذا الركام من الزيف الرقمي، تبرز فلسفة “الوابي-سابي” (Wabi-Sabi) اليابانية ليس كنمط ديكور، بل كفعل تمرد “أنطولوجي” وأخلاقي. إذا كان العالم الرقمي يسعى نحو “الكمال الهندسي” والخلود المصطنع، فإن الوابي-سابي تقوم على تقديس “التناهي” (Finitude). إنها الجمالية التي ترى في “النقص” ذروة الاكتمال. وهنا يتقاطع الفكر الشرقي مع صرخة تيودور أدورنو حين قال: “الجمال اليوم هو صرخة الطبيعة في وجه الصناعة”. فالوابي-سابي تعلمنا أن الجمال الحقيقي يكمن في ثلاثة مبادئ تهدم صنميّة الفلتر: أن لا شيء يدوم، ولا شيء يكتمل، ولا شيء مثالي.

إن استحضار مفهوم “الكنتسوغي” (Kintsugi) —فن إصلاح الفخار المكسور بالذهب— يمثل الاستعارة المثلى لهذا التمرد. فبينما تحاول الخوارزميات في عام 2026 محو التجاعيد والندوب، يخبرنا الكنتسوغي أن “الكسر” هو تاريخ القطعة، وهو سر جمالها. إن الجمال الرقمي يحاول تجميد الزمن، بينما الجمال الإنساني هو “صيرورة” دائمة. القبول بالتجاعيد، ومسامات الجلد، وعلامات التعب، هو في الحقيقة ممارسة لـ “أخلاقيات الأصالة”؛ إنه اعتراف بشجاعة الكائن في مواجهة الزمن.

إن “الخلاص” من عبودية “الواقع الفائق” لا يكمن في اعتزال التكنولوجيا، بل في تغيير زاوية النظر؛ في استعادة “عين الفيلسوف” التي تترفع عن “الجمال الأملس” لتبحث عن الجمال في “الشقوق”. الجمال في عصرنا الحالي يجب أن يُعاد تعريفه كـ “جماليات التناهي”؛ أن نحب الوجوه لأنها تتغير، ولأنها تحمل ندوب قصصها، ولأنها —فوق كل شيء— زائلة. وكما قال أوكاكورا كاكوزو في “كتاب الشاي”: “الجمال الحقيقي يكمن في إكمال ما هو غير مكتمل ذهنياً”. لنترك “الفلتر” جانباً، ولنعد تذوق تلك العيوب الجميلة التي تثبت، برغم ضجيج البكسلات، أننا ما زلنا كائنات من لحم ودم، وروح ترفض الاستنساخ.

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *